تبدأ سلمى يومها عادياً. رائحة القهوة الحلوة تختلط برائحة الخبز الذي تسخّنه لتعدّ سندويشات الأولاد، ووجبة خفيفة لزوجها. البيت يستفيق شيئاً فشيئاً. الزوج يحلق ذقنه، وابنتها تعدّ حقيبة كتبها، وابنها يبحث في الراديو عن أغاني فيروز الصباحية. نهار عادي. التعب الصباحي عادي، والحاجة إلى إنتاج شيء جديد في نهار آخر عادية، يجب ان نذكر أنّنا في بلد لا يمتلك مواد أوليّة، ممّا يعني استحالة إنتاج أي شيء، أيضاً أمر عادي. حتّى الحركة في الشارع عادية.


لا تشعر سلمى أو ابنتها رولا بأي شيء خاص في هذا اليوم، ولم تأتهما الدورة الشهرية فجأة. هو الثامن من آذار، يوم المرأة العالمي، ذكرى الكثير من نضالات النساء. لكنّ هذا لا يغيّر شيئاً في روتين حياتهما، حياتي أو حياتكنّ. لا أعتقد أنّ أوجاع الرأس ستتوقّف في هذا اليوم، أو أنّ بائع الخار الرابض في آخر الشارع سيتوقّف عن التحديق بمؤخّرتي، أو أنّ الجارة ستتوقّف عن السخرية من ابنتها لوزنها الزائد، أو أنّ نسبة النساء اللواتي يمتن ضحية العنف ستتغيّر. هو يوم لنا، ولكن ما المعنى؟
نتذكّر نضالات أولئك النساء، وننحني كما تفعل المرأة الهندية أمام كالي، رمز الانوثة والقوّة. كيف اجتمعت هاتان الصفتان؟
فبينما تجتمع عادة صورة المرأة في الميثولوجيا الغربية مع صورة الأم أو الحب أو الخصوبة، نرى الّلات والمناة والعزّى وكالي وغيرهن، رموزاً صارخة للأنوثة والقوّة، للمرأة القادرة غير الضحيّة.
في هذا اليوم، هذا ما أراه، كامرأة، وهو هدفنا. نحن واعيات، بطرق مختلفة، للأساليب المستعملة لقمعنا. ليس الوعي ما ينقصنا. فبالفطرة وليس بالعلم وحده، يحسّ الإنسان، والمرأة خصوصاً، بالخطر وبالألم وبالحاجة إلى الدفاع عن النفس. إنّ أساليب المقاومة هي ما نحن بحاجة لأن نتعلّمه بعضنا من بعض، كأفراد ومجتمعات وليس تحت سلطة وقيادة الجمعيّات. نحن بحاجة إلى كسر المفاهيم التي أرضعنا إيّاها النظام الرأسمالي بذكوريّته. نحن بحاجة لأن ترى إحدانا الأخرى جزءاً لا يتجزّأ من كينونتها وليس كمنافسة. نحن بحاجة لأن نربط مصائر بعضنا ببعض. نحن بحاجة لأن نرى نضالنا جزءاً من نضالات أخرى، لأن نحلّل ونفهم نسويّتنا كأداة سياسية للتغيير.
كلّ يوم، تستفيق سلمى، تعدّ السندويشات، تذهب إلى عملها. هي معلّمة في مدرسة رسمية، تحاول رؤية الغد أو خلقه في عيون تلميذاتها. تعود إلى منزلها، تطبخ للعائلة، تنتظر عودة زوجها وابنها، وعودة ابنتها وتكمل نهارها معهما ومعها. هي «ستّ بيت» ومعلّمة، هكذا تعرّف عن نفسها. تستمتع كثيراً بالطبخ. هو كطقس مقدّس لها، تقدّم من خلاله جزءاً منها لهما ولها، كلّ يوم، لينمو فيهما وفيها. لا ترى نفسها مقموعة وراء الحوض الجلي. ربّما تلمحينها على الطريق، امرأة خمسينيّة بشعرها التعب من التمشيط واستخدام مجفف الشعر، وبشرتها الرقيقة البيضاء تحمل دوائر السنين تحت عينيها. من الممكن أن ترسمي في رأسك حياة لها، هي مملّة بروتينها وعاديّتها. من الممكن أن ترسمي في رأسك حياة رماديّة تمضينها مطأطئة الرأس في بيت الزوجية والتبعيّة. هذه المرأة التي تمشي أمامك، ببطء زادته السنين، حملت يوماً وهي في العشرين من عمرها، ولم تكن قد تزوّجت.
يومها دخلت إلى قسم الطوارئ وحدها، تشكو ألماً في ظهرها. كشفت عليها طبيبة بقرف، وشتمتها الممرّضة لأنّها غير متزوّجة. يومها خرجت من المستشفى ونزلت إلى عملها. أكملت نهارها وكأنّ شيئاً لم يكن، وكأنّ ما حصل عاديّ أيضاً، رمته وراء ظهرها، أدارت وجهها، رمت شعرها الطويل وراءها، ومشت.
هذه امرأة «عادية». هذه يوميّات امرأة «غير مهمّة».
في نظرتنا إلى المرأة، «الأخرى»، علينا أن نرى كلّ واحدة منّا كمحاربة، مقاتلة في معركتها الخاصّة. معركة اختارتها هي، واستحقّت عبرها أن تكون امرأة. وعلينا ان نربط عبر هذه المعركة، وجودنا وتحرّرنا بمصائر كلّ المهمّشين والمقموعين. نسأل ما شكل النسوية التي نحتاج إليها في لبنان وفي العالم العربي.
لم تستطع النسوية البورجوازية تقديم أي شيء يُذكر للمرأة والمجتمع. فهي بتعريفها وجوهرها، تكون منحازة لمصالح القويّات القادرات أصلاً. بعدما فصلت القضايا والنضالات عن بعضها البعض، وحدّدت أهدافاً نخبوية هي أهداف طبقة مهيمنة، وفرّغت النضال النسوي من القدرة على التحليل وعلى خلق خطاب سياسي ذات صلة بمصالح الفقيرات والