في صيف 2007، سيطرت حركة حماس على قطاع غزّة، بعدما طردت الأجهزة الأمنية للسلطة الفلسطينيّة التابعة لفتح. كان ذلك نهاية مسار من المواجهة السياسيّة والعسكريّة التي ابتدأت بالأساس بعد فوز حماس بالانتخابات التشريعيّة في أوائل 2006. منذ ذلك الوقت، أصبحت غزّة تحت سيطرة حكومة ألّفتها حماس، فيما آلت مقاليد الأمور في الضفّة الغربيّة لحركة فتح. وقد اصطُلح على تسمية هذا الوضع، الذي تمخّض عنه وجود إدارتين فلسطينيّتين سياسيّتين مُختلفتين في الضفّة والقطاع، «الانقسام الفلسطيني».

اليوم، يدور مجمل الحراك السياسي الفلسطيني في أوساط الفصائل الفلسطينيّة والفعاليّات الأخرى حول محاولة إنهاء هذا الانقسام، وإعادة توحيد المؤسّسات الفلسطينيّة في الضفّة والقطاع، لكنّ قلّة قليلة فقط تطرح السؤال الأساسي: هل بدأ الانقسام الفلسطيني في 2007 بالفعل؟ أهميّة الإجابة عن هذا السؤال تنطلق، بنظري، من ضرورة إعادة تأسيس الحركة السياسيّة الفلسطينيّة على قواعد جديدة، تأخذ بعين الاعتبار وصول المشروع الوطني الفلسطيني، بشكله القائم حاليّاً، إلى مأزقه الكبير. ولا يعني هذا الأمر، بحال من الأحوال، إعادة النفخ على نار مُنطفئة، بل محاولة تأسيس حراك من خارج منظومة الخطاب التقليدي للحركة الفلسطينيّة عموماً.
لقد تطوّرت تجربة الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة، ممثلة بمنظمة التحرير الفلسطينية بفصائلها المُتنوّعة، على اختلاف خلفيّاتها السياسيّة والأيديولوجيّة، عبر مسار طويل من التحديّات المُتعدّدة التي أملتها شروط وجودها في المنفى، وبالتالي تعرّضها لتدخلات القوى الإقليميّة المُختلفة. وقد قُدّر لهذه التجربة أن تتعرّض لهزّات داخليّة مُتعدّدة، باعدت بين مكوّناتها في أحيان كثيرة، مثلما قرّبت مكوّنات هذه الحركة من بعضها البعض في لحظات أخرى.
عبر هذا المسار الطويل، يمثّل ذهاب جزء من هذه الحركة، ممثلاً في حركة فتح، إلى مشروع التسوية في مؤتمر مدريد، ثم توقيع اتفاق أوسلو في 1993، الانقسام الأشد تأثيراً، ليس في الحركة السياسيّة الفلسطينيّة فحسب، بل في واقع الفلسطينيّين كشعب ومجتمع وهويّة. لقد مأسست اتفاقيّة «أوسلو» عمليّة تقسيم الفلسطينيين، عبر استبعاد قضيّة اللاجئين التي تمثّل الحجر الأساس في القضيّة الفلسطينيّة. على هذا المنوال، جرى تجاهل غالبيّة الفلسطينيين الُمقيمين في الشتات، وأُسّست سلطة فلسطينيّة، هي أقرب إلى إدارة محليّة في الواقع، تدير شؤون الفلسطينيين في قطاع غزّة والضفّة الغربيّة.
لم يصل مسار التسوية إلى أيّ نقطة، بل على العكس من ذلك، فاقم مأساة الفلسطينيّين إلى حدود تهدّد مشروعهم الوطني الحقيقي كشعب طامح إلى الحريّة والاستقلال. وبسبب فشل القيادة الفلسطينيّة، وافتقادها أيّ استراتيجيّة سياسيّة مُتكاملة، واستجابتها لكلّ الاشتراطات الدوليّة، تحوّلت السلطة الفلسطينيّة إلى مجرّد ديكور يسهم في تقديم نسخة «لايت» من الاحتلال العسكري الإسرائيلي، الذي حوّل أراضي الضفّة الغربيّة إلى مجموعة من المعازل، التي يعيش فيها الفلسطينيّون مُعتمدين على أموال الدعم الغربي المشروطة سياسيّاً.
