عليك ان تعترف. إنّ نماذج الطغاة العرب في الستينات كانوا أكثر تسلية للمشاهدين، وكانوا أبرع في التمثيل. كان الطغاة العرب مسرحيّين وخطابيّين في الستينات، ويعرفون كيف يسرقون الكاميرات والمشاهد. كانوا يأتون بقبّعات متنوّعة: من الطرابيش إلى «القلبك» الروسي. وكان الطغاة يهندسون ظهورهم في الإعلام بإتقان. الملك الحسن الثاني، مثلاً، كان يتقن عدداً من اللغات ويستشهد بالتراث الإسلامي أو الغربي أو حتى اللينيني أحياناً. وكان إتقان اللغة العربيّة _ باستثناء متخرجي «مدرسة الأمراء» في السعوديّة _ شرطاً لتولّي منصب الطاغية الأوحد. وكانوا يأتون بملابس إما فولكلوريّة أو عسكريّة يطغى عليها ازدحام النياشين على صدور لم تشهد ساحات الوغى قطُّ. عبد الناصر كان طاغياً وآسراً في حضوره: الأنظار موجّهة إليه، في القاعة وخارجها وكان _ مقارنة بزعماء شعبيّين _ يبدو غير مكترث بسحره، أو ربما كان هذا سبب سحره أو واحداً منها. كان يأخذ الأمور على محمل الجدّ من دون أن يأخذ نفسه على محمل الجدّ: على عكس حكّام اليوم، الذين يستخفّون بالقضايا الكبرى لكنّهم يأخذون أنفسهم على محمل الجدّ. كانت القمّة غير محضورة وغير مُشاهدة من دون عبد الناصر. لكن مشهد القمم العربيّة بعد 1967 تغيّر: عاد عبد الناصر مكسوراً، واضطرّ إلى اصطناع الودّ ضد أعداء له كانوا ضالعين في مؤامرة الحرب نفسها. وتوالت بعده مشاهد الوفود البعثيّة المتناحرة في القمم، ومشهد السادات قبل طرده المُخفّف.

القيادات البعثيّة في القمم العربيّة كانت تاريخيّاً ماهرة: أتقنت فن المزايدة بصورة لم يسبقها أو يتبعها أحد إليه. القيادات البعثيّة تأتي مزيّنة بالنياشين والشوارب والتهديدات: التهديدات للأعداء... البعثيّين الآخرين. الحروب البعثيّة ضروسة ضد بعضهم البعض، وهي فاشلة ضد العدوّ الإسرائيلي. لكن نماذج الستينات كانوا أكثر إمتاعاً للجمهور. إنّ المؤتمرات الصحافيّة لأمين الحافظ، مثلاً، يمكن أن تُدرّس في المدارس الكوميديّة حول العالم. أخطأ أمين الحافظ في اختيار المهنة: الرجل مسرحي كوميدي بامتياز، وكان يمكنه أن ينافس حسني البورظان نفسه. وكانت لغة الخطابات مُسلّية أيضاً. كان الحاكم أو من ينتدبه يكثر من الاستشهاد بالشعر: لم يتحدّث مسؤولو الأنظمة العربيّة في الستينات من دون تلاوة أشعار، بمناسبة وغير مناسبة. أمين الحافظ كان يستشهد بالأشعار بسرعة تقيّئه للتهديدات والتهويلات والوعود بتحرير فلسطين، في أيّام، هذا إذا تعذّر التحرير في ساعات. والأطبّاء الثلاثة الذين (لم) يحكموا سوريا كانوا نموذجاً جديراً بالمتابعة والسخرية. تقرأ كتابات سامي الجندي، مثلاً، وتتيقّن أنّ وزيراً واحداً في الحكومات العربيّة لا يستطيع ان يأتي بإنتاج أدبي.
أمّا حكّام الخليج، فلم يبرز منهم نجم واحد، بالرغم من إنفاق المليارات على تجميل الصورة. لكن ماذا تفعل المليارات بصورة واحد مثل فهد بن عبد العزيز؟ حتى في حقبة الستينات عندما كانت النجوميّة شرطاً من شروط تبوّء منصب الطاغية، لم يبرز منهم نجم. من سمع الشيخ شخبوط يتحدّث، ومن سمع قابوس يتحدّث؟ قابوس (الذي كان مسجوناً في قصر والده لفترة في الستينات) يستعصي عليه الكلام في حضور لا يترأسه الرجل الأبيض. الشيخ زايد كان أميّاً، وإن حاول أولاده (مثل أولاد رفيق الحريري) الاستعانة بالمال ليجعلوا منه أسطورة خياليّة وتاريخيّة. أما الملوك والأمراء من آل سعود فلم يبرز منهم نجم واحد. ربما يُستحسن ان نضيف، من حسن حظ العالم العربي أنّه لم يبرز نجم واحد في آل سعود: المزج بين نعمة الموارد النفطيّة وسحر الشخصيّة كان يمكن أن يعود بالوبال والدمار على الشعب العربي. لو أنّ قادة آل سعود تمتّعوا بسحر الشخصيّة، لكان العالم العربي يئنّ تحت وطأة مشاكل أكبر بكثير. وملوك النفط والغاز كانوا في حالة الاختباء والاختفاء والصدّ أمام حملة هائلة من إعلام جمال عبد الناصر ضدّهم. يفهم عقدة ملوك النفط وأمرائه إزاء عبد الناصر من يرى هذه الأيّام التهشيم والهجوم العنيف ضد عبد الناصر وإطلاق الأكاذيب حول حكمه في إعلام آل سعود (والطريف _ جداً _ أنّ إعلام آل سعود يزخر بنقد قمع الحكم الناصري وكأن حكم آل سعود يمثّل زبدة الديموقراطيّة، وهو يحاول حتى النيل من الشعبيّة التي حازها عبد الناصر في كل العالم العربي عبر الزعم انّ الجماهير التي خرجت في حزيران 1967 إثر استقالة عبد الناصر كانت مدفوعة من أجهزة الاستخبارات). حتى الملك فيصل الذي يحظى، مثله مثل سائر الملوك الأموات من آل سعود بهالة من التقديس المدفوع بملايين الدولارات المُتسخة، ما حرّك جموعاً، لا في السعوديّة ولا في خارجها. لم يكن فيصل نجماً وكان له من الكاريزما ما لدى خليفة بن زايد من الفطنة والدهاء، وما لدى قابوس بن سعيد من حس الفكاهة. كل ما يُذكر له أنّه عبّر عن أمنية الصلاة في القدس، وقد فعلها أنور السادات، وكأنّ الأمنية هي طريق التحرير، وكأنّ الصلاة في القدس تعبير عن منطق جذري في العلاقات الدوليّة.
