أُهرق الكثير من الكلام في الفضائيات والصحف، في الربع الثاني من 2011، عندما تزامن الحدثان الليبي والسوري، حول أنّ «ليبيا هي أكثر أهمية من سوريا» بسبب النفط. خلال النصف الثاني من العام الماضي، كانت سوريا موضوعاً لاستقطابات دولية أشارت لأول مرة إلى بداية تمرد منهجي من محور موسكو _ بكين على القطبية الأحادية للعالم التي مارستها واشنطن منذ 1989، وهو شيء جديد لم نره في أزمة وحرب الخليج، ولا في حرب أميركا في كوسوفو ضد صربيا في 1999، ولا أثناء غزو واشنطن للعراق في 2003. تزامن ذلك مع استقطاب إقليمي حول الموضوع السوري، جعل منطقة الشرق الأوسط في معسكرين: محور أنقرة _ الرياض، في مواجهة محور طهران _ بغداد _ حزب الله، مع حيادية غامضة للقاهرة، وهو شيء لم تستطع حربا 1991 و2003 أن تولّداه. هذا الاستقطاب الإقليمي تكرر لأول مرة في 2011 حول سوريا، وذلك للمرة الأولى منذ 1955، لما كان الصراع على سوريا بين محور حلف بغداد وقاهرة عبد الناصر، هو صراع على من يسود المنطقة.

ما يلفت النظر في هذا الاستقطاب الذي تقف فيه وراء موسكو وبكين دول مجموعة «البريكس»، ولو بتردد، أنّه يشير إلى تحرك روسيا والصين نحو مواجهة عالمية مع واشنطن، للمرة الأولى خلال العقدين الماضيين، بعد أن كانتا قد تركتا الساحة فارغة أمام «القطب الواحد للعالم». وهو تحرك كان مسبوقاً عندهما، منذ 2008 لما ظهرت علامات الضعف الأميركي في الشرق الأوسط إثر حرب تموز، ثم بوادر الأزمة المالية في أيلول 2008، بمكاسب أحرزاها في المحيط الإقليمي المجاور لهما (موسكو «ربحت» في جورجيا وأوكرانيا وقرغيزيا، على التوالي، فيما ظهر تشدد صيني متزامن في مواضيع تايوان وبورما وكوريا الشمالية). لم تحصل تلك النقلة الروسية _ الصينية النوعية في يوم تصويت مجلس الأمن على مشروع القرار 1973 المتعلق بليبيا، وإنما لما استخدمتا الفيتو في الموضوع السوري في تشرين الأول 2011، الذي تكرر بعد أربعة أشهر، ولتكون تلك القاعة بنيويورك الساحة التي أوحت بعودة أشباح الحرب الباردة.
في هذه المواجهة العالمية حول سوريا، يبدو أنّ الحسابات عند أطرافها أبعد من النطاق الجغرافي السوري؛ إذ ترى واشنطن (ومن ورائها الاتحاد الأوروبي وأنقرة والرياض) أنّ تغييراً في دمشق سيجعل محور طهران _ بغداد _ دمشق _ حزب الله، في طريق التداعي، هي التي يزعجها وقوع بلاد الرافدين في أيدي القوى العراقية الموالية لطهران بعد الغزو الذي قادته بنفسها للعراق. في الأسبوع الذي صُوِّت فيه على القرار المتعلق بسوريا في مجلس الأمن في تشرين الأول الماضي، قبِل رئيس الوزراء التركي، رجب طيب أردوغان، بنشر «الدرع الصاروخية الأميركية» في الأناضول، في خطوة أعلنت طي صفحة التقارب التركي _ الإيراني، الذي كانت ذروته الاتفاق التركي _ البرازيلي _ الإيراني على الملف النووي الإيراني في 17 أيار 2010 الذي كان «فاولاً» ارتكبه أردوغان في ملعب واشنطن. هذه الأخيرة أغمضت عينيها راضية بعد أسبوعين من ذلك الاتفاق عن هجوم البحرية الإسرائيلية على سفن المساعدات التركية لغزة. في السياق نفسه، يجب وضع إرسال سفن أسطول البحر الأسود الروسي إلى مرفأ طرطوس وقبالة السواحل السورية في أواخر تشرين الثاني الماضي، بعد أيام قليلة من طلب مراقب جماعة الإخوان المسلمين السوريين، رياض الشقفة «تدخلاً عسكرياً تركياً»؛ إذ لا يمكن عزل ذلك عن سياق المواجهة الروسية _ التركية حول النفوذ في القوقاز وآسيا الوسطى الإسلامية السوفياتية السابقة، والتي كان أحد مظاهرها الصراع حول أنابيب نفط وغاز تلك المنطقتين، إن كانت ستمر بأحد المعبرين التركي أوالروسي إلى أوروبا. ولا ينفصل ذلك عن هواجس روسية بأنّ سوريا موالية للغرب، ستكون مع تركيا معبراً لأنابيب الغاز والنفط الخليجيين إلى القارة العجوز، ما سيؤدي إلى فقدان موسكو لأحد أقوى أسلحتها الراهنة مع الغرب.