ترافق العقدان الأخيران اللذان شهدا تجربة أوسلو في الأراضي الفلسطينيّة مع صعود حركة حماس. وتمثّل الأخيرة امتداداً لموجة الإسلامويّة الصاعدة عبر العالم العربي، منذ عقد السبعينيّات. استطاعت حركة حماس، متّبعة استراتيجيّات الحركة الإسلاميّة في مصر وغيرها من البلدان، أن تؤسّس لها حضوراً قويّاً في المجتمع الفلسطيني، عبر شبكة المساجد والمؤسّسات الخيريّة والتعليميّة والصحيّة، وأن تخترق بخطابها الديني، وأفكارها السياسيّة الراديكاليّة آنذاك، قطاعات واسعة من الجمهور الفلسطيني. كلّ ذلك أسهم في المحصلة النهائيّة، إضافةً إلى عوامل أخرى مرتبطة بفشل مشروع فتح السياسي وفساد إدارتها، في فوز حماس بانتخابات السلطة الفلسطينيّة في 2006، التي قبلتْ المُشاركة فيها هي وكل القوى التي رفضت ذلك في أعقاب توقيع اتفاق أوسلو.
ما يمكن ملاحظته في تجربة حركة حماس منذ انطلاقتها ومشاركتها في السلطة الفلسطينيّة، بل وقيادتها وحدها لهذا الجسم في أعقاب منتصف 2007 بغزّة، أنّها حافظت منذ البداية على مسافة حقيقيّة من مشروع فتح، وطرحت نفسها بديلاً له. على هذا الأساس، يمكن النظر إلى حماس كأوّل معارضة حقيقيّة للحركة الوطنيّة الفلسطينيّة، نظراً إلى أنها القوّة الفلسطينيّة الوحيدة التي استطاعت أن تفرض على قيادة الحركة الفلسطينيّة مشاركة فعليّة في القيادة والنفوذ منذ تأسيسها. وعلى هذه الخلفيّة، يمكن فهم جزء من الانقسام الفلسطيني الذي بلغ ذورته في سيطرة حماس على المقارّ الأمنيّة في غزّة. بكلمات أخرى، تمثّل حالة الانقسام السائدة الآن امتداداً لعمليّة طويلة من إعادة توزيع القوى في الساحة الفلسطينيّة.
لكن الإشكال الحقيقي في هذه العمليّة أنّها تجري تحت سقف السلطة الفلسطينيّة الملتزمة بالاتفاقات الأمنيّة والسياسيّة. لذلك، فإنّ مشروع الوحدة الوطنيّة الفلسطينيّة الذي يجري العمل عليه الآن قد لا يكون أكثر من عمليّة إدخال القوى الفلسطينيّة الرافضة لمشروع التسوية تحت سقف السلطة، بهدف تجديد مشروع التفاوض، لكن بقاعدة شعبيّة أوسع هذه المرّة. يمكن في هذا الإطار فهم تبعات توقيع اتفاق المصالحة في القاهرة في أيّار 2011، الذي ترافق مع إعلان خالد مشعل قبول حماس مبدأ المقاومة الشعبيّة ومنح محمود عبّاس مهلة عام للتفاوض مع إسرائيل.
