في مقابلة نُشرت بالفرنسيّة قبل نحو أسبوعيْن، أو أكثر قليلاً، أفتى سمير فرنجيّة بما يأتي: قال إنّ 70% من أسباب الحرب الأهليّة في لبنان تعود إلى النظام السوري وتدخّلاته، فيما لا يتحمّل اللبنانيّون إلا المسؤوليّة عن 30% من أسباب الحرب. هكذا أفتى سمير فرنجيّة. طبعاً، تدخل فتوى سمير فرنجيّة في نطاق الأباطيل والنظريّات المُستجدّة عن الحرب الأهليّة التي توالت بعد 1982. وقد أنعشت الحريريّة السياسيّة (وهي تعبّر عن عقدة نقص فظيعة من قبل عائلة رفيق الحريري نحو المسيحيّين في لبنان) الروايات الكتائبيّة والقوّاتيّة عن الحرب، فأصبح حزب الكتائب، الذي برز وجلّى في القتل على الهويّة، حزب «مقاومة» لبنانيّة لم يفعل غير صدّ محاولات فلسطينيّة (مزعومة طبعاً) للتوطين في لبنان (وكأنّ حزب الكتائب والقوّات تقاعدا عن ارتكاب جرائم الحرب بعد رحيل القوّات الفلسطينيّة).


بذور نظريّة سمير فرنجيّة تعود إلى أجواء الزمن الإسرائيلي المقيت في 1982. كانت القوى السياسيّة في لبنان تسعى جاهدة إلى الاستفادة من التدخّل الإسرائيلي العسكري (الإرهابي) في الشأن اللبناني، وكان أعوان إسرائيل يعملون كي يبثّوا في نفوس الناس دعاية صهيونيّة ضد الشعب الفلسطيني والعرب بصورة عامّة. بدأها صائب سلام، ممثّل الأمير سلطان في لبنان وبوق الرجعيّة العربيّة في لبنان الذي كان هدفاً لسخرية متواصلة من كمال جنبلاط، بقول شهير: كان يردّد أنّه يخشى على اللبنانيّين من الاختناق لكثرة العناق إذا ما تركهم «الغريب». وسلام استعمل العبارة العنصريّة ضد «الغريب» (وهي تعني الفلسطيني، مع أنّ عائلة سلام تزاوجت مع عائلات فلسطينيّة)، في ترداد ببّغائي للخطاب الكتائبي المُجترّ. لم يذهب بيار الجميّل إلى هذا المدى: كان صريحاً في لومه لـ«الشريك» المسلم في الوطن لأنّه لم يكن وطنيّاً مثل المسيحي، وفق نظرية الجميّل الكتائبيّة. لكن المقاومة الفلسطينيّة خرجت من لبنان في 1982، وعلّقت قوى اليمين الطائفي (من كل الجهات) الآمال على إمكان وقف الحرب بشروطها هي، لكن ذلك لم يحصل. صائب سلام عاش ليرى كيف أنّ اللبنانيّين يستطيعون أن يخنقوا بعضهم بعضاً، وأن يقتلوا بعضهم بعضاً بالفؤوس إذا تيسّرت ومن دون تدخّل «الغريب» إطلاقاً. لكن الإصرار على تبرئة اللبنانيّين من مسؤوليّة الحرب (والحرب الأهليّة في بعض مفاصلها لم تكن عاراً إطلاقاً) لأنّ في ذلك استسهالاً لتبرئة الذات وللترويج لصورة عن الشعب اللبناني تحظى برضى الرجل الأبيض. وتدخّل الغريب كان دوماً بدعوات من ساسة لبنان، مثلما استعان صائب سلام بحركة فتح عندما شُبّه له في 1975 أنّ بمستطاعه تشكيل ميليشيا (سمّاها «روّاد الإصلاح» وقادها تمام سلام) لمنافسة قوات الحركة الوطنيّة. (البيارتة الظرفاء أطلقوا على أنفار الميليشيا اسم روّاد الفضاء).