هذا يعني عند كلّ تلك الأطراف المشاركة في «الصراع على سوريا» أنّ «دمشق هي مفتاح المنطقة»، وهو ما ينطبق على كل الأطراف التي تريد من خلال التغيير في دمشق إنشاء تغيير جيوبوليتيكي في المنطقة الممتدة بين كابول والشاطئ الشرقي للبحر المتوسط، ينهي المدّ الإقليمي الإيراني. ينطبق ذلك أيضاً على موسكو التي ترى دمشق كآخر معاقلها في المنطقة، وقلعة أخيرة إن سقطت ستقود إلى تداعي الشرق الأوسط بكامله بيد واشنطن، ما يؤدي وفق الحسابات الروسية إلى تأثيرات على مسلمي الجمهوريات الآسيوية السوفياتية السابقة، وعلى مسلمي الاتحاد الروسي، تشابه تأثيرات الهزيمة السوفياتية في أفغانستان. عند الصين هناك حسابات مماثلة تتعلق بمسلميها وبهواجس من سيطرة أميركية مطلقة على نفط الشرق الأوسط الذي يشكل قسماً متضخماً من استيراداتها. لدى إيران، ونوري المالكي في بغداد، والسيد حسن نصر الله، هناك تفكير بنظرية الدومينو (مثلاً ترابط سقوط الأنظمة الموالية لواشنطن في كمبوديا وفيتنام الجنوبية ولاوس خلال أربعين يوماً فقط في نيسان وأيار 1975).
بين 4 تشرين الأول 2011، عندما مورس الفيتو الروسي _ الصيني المزدوج، و21 آذار 2012، لما صدر البيان الرئاسي عن مجلس الأمن الداعم لخطة كوفي أنان، بدا أنّ هناك توازناً سورياً ثلاثياً: دولي روسي _ أميركي، وإقليمي، وداخلي. هذا التوازن المثلث الأبعاد هو الذي قاد إلى تشكيل ملامح تسوية سورية في خطة أنان تستبعد «السيناريو اليمني» الذي كانت تحويه النسخة الثانية من مبادرة الجامعة العربية.
في الأسبوع الأخير من شهر تشرين ثاني2011، وعندما كان قادة مجلس إسطنبول يبنون الآمال على تكرار «السيناريو الليبي»، قال وزير الخارجية البريطاني وليام هيغ لوفد سوري معارض التقاه في لندن: «لا حل في سوريا من دون روسيا»، وهو الأمر الذي استطاعت موسكو فرضه كطريق اجباري أمام واشنطن، خلال الأشهر اللاحقة. وهو حدث يتجاوز المسألة السورية ليصل إلى رسم حقائق جديدة في العلاقات الدولية. يشير ذلك إلى اهتزاز موقع القطب الواحد للعالم، وإلى دخول العلاقات الدولية في منعطف مفصلي، لا يعرف حتى الآن إن كان يعني بدء غروب الأحادية الأميركية للعالم أو لا.
* كاتب سوري