لكن العرب في الستينات كانت لهم آمال. صدّقوا التبجّح العربي الرسمي قبل 1967، وصدّقوا في 1967 أنّ الجيوش العربيّة على وشك الوصول إلى تل أبيب (كما هدر شعار سائد من تلك الأيّام: «عبد الناصر يا حبيب، بدنا نحرّر تل أبيب»). نستطيع ان نفصل بين ما قبل 1967 وما بعده: زالت الآمال العربيّة الشعبيّة بعد الهزيمة الموجعة (والتي لم نشف من جروحها بعد). كان العرب قبل الهزيمة (الثالثة في تعداد الهزائم العربيّة الرسميّة أمام العدوّ الإسرائيلي) يثقون بحكّامهم وبتهديداتهم ووعودهم. كانت القمم العربيّة تمثّل الآمال والأحلام المعقودة. كان العرب يتجمهرون خارج قاعات اجتماعات الزعماء العرب في 1948 ويسألونهم عن خطط التحرير. وكان رياض الصلح (الذي يستفيد اليوم من تأريخ بلاطي مستجدّ) في 1948 يُطمئن الجماهير العربيّة إلى أنّ القادة العرب يمسكون بزمام الأمور في فلسطين، وانّ لديهم خطة سريّة للدفاع عنها (يذكر مُحرّر الأوراق الخاصّة لحاييم وايزمان أنّ رياض الصلح هذا _ وكان صديقاً حميماً لوايزمان _ كان يتلقّى المال من الصهاينة). الخطة السريّة كانت عنوان التغطية الإعلاميّة لاجتماعات القادة العرب في 1948. لعلّ شكري القوتلي، الذي طمأن وفداً فلسطينيّاً جاءه قبل النكبة سعياً وراء السلاح إلى أنّ حدّاداً في دمشق القديمة «استنبط» قنبلة ذريّة، أثّر في حديث الخطة السريّة. استمرّت آمال العرب حتى أواخر الستينات، وتمنوا وجود خطة سريّة كما تمنّى بعض أنصار صدّام حسين في 1990 أن يكون بحوزته خطة سريّة (أخبرني الراحل إدوار سعيد انّ بسّام أبو شريف كان يتصل به في تلك الفترة ويخبره عن أسلحة «سريّة» فتاكة بحوزة صدّام). لم تعد القمم العربيّة ذات جدوى بعد 1967. وقمّة الخرطوم الشهيرة لم تكن جديّة البتة: هي رفعت الشعارات الصائبة عن رفض الصلح أو التفاوض أو الاعتراف، لكن الالتزام لم يكن جديّاً منذ البداية. حتى عبد الناصر المهزوم الذي خسر أمام إسرائيل وأمام الرجعيّة العربيّة في أيّام ستة لا غير، سمح سرّاً للملك الأردني بالتفاوض السرّي مع العدوّ الإسرائيلي.
لبنان لم ينتج نجماً على الساحة العربيّة في اجتماعات القمم. كميل شمعون كان مجرّد أداة بيد الاستعمار البريطاني، قبل أن يركن إليه الاستعمار الأميركي. لم يكن صاحب قرار: كان واحداً من تشكيلة أميركا في المنطقة. فؤاد شهاب لم تكن له علاقة بالعالم العربي أو بالثقافة العربيّة. شُبّه لهذا الأمير انّه أوروبي وأوروبيّته كانت منسجمة: فهو نأى بلبنان وجيشه عن المشاركة في اي صراع (عسكري أو سياسي) مع العدوّ الإسرائيلي. الفرنسي الهوى لم يكن يرتاح لمعشر العرب: حتى في اجتماعات مجلس الوزراء، كان يُجلس مستشاراً فرنسيّاً لتقرير عمل الوزارات. أحمد الشقيري (الذي، خلافاً لقول عادل مالك لم يهدّد برمي اليهود في البحر _ تلك فرية صهيونيّة) كان شخصيّة نجمة في تلك اللقاءات. تتطلّب قيادة منظمة التحرير (قبل مقتلها في اتفاق أوسلو) شخصيّة خطابيّة، والشقيري أدّى هذا الدور بتهريج وإتقان شديدين. عرفات لم يكن يملك مواهب الخطابة، لكنّه أتقن مواهب التهريج المسرحيّة والصراخ، وهي تضفي على صاحبها أهميّة يدركها صاحبها قبل غيره.