عملت إدارة أمين الجميّل (الذي عقد اتفاقاً سريّاً مع العدوّ الإسرائيلي، وفق المراجع العبريّة، تعهّد فيه الذهاب أبعد من أخيه المقتول حديثاً، والذي كان مجرّد دمية صغيرة بيد الاحتلال الإسرائيلي) على إعادة صوغ الخطاب السياسي اللبناني، بهدف أبلسة الشعب الفلسطيني برمّته، وإقناع الشعب اللبناني بأنّ الحرب الأهليّة لم تكن أهليّة البتّة، وإنما كانت حرباً خارجيّة من قبل المقاومة الفلسطينيّة ضد لبنان. والسرديّة تضيف كذبة لا أساس لها من الصحة: عن نيّات فلسطينيّة للتوطين في لبنان. نستطيع أن نجزم بناءً على كلّ ما يتوافر من وثائق ومعلومات ومراجع أنّ أحداً في القيادة والقاعدة الفلسطينيّة لم يسعَ الى التوطين في لبنان. من يتوطّن في لبنان، وفلسطين بادية في الأفق؟ من يتغزّل بالأرز، وهناك زعتر فلسطين وزيتونها وبرتقالها؟ لنا البحر ولهم، لنا الفضاء ولهم. لنا الطبيعة ولهم.
والسرديّة تلك تضيف إنّ حزب الكتائب اللبنانيّة والقوّات اللبنانيّة صدّا بشجاعة ما بعدها شجاعة، وبسكاكين المطبخ وعدّة تصليح السيّارات، الهجمة الفلسطينيّة. وتصبح ميليشيات اليمين في هذه السيرة «مقاومة لبنانيّة» ــ على بشاعة الصفة عندما تُطلق على ميليشيات حزب الكتائب. طبعاً، من أجل تصديق السرديّة تلك عليك أن تنسى أنّ هناك كان نصف الشعب اللبناني (إن لم يكن أكثر في 1975) يحارب ضد ميليشيات اليمين، وأنّ ما يُسمّى «المقاومة اللبنانيّة» شنّت حروباً طائفيّة ضد المسلمين، وضد الدروز، وضد هؤلاء المسيحيّين الذين كانوا في صفّ مناوئ لبشير الجميّل، ولمن كان يرعاه بحنان في تل أبيب. غسّان تويني، وكان مستشار أمين الجميّل لشؤون الصلح مع العدوّ الإسرائيلي (اقتنى لنفسه صفة «مُنسّق» المفاوضات مع العدوّ)، أدرج بين اللبنانيّين مقولة «حروب الآخرين». ومقولة حروب الآخرين أسوأ من الاعتراف بأنّ الشعب اللبناني مسؤول بالكامل عن حروب بات ماهراً في شنّها وفي تطويلها، لأنّ نظريّة حروب الآخرين تسلب من الشعب اللبناني إرادته بالكامل، وتجعل منه آلة حربيّة وحشيّة واقعة تحت تأثير آخرين.
إنّ الإصرار على مسؤوليّة الشعب اللبناني في شنّ الحروب الأهليّة والتفنّن والتلذّذ بها لفي صالح الشعب اللبناني، لأنّها تجعل منه شعباً مثل باقي الشعوب من حيث التمتّع بـ«الوكالة» (عن نفسه) كما يُقال في لغة علم الاجتماع الحديث. لكن مقولة سمير فرنجيّة النافرة تستحقّ النقاش، وفي هذا الظرف بالذات، لأنّ فريق أعوان إسرائيل الحالي (وهناك فريق لأعوان إسرائيل في كل حقبة من التاريخ اللبناني، بدءاً بالكتلة الوطنيّة في حقبة الانتداب الفرنسي وانتهاءً بحركة 14 آذار) يحاول إعادة كتابة التاريخ اللبناني الحديث وفق رؤية قوّاتيّة. وهناك عمليّة نفسيّة معقّدة: إذ إنّ الفريق الحريري يمثّل فريقاً في نخبة طائفة ينوي محاكاة نخبة طائفة أخرى (الكتائب والقوّات) الذين يبهرون ذواتهم بمهارتهم في تقليد الرجل الأبيض. أي أنّ الحريريّة أقنعت فريقاً عريضاً في الطائفة بأنّ زبدة الحضارة تكمن في محاكاة من يتقن محاكاة الرجل الأبيض. أي أنّ المحاكاة غير المباشرة كفيلة بجعل صاحبها يرتقي في سلّم الحضارة المنشودة. لهذا، يبقى الشيعي خارج منظومة الحضارة، وقد حذّر وليد جنبلاط في ساعة تخلّ (أو ساعة تخلّى عن التخلّي، اختلط الأمر عليّ) من هجرة الحضاريّين من لبنان وبقاء «الشيعة المتخلّفين» ــ وإن لم يتفوّه جنبلاط بالعبارة الأخيرة، قد نحتاج إلى رزمة «ويكيليكس» جديدة للعثور عليها. (لكن سمير جعجع، الناجي حديثاً من محاولة اغتيال أنقذته منها زهرة _ وهي غير أنطوان زهرا _ سمح في خطاب له قبل أسبوع للشيعة بالبقاء في لبنان، وقد قدّر الشيعة في لبنان لسمير جعجع بادرة الضيافة الكريمة هذه التي أبداها نحوهم).