لكن عمليّة إعادة توحيد المؤسّسات الفلسطينيّة في الضفّة وغزّة، تعاني معضلات حقيقيّة. وهذه المعضلات قد تبدو للوهلة الأولى ذات طابع تقني، لكنّها في الجذر سياسيّة حتماً. بالنسبة إلى قطاع واسع من الناس تعني المُصالحة الفلسطينيّة في النتيجة النهائيّة إجراء انتخابات برلمانيّة ورئاسيّة تُنهي ازدواجيّة القرار الفلسطيني المُنقسم، لكن قلة قليلة أيضاً لا تطرح السؤال الأساسي: ما هي حدود عمليّة ديموقراطيّة تجري تحت الاحتلال وفي ظل شروط الاتفاقيّات الموقعة معه؟
إنّ الحالة التي تقدمها انتخابات السلطة الفلسطينيّة هي حالة إشكاليّة إلى حد بعيد. في الأساس، لا تتوافر شروط متكاملة لقيام عمليّة من هذا النوع، كما هي الحال في أيّ ديموقراطيّة برلمانيّة. يعود ذلك إلى سبب بديهي: لا تمتلك السلطة السيادة على الأرض، وفوق ذلك، تعتمد اعتماداً كبيراً على المساعدات الدوليّة التي تشترط تنفيذ السلطة لالتزاماتها السياسيّة والأمنيّة الواردة في الاتفاقات الموقّعة مع إسرائيل لضمان دوام استمرارها. كانت تجربة انتخاب حماس في 2006 تأكيداً لقصور هذا الإطار عن حمل مشروع يتجاوز سقفه السياسي. بمجرّد أن فازت حماس، توقّف الدعم الدولي الذي يموّل بيروقراطيّة السلطة الضخمة، واعتُقل عدد كبير من نواب حماس، مما عطّل فعليّاً عمل المجلس التشريعي، وأسهم لاحقاً في تأجيج الصراع الداخلي.
على جانب آخر، تؤشّر التجارب التاريخيّة للمجتمعات المنقسمة والواقعة تحت الاحتلال، أو تلك التي لم تتحقّق فيها الشروط الموضوعيّة اللازمة لقيام تداول سلمي للسلطة عبر الأدوات الديموقراطيّة، إلى غلبة موازين القوى السائدة بين القوى المتنازعة على النتائج التي تُفرزها صناديق الاقتراع. أُجادل، بناءً على ما تقدّم، بأنّ نتائج أيّ انتخابات فلسطينيّة لن تغيّر في الواقع شيئاً كثيراً، طالما أنّ موازين القوى السائدة بين فتح وحماس قد جرت مأسستها في كلّ من الضفّة والقطاع بطريقة مُحكمة.
في الضفّة الغربيّة تُسيطر فتح على مقاليد الأمور من خلال جهاز أمني خاضع للتأهيل الغربي منذ 2007، إذ أنفق عليه ما يزيد على 450 مليون دولار حتّى الآن. يقوم هذا الجهاز بتنفيذ التزامات السلطة الفلسطينيّة الواردة في خارطة الطريق، وعلى رأسها التنسيق الأمني وتصفية «الميليشيات» الخارجة على القانون، التي تعني ضمناً كلّ الأجنحة العسكريّة للفصائل الفلسطينيّة. يستحوذ قطاع الأمن الفلسطيني بعديده الذي يقرب من 60 ألف عنصر، والموزّع على الضفة والقطاع، على 40% من موازنة السلطة، فضلاً طبعاً عن البيروقراطيّة العاملة في الشق المدني، التي تربو على 60 ألفاً.
في غزة، أنشأت حماس بعد منتصف 2007 جهازاً حكوميّاً لإدارة شؤون القطاع يقدّر عدده بـ40 ألف موظف، بحيث يمثل القطاع الأمني 15 ألفاً منهم، إضافةً إلى ذلك، تمتلك حماس نوعاً من أشكال «الهيمنة الاجتماعيّة»، إذ تُدير شبكة من المؤسّسات الصحيّة والتعليميّة والخدميّة المُختلفة، بل وجهازاً قضائيّاً تُجسده «لجان الإصلاح» التي يلجأ إليها الناس في نزاعاتهم المختلفة بموازاة القضاء الرسمي، وفيما يُجادل كثيرون بأنّ سيطرة حماس على غزّة جرت في صيف 2007، حين طُردت قوات فتح من مراكزها الأمنيّة، فمن الأفضل النظر إلى ما جرى في ذلك العام كفصل ختامي في عمليّة طويلة من انهيار النفوذ الفعلي للسلطة ومؤسّساتها وتنظيمها ــ فتح ــ في القطاع، الذي استطاعت حماس بالتالي أن تستغله لصالحها، لتصبح القوة المهيمنة على القطاع، حتى قبل ذلك العام بكثير.