القمّة الحاليّة كانت غير شكل. صاحَبَها جو الفتنة الطائفيّة الذي ولّدته أميركا والسعوديّة بعد 2003. جريدة «القدس العربي» نشرت مقالة على صدر صفحتها الأولى لبسام بدارين يسخر فيها من دور لكردي ولغير سنّي في الوفد العراقي في الجامعة العربيّة. حتى القوميّة العربيّة المفترضة للجريدة انساقت في النهج الطائفي للحلف السعودي القطري. ونبيل العربي فاق في فترة قصيرة تهريج سلفه الشهير: سارع، وهو المتمرّس في الساداتيّة، إلى تملّق أمراء النفط والغاز وشيوخهما (هل هي أزمة «خريف العمر» في حالته؟) والجامعة لم تعد جامعة من سنوات: اندلاع الانتفاضات العربيّة كرّسها واجهة غير برّاقة للجامعة الأم: أي مجلس التعاون الخليجي الذي أنشأته أميركا ردّاً على الثورة الإيرانيّة (وقد طوّرت أميركا عملها القومي العربي أخيراً عبر إنشاء منتدى عسكري يجمعها مع مجلس التعاون). المجلس يعتبر نفسه ناطقاً باسم الشباب العربي من المحيط إلى الخليج، وخيّل لحمد بن جاسم أنّه يتقمّص شخصيّة عبد الناصر وأنّ الأفئدة تضطرب عند رؤيته: هناك حاجة ماسّة لمصارحة حمد بن جاسم بالحقيقة، وأحمد منصور غير مؤهّل للمهمّة. أما أميركا، فهي تنتقي بعناية ممثّلي الشعب العربي: لقد أصرّت في عزّ جماهيريّة عبد الناصر على انّه لا يمثّل العرب وأنّ شخبوط وزملاءه في الاستيلاء على ريوع النفط والغاز هم ممثّلو الشعب العربي الحقيقيّون. لا تجد غضاضة في التصديق أنّ الملك عبد الله الأردني هو حجّة في الديموقراطيّة، كما أصرّت لعقود على أنّ الملك حسين هو قبلة الشعب الفلسطيني، وأنّ منظمة التحرير الفلسطينيّة (قبل تحويلها إلى أداة بيد الاحتلال الإسرائيلي) لا تعبّر عن تطلّعات الشعب الفلسطيني.
الحكومة الطائفيّة في العراق كانت تحرص على عقد القمّة. تريد للعالم أن يصدّق انّ زعماء العراق الحالي لم يأتوا على متن الدبّابات الأميركيّة وأنّ الاحتلال الأميركي كان عابراً في حياة العراق، وانّ الأمن والسيادة متوافران. وزعيم حزب الدعوة الطائفي، نوري المالكي، حاول جهده ان يستجدي الحضور الخليجي فهادن لأسبوع، وتمنّع عن إبداء الرأي في الموضوع السوري وتناسى قضيّة طارق الهاشمي لأيّام. وهوشيار زيباري يظنّ انّه وزير خارجيّة لعراق متعاف ذي سيادة وديموقراطيّة. يريدنا زيباري ان نتناسى انّه مُعيّن من قبليّة كرديّة ضاربة في الحكم التقليدي. لم يأتوا زرافات زرافات كما كانوا يتقاطرون عندما كان عبد الناصر يدعوهم للقمّة. لم نر أحد عشر حاكماً، ولا كوكباً. لم يصل التعداد إلى عشرة.
قطر والسعوديّة جهدتا لإرسال أدنى مستوى تمثيل. كانتا على وشك إرسال رضيعيْن لولا الإحراج. هما اليوم شريكتان في السعار الطائفي الدامي ولم تريدا مكافأة ممثّل الطائفيّة الشيعيّة في العراق. قطر والسعوديّة تتصنّعان تحالفاً وذلك في خدمة مشروع لا يُدار من الدوحة أو الرياض، كما انّ الدولتين لا تريدان الاعتراف بوجود عربي غير متوائم مع وهابيّتهما المتطوّرة. والدولتان قرّرتا اختزال الجامعة في مجلس التعاون، ويمكن إضافة مملكتيْن من المشرق والمغرب لأنّ الجمهوريّات عبء على مخطّطاتهما، ويمكن العثور على أحفاد العروش البائدة لإعادة تنصيبهم (حاولت «العربيّة» و«الجزيرة» إنعاش العائلة السنوسيّة من دون جدوى). وتحوّل القمّة إلى جلسة عابرين غير مُقرّرين.