لم يسأل أحد سمير فرنجيّة عن معادلته الحسابيّة العجيبة وعن كيفيّة الوصول العلمي إليها. لماذا 70% مثلاً وليس 73%؟ هذه أسئلة لا يستطيع أن يجيب عنها إلا الراسخون في علم الولاء السعودي والحريري. لكن لنناقش سمير فرنجيّة في معادلته، وإن كان النقاش والجدال والخلاف والمناظرة في عرف 14 آذار تُعدّ ما يراوح بين الشتيمة و«الإرهاب الفكري».
أوّلاً، ليس عرضاً أنّ سمير فرنجيّة لم يحمّل إسرائيل المسؤوليّة في أسباب الحرب، ولا في 1% من المسؤوليّة. هذا أمر في صلب معارضة حركة 14 آذار وفي اتهامها (الصائب) بأنّها تشكّل الفريق المتعاون مباشرة (في بعضه) ومداورة (في بعضه الآخر) مع العدوّ الإسرائيلي. كيف تستقيم معادلة سمير فرنجيّة الحسابيّة في ضوء جرائم إسرائيل المتكرّرة في لبنان على مرّ السنوات والعقود؟ ألم يكن قصف مطار بيروت في 1968، والاجتياحات العدوّة المتتالية، وجريمة نيسان 1973 (التي أحسن توثيقها عمر نشّابة وفريقه في «الأخبار») عاملاً من عوامل التفجير في لبنان؟ إنّ النظام السوري الأسدي بدأ في 1970، لكن العدوّ الإسرائيلي (لا بل الحركة الصهيونيّة قبل ولادة الكيان) لم يتوقّف إطلاقاً عن التدخّل في شؤون لبنان، وعن الاعتماد على التخريب والإرهاب والتفجير والتمويل ــ الانتخابي والميليشيوي ــ في لبنان. يرى سمير فرنجيّة _ الذي لا يزال يحتفظ بصفة اليساري، بالرغم من عراقة علاقته مع الحكم السعودي، وبالرغم من التوسّط الذي قام به بالنيابة عن بشير الجميّل مع كمال جنبلاط _ أنّ إسرائيل التي غزت لبنان في 1982، بعدما كانت تقوم بتمويل ميليشيات لبنانيّة وتسليحها، لم تكن مسؤولة عن 1% من أسباب الحرب في لبنان. إنّ الـ20000 ألف لبناني وفلسطيني وسوري _ ومعظمهم من المدنيّين _ الذين قتلهم العدوّ في 1982 في غضون أشهر معدودة، لا يردون في حسابات سمير فرنجيّة. هل يعتبر سمير فرنجيّة أنّ إسرائيل تدخّلت في الشأن اللبناني وغزت وقصفت، وإنما في إطار خدمة مصالح لبنان وإعلاء شأن السلام والوئام في البلد؟ هل إنّ تدخّل العدوّ في لبنان يُعتبر في حسابات سمير (اليساري السابق) فرنجيّة مبادرات سلم على نسق «عمليّة سلام الجليل»؟ إنّ هذا السؤال وارد، وخصوصاً أنّ النيّات السلميّة نحو العدوّ من قبل 14 آذار انفضحت أخيراً عندما أيّدت الحركة المذكورة المجلس الوطني السوري والجيش السوري الحرّ، فيما الاثنان يرفعان لواء الكفاح المسلّح ضد النظام، فيما كانت حركة 14 آذار منذ نشأتها تنادي بخلاف سلمي غير عنفي ضدّ العدوّ الإسرائيلي. الأمر لافت، طبعاً. الورود ضد إسرائيل، والقنابل ضد النظام السوري _ وفق معادلة أخرى لـ 14 آذار. (وجماعة «صحافيون ضد العنف» هم أيضاً مع العنف ضد النظام السوري، أي أنّهم ضد العنف إذا كان موجّهاً ضد إسرائيل وأعوانها).