تطرح إعادة توحيد هاتين الإدارتين، بالضرورة، سؤال الاقتصاد السياسي الشائك للسلطة الفلسطينيّة. فإدماج حماس كشريك كامل في هذا الجسم يرتّب حتماً حصولها على حصة معتبرة فيه. أي إنّه يُمكن النظر إلى عملية المصالحة بين فتح وحماس، في التحليل الأخير، كعمليّة تقاسم للامتيازات والنفوذ في ما بينهما، لكن البدء بعمليّة من هذا النوع لا يُمكن أن يقفز عن السؤال الضروري: من سيموّل هذه العمليّة؟ وبأي سقف سياسي؟
من الواضح أنّ انهيار الاقتصاد الفلسطيني تحت وطأة السياسات الإسرائيليّة المستمرة منذ عقود، التي ترتكز على الإغلاق ومنع حريّة التجارة والسيطرة على الموارد الاقتصاديّة الفلسطينيّة، قد ساعد على تثبيت وضعيّة السلطة الفلسطينية كمجرّد «موزّع للريع» بعد اتفاقات أوسلو، نظراً إلى اعتماد الاقتصاد الفلسطيني على المساعدات الغربيّة المتزايد، والمرتبط بأجندة سياسيّة محدّدة. إنّ هذا الانهيار في القطاعات الاقتصاديّة المختلفة قد وسّع من دائرة الجمهور الفلسطيني المرتبط بجهاز السلطة البيروقراطي، إذ تعتمد معيشتهم عليه بالكامل. وقد سهّلت هذه الحالة، بطبيعة الحال، من انكشاف السلطة وابتزازها وإخضاعها على نحو كامل للإرادة الإسرائيليّة والغربيّة. على هذا الأساس، فإنّ شراكة حماس الكاملة في السلطة ستعني الحاجة إلى مزيد من الأموال لتغطية البيروقراطيّة الجديدة المُضافة إلى هذا الجهاز، لكنّها ستعني أيضاً، وضع حماس أمام خيار الالتزام بالبرنامج السياسي الدولي الذي يحض على نبذ العنف والالتزام بالاتفاقات الموقّعة مع إسرائيل.
وبغضّ النظر عن كل تلك الترتيبات، فإنّ فكرة وجود سلطتين فلسطينيّتين تحت الاحتلال، لا تمتلكان أيّ سيادة على الأرض أو على منافذ الحركة، وتعتمدان اعتماداً كبيراً على المساعدات الخارجيّة، قد أسهمت إلى حد كبير في تعزيز حالة الجمود وتعطيل المبادرة السياسيّة، لكن، الأهم من ذلك كلّه، تعطيل المقاومة ضدّ الاحتلال، حتى في صورها الشعبيّة السلميّة. وهو ما يضع علامة استفهام كبيرة حول ما إذا كانت فتح وحماس مقتنعتين بالفعل بهذا الشكل من أشكال المقاومة.
يُضاف إلى كل ذلك، سؤال كبير يجب طرحه الآن بقوّة. إنّ الحراك السياسي الفلسطيني بمجمله، يدور منذ سنوات حول مشروع حل الدولتين، إذ وافقت كل القوى الفلسطينيّة على هذا المشروع، لكن السياسة الإسرائيليّة على الأرض جعلت من هذا الحل سراباً ليس له علاقة بالواقع، فكيف تطرح حركة سياسيّة وطنيّة على نفسها مهمّات لم تعد قابلة للتحقّق؟
إنّ إعادة التأسيس لبرنامج وطني فلسطيني تحرّري تنطلق، بنظري، من «خرق» الإجماع الوطني الفلسطيني الحالي. أي من خلال إعادة طرح المقولة السياسية الرئيسيّة: فلسطين قضيّة عدالة لا قضيّة سلام، وإنّ حل الدولتين هو واحد من أكبر أوهام الحركة الفلسطينيّة، وإنّ محاولة خلق إدارات فلسطينيّة وتمثلها لصورة السلطة الحقيقيّة لن يقود إلّا إلى استعباد هذه الإدارات وجعلها شريكة مع الاحتلال في النهاية. إنّ الخيار الفلسطيني الحقيقي الآن، هو باختصار، «خيار الأقليّة» الذي يدفن الأساطير السياسيّة في آخر عقدين، ليعيد بعث مشروع وطني يرتكز على فكرة الحق والعدالة قبل كل شيء.
* صحافي فلسطيني