تَرى من أتى إلى القمّة وتدرك حجم المصيبة العربيّة الكبرى. يأتي محمود عبّاس (المُستنفد الصلاحيّة، مثله مثل اللحوم الفاسدة في لبنان) إلى القمّة، وهو لا شرعيّة له غير شرعيّة دعم الاحتلال وراعيه، ويطالب العرب بمزيد من السياحة إلى أراض لا تزال محتلّة. نسي عباس مطلبه في الأمم المتحدة بعدما جاءه الأمر، ونسي همّ المساجين الفلسطينيّين وقصف غزة ليدعو إلى سياحة عربيّة مفيدة للعدوّ. والطاغية السوداني مطلوب من العدالة «الدوليّة» التي تخضع لأهواء المتغيّرات في السياسة الأميركيّة. المطلوب السوداني لم يعد مطلوباً بمجرّد ان منح إسرائيل وأميركا جنوب السودان (حيث لا يحظى التطاحن بتغطية صحافيّة غربيّة). سوريا المعنيّة بالموضوع السوري لم يُسمح لها بالحضور: إنّ منع الحضور عن مرتكبي الجرائم ضد شعوبهم من الأنظمة العربيّة مُسوّغ لا بل ضروري أخلاقيّاً، ويسمح بحلّ الجامعة برمّتها لأنّها تجمّع للطغاة والقتلة. لو أنّ الجرائم تمنع الحضور وتؤدّي إلى الإقصاء عن مجلس الجامعة، لبقيت قصور صدّام السابقة فارغة.
الرئيس اللبناني لم يتحف الحضور بفكرته لإنشاء مركز لحوار الحضارات والأديان في باب التبّانة. تأجّلت الفكرة على ما يبدو. الأمير الكويتي حاول أن يخرق الإجماع الخليجي (الظاهر، لأنّ الخلافات الخليجيّة تستعر تحت السطح): هذا الذي عاش حقبة الاجتياح العراقي للكويت لم يفق من كابوسه بعد (وحكّام الخليج يتعاملون مع التجربة على أنّها أسوأ من الاحتلال الصهيوني لفلسطين، كما أنّ وليد جنبلاط أراد في مقاربته للموضوع السوري أن يجمّل الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين عبر إبلاغ الجمهور بأنّ العدوّ _ الذي قتل نحو 20000 من الفلسطينيّين واللبنانيّين في غضون بضعة أشهر في 1982، رحيم مقارنة بالأسد. لكن جنبلاط كان مهتماً بالدعوة إلى هدم قصور صدام حسين، وهو يتنقل بين قصره في المختارة وقصره في كليمنصو.
طبعاً، إنّ حضور الحكومات الجديدة في تونس ومصر وليبيا كان لافتاً. ألقى المنصف المرزوقي خطبة ضمّنها بعض مبدئيّته، لكنّه رئيس (لا) يحكم لمدّة سنة. والرئيس التونسي يئنّ تحت وطأة منصب لا سلطة له: لماذا لم يطالب المندوبَ السعودي في الجامعة بتسليم آل سعود للرئيس المخلوع، زين العابدين بن علي؟ ولماذا لم يطالب وزيرُ الخارجيّة المصري الحكم السعودي بتسليم الرئيس المخلوع، حسني مبارك، الذي لا يزال يحظى بحماية آل سعود وضيافتهم في مصر؟ لا، الجو لا يسمح بالعتاب. القمم العربيّة تقليد عريق في القبلات والعناق والخناجر تحت الثياب. يتآمرون بعضهم ضد بعض ويبتسمون أمام الكاميرات. ماذا نعلم اليوم عن حقيقة العلاقة بين حاكم قطر وحاكم دمشق عبر السنين؟
القمم العربيّة لا تُعقد منذ 1990 إلا بإذن أميركا والأجندة هي أجندة أميركيّة. البحرين لا تستحق الذكر لأنّ شعبها لا نصير له في العواصم الغربيّة المتشوّقة لتوقيع المزيد من صفقات التسلّح مع آل خليفة. أميركا أرادت أن يطبّع العالم العربي مع نظام عراقي أخرجه المُحتلّ وهندسه بالاشتراك مع حليف إيراني غير معلن هناك. لكن دول مجلس التعاون تتمرّد أحياناً على الراعي الأميركي. كانت تريد أن يكون تسليح «الجيش السوري الحرّ» محور قرارات القمّة. وباقي الدول العربيّة تدور في الفلك نفسه، إلا لبنان الذي يتآمر نصفه على نصفه الآخر، والذي تحت شعار «النأي بالنفس» يشترك في التآمر بحماسة.