إنّ معادلة سمير فرنجيّة تحتمل الخضوع لما يُسمّى في العلوم الاقتصاديّة (والاجتماعيّة) «نظريّة اللعبة» النظريّة. نستطيع أنّ نعزل العامل الإسرائيلي تحليليّاً، كما يفعل سمير فرنجيّة، وأن نصبّ جام غضبنا وعداءنا على النظام السوري وحده كونه المسؤول الأكبر عن الحروب اللبنانيّة. لكن النظام السوري وليد سنة 1970. ماذا سيفعل سمير فرنجيّة في اللعبة الافتراضية عندما نعزل (كرونولوجيّاً _ تأريخيّاً) العامل السوري في دراسة أسباب الصراعات اللبنانيّة قبل 1970؟ من المشكوك فيه أن يعترف فرنجيّة بأنّ الشعب اللبناني يتحمّل المسؤوليّة عن أكثر من 30% من أسباب الصراع، وخصوصاً أنّه من عتاة المعجبين بالتكوين الجيني اللبناني (خصوصاً في شقه المسيحي _ أظرف نموذج لليساريّين السابقين في لبنان _ على افتراض أنّ سمير فرنجيّة يُمكن أن يُعدّ من اليساريّين السابقين لأسباب يجهلها من خبر المرحلة، باستثناء مقالات هنا وهناك في «السفير» في السبعينات _ هم الذين واللواتي لا يجدون ويجدن حرجاً في توليد أنفسهم بإخراج طائفي صارخ). وعليه، كيف سيحلّل سمير فرنجيّة باقي الصراعات اللبنانيّة التي لم يكن النظام السوري شاهداً عليها، في قرون غابرة؟
والخلاف مع سمير فرنجيّة ليس فقط في موضوع تبرئة إسرائيل المُستفِزّ، لا بل المشين، بل هو أيضاً مكمن خلاف مع تحديد العناصر الداخليّة للصراعات الدائمة في لبنان. من المؤكّد أنّ الشعب اللبناني (غير العظيم) يتحمّل أكثر من 30% من أسباب الصراعات في لبنان، وخصوصاً بعدما أثبت مهارة امتدت إلى قرون طويلة. قد يعزو سمير فرنجيّة إلى النظام السوري أسباب الصراع والحروب القيسيّة _ اليمنيّة في لبنان أيضاً، أو حتى الخلاف اليزبكي _ الجنبلاطي. قد يفعل ذلك على أن لا يخدش هذا سمعة إسرائيل التي يبدو أنّ سمير فرنجيّة يريدها أن تكون عطرة، على الأقل في دورها في الصراع في لبنان. ثانياً، الخلاف معه ليس في موضوع مسؤوليّة النظام السوري بحدّ ذاته. لا شك أنّ النظام السوري أجّج صراعات وأزّم خلافات وعقّد مشاكل وأشعل اشتباكات، وقد ضلع لسنوات طوال (سبقت سني الحرب) في تسليح فئات مختلفة من الأحزاب والمنظمات في لبنان: من منظمة «الصاعقة» التي نجحت في وقت قصير في إعطاء دروس عن انجذاب الأوغاد للسلاح غير الخاضع للتثقيف العقائدي والمبدئيّة، إلى منظمات يمينيّة ويساريّة على حدّ سواء، مع أنّ النظام السوري نظر بعين الريبة دوماً إلى التنظيمات اليساريّة في لبنان، وفضّل عليها التنظيمات الطائفيّة. والتدخّل السوري الخبيث في 1976 (ولنا عودة قريبة إليه _ «ما أحلى الرجوع إليه») لدعم القوّات الكتائبيّة الموالية لإسرائيل عطّل إمكان توجيه ضربة قاضية للفريق الإسرائيلي في لبنان، وكان من شأن تلك الضربة أن تنهي الحرب الأهليّة مبكّراً، وأن توفّر عن الشعب اللبناني سنوات من الحروب الضروس وعشرات الآلاف من القتلى. إنّ ذلك التدخّل كان مفصلاً في مفاصل تطويل الحرب الأهليّة. كما أنّ الحلف السعودي _ السوري (هل نسي فريقا النزاع في لبنان اليوم السنوات الطوال من هذا الحلف البعيد عن القداسة التي يستسيغها الشعب اللبناني لأسباب تعود للمناخ ولمزج الطحينة بعدد من الأطعمة) ساهم في تأجيج الصراعات وتفاقمها من خلال فرض معادلات سياسيّة واتفاقات (مثل الطائف) لن تعود على الشعب اللبناني إلا بالمزيد من الحروب والفتن، ولكن لا ننتظر من سمير فرنجيّة تحميل حلف الرجعيّة العربيّة أية مسؤوليّة في أسباب الصراع في لبنان. لا يستطيع، وخصوصاً أنّ الرجعيّة العربيّة _ لا انتفاضات الشباب العربي _ هي التي تموّل حركة 14 آذار نفسها.
ثم، ماذا يريد سمير فرنجيّة أن يقول؟ إنّ الاعتداءات الإسرائيليّة التي لم تتوقّف منذ 1948، والتي بدأت قبل تشكيل السلالة الأسديّة الحاكمة في سوريا، وأنّ الغارات الإسرائيليّة الوحشيّة في لبنان، وتمويل العدوّ وتسليحه لفصائل لبنانيّة مختلفة في سنوات مُتعاقبة لم تكن عنصراً سلبيّاً في الحروب اللبنانيّة؟ هل ينكر سمير فرنجيّة (أكيد، ينكر بناءً على معادلته الحسابيّة) أنّ اجتياح إسرائيل في 1982 أجّج الصراعات والفتن في لبنان، وأطال أمد الحرب الأهليّة وزاد من الأحقاد اللبنانيّة وأطلق العنان لواحدة من أبشع فصول الحرب الأهليّة، أي حرب الجبل الشهيرة (التي خاضها وليد جنبلاط دفاعاً عن الديموقراطيّة والحريّة)، التي لم تكن القوّات اللبنانيّة فيها إلا أداة من أدوات الاحتلال الإسرائيلي؟
لا لبس في طبيعة مشروع 14 آذار اللبناني (وهو نفسه مشروع 14 آذار السوري). من يصدّق أنّ سمير جعجع أو وليد جنبلاط أو سعد الحريري يقرّرون سياساتهم؟ سمير جعجع ورفاقه يذهبون إلى الأمير مقرن وإلى عمر سليمان (قبل سقوط مبارك) لتلقّي الأموال والأوامر. لم يبالغ محمّد رعد قبل أسبوعين عندما قال إنّ كلام جماعة 14 آذار عن أنّ «إسرائيل عدوّ» _ والقول يأتي عابراً دوماً وأبداً، هذا إذا أتى _ لا يخفي نظرة (من قبل 14 آذار) إلى الصراع مع العدوّ على أنّه خلاف بسيط على تحديد منطقة حدوديّة مُتنازع عليها (بودّ شديد وتهذيب شديد). المشروع الفتنوي هو رأس حربة المشروع الصهيوني هذه الأيام، ويهدف إلى تطليق الشعب العربي من العداء لإسرائيل تحت شعارات مذهبيّة وعنصريّة ترمي إلى جعل إيران العدوّ الشرعي والوحيد للعرب. (يعود عمّار حوري من زيارة قصيرة لأميركا دون كلمة عن الصهيونيّة، لا بل يقول ما يلي لمجلّة «الأفكار»: «ويوجد في ديربورن حوالى 26 ألف شيعي، معظمهم من بنت جبيل، مقابل 85 ألف سني... في ميتشغان». إنّ هذه الأفكار والملاحظات والتحليلات غير منفصلة عن وجبات المطبخ الإسرائيلي _ الأميركي: لا بل هي من عناصره الأساسيّة). هناك من سيقول إن سمير فرنجيّة كتب مقالة قبل ثلاثة أو أربعة عقود ضد الصهيونيّة، كما أنّ فؤاد السنيورة مشى في شبابه في تظاهرات ضد السياسة الخارجيّة الأميركيّة (التي أصبح خادماً مطيعاً لها في نسقها الليكودي _ البوشي). لكن نظرة سمير فرنجيّة تعزّز الشكوك المتزايدة من قبل فريق من اللبنانيّين أن 14 آذار هي الحليف غير المُعلن _ أو نصف المُعلن _ لإسرائيل في لبنان.