إنّها مسألة وقت. الجامعة ستتغيّر. ستنضم إسرائيل إليها، وسيعلن الأزهر _ حيث الفتاوى غبّ الطلب _ أنّ الصهيونيّة فرع من فروع الدين. وسنرى حكّام إسرائيل يتوافدون إلى العواصم العربيّة لحضور اجتماعات القمّة. والاقتراح لم يكن فقط فكرة لشمعون بيريز من التسعينات: لقد أعلن وزير خارجيّة البحرين تبنّيها.
القمم العربيّة لا تتنافس مع المسلسلات ومع برامج الصياح والعراك السياسي. إنّها تقليد يبدو بائداً، مثل سرديّات الحكواتي في بعض المقاهي القديمة التي لا تمانع في دخول الزبائن بالطرابيش. هي رهن إشارة أميركا من أجل المزيد من التآمر. كانت الغبطة عن عهد ديموقراطي جديد وعن لقاء قمّة من أجل التعارف مبالغاً بها كثيراً. عاد القادة هم أنفسهم، أو من انتدبوه عنهم. الحاكم اليمني لا يزال حاكماً بلا لقب، بعد تدبير مفضوح من دول مجلس التعاون وأميركا. الرئيس اليمني الجديد مُنتقى من غير عناية على يد علي عبد الله صالح: نال 99% من الأصوات (لكن النتيجة الحقيقيّة كانت 100%، غير أنّ مندوباً أوروبيّاً خشي الفضيحة فقرّر قبل إعلان النتيجة احتساب الأوراق الملغاة كـ«لا» في انتخابات لم يكن فيها إلا مرشّح واحد). الإخراج اليمني مُرشّح للتكرار في أكثر من بلد عربي، حتى في سوريا.
نبيل العربي سلّم بواقع جديد. سلّم بأنّه تسلّم جامعة عربيّة فارغة، مرتهنة لإرادة مجلس التعاون، وهو مُرتهن بدوره لإرادة أميركا. يمارس دور الأمين العام الهزيل باندفاع شديد، لم يبدر عنه منذ اختاره أنور السادات للعمل على اتفاق كامب ديفيد. يقبل بمبعوث غير عربي انتقته أميركا ليلعب دور مبعوث الجامعة العربيّة، وهو يطالب ملحّاً بتطبيق البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة في سوريا. لكنّه يتذاكى: يقول إنّه لا يعني استعمال القوّة، كما تذاكى سلفه عندما قال إنّ قرار 1973 لا يعني شنّ حرب من قبل الـ«الناتو» على ليبيا. وموضوع فلسطين لا يحضر في قيادة مجلس التعاون: هؤلاء الذين وعظوا الشعب الفلسطيني لسنوات طويلة حول ضرورة الالتزام المطلق بالكفاح السلمي الخجول ضد العدوّ الإسرائيلي ارتدوا البزّات العسكريّة وفتحوا خزائنهم لدعم عصابات الجيش السوري الحرّ بالسلاح من كل الأنواع. هل يجرؤ هؤلاء على دعم المقاومين الفلسطينيّين بالسلاح مهما فعلت إسرائيل بهم؟
لكن الجامعة دخلت الماضي منذ عقود بعيدة. لقد ولدت لتحتضر بأمر من الاستعمار البريطاني. الأقاليم حول العالم تتجه إلى الوحدة، بينما الإقليم العربي يتجه نحو مزيد من الشرذمة والانشقاق والانفضال. ليس الأمر صدفة على الإطلاق.
* * أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة كاليفورنيا (موقعه على الإنترنت: angryarab.blogspot.com)