جاهر واحد من «منظّري» 14 آذار بالمكنون. إسرائيل ليست عدوّاً عند هؤلاء. إيران عند هؤلاء مسؤولة عن انفجار قوارير غاز في الأحياء، لكن إسرائيل منزّهة. يكفي أن ترى تعاطي هؤلاء مع النازحين السوريّين: يستغلّونهم كما تستغلّهم كاميرا «إم.تي.في»، وكأنّ عنصريّة هؤلاء كلّهم ضد الشعب السوري باتت منسيّة، أو أنّها جزء من ماض سحيق. ولكن عندما ترى خالد ضاهر وغيره من باعة الفتنة المذهبيّة المتجوّلين وهم يتفقّدون النازحين، تتذكّر أنّهم لم يكترثوا لعشرات الآلاف من النازحين من الجنوب في عدوان تموز. كان هؤلاء جزءاً من الحرب الإعلاميّة النفسيّة للعدوّ (كان هذا ظنّاً فقط إلى أن تيقّنّا بعد نشر «ويكليليكس»). لكن إسرائيل محظيّة بوجود الكيانين الرديفين: العائلة الهاشميّة في الأردن تحالفت مع العدوّ الإسرائيلي منذ إنشاء الكيان الغاصب، بينما تشكّل في لبنان منذ الانتداب فريق متحالف مع العدوّ الإسرائيلي على مرّ السنوات، بتغيّر الأدوار والوجوه، وخصوصاً أنّ ساسة لبنان ورجال دينه مشهورون بالتقلّب والتلوّن والزئبقيّة (من سمع خطبة «العلامة» محمد حسن الأمين _ الذي كان يوصف دوماً باليساري أو المُتنوّر _ في مهرجان «الجنادريّة» في مملكة القهر وأمام أمراء آل سعود وحاشيتهم، عندما عبّر عن آمال اللبنانيّين ببناء دولة على النسق السعودي؟).
من المؤكّد أنّ المسؤوليّة الكبرى في اشتعال وإشعال وتأجيج الصراعات والحروب الأهليّة في لبنان عبر السنوات يتحمّلها شعب لبنان غير العظيم. ومن المؤكّد أنّ الفريق المُتحالف مع العدوّ الإسرائيلي _ وهناك دوماً فريق متحالف مع العدوّ الإسرائيلي في لبنان _ يتحمّل مسؤوليّة أكبر من غيره من الفرقاء في إشعال الحروب والفتن. هذا لا ينفي مسؤوليّة النظام السوري طبعاً، ولكن في إغفال دور العدوّ الإسرائيلي نيّة خبيثة تعبّر عن حقيقة مشروع 14 آذار، مهما ردّدوا دوريّاً أنّ إسرائيل عدوّ. إلا إذا كان سمير فرنجيّة يقصد أنّ إسرائيل عدوّ غير مؤذٍ بتاتاً، وأنّه لم يضفِ على لبنان إلا خيراً وحباً وحناناً.
ولكن إذا كانت إسرائيل بريئة في لبنان في نظر معادلة سمير فرنجيّة الحسابيّة، فهذا يعني أنّ البراءة معدومة بالتأكيد عند قادة 14 آذار.
* أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة كاليفورنيا (موقعه على الإنترنت: angryarab.blogspot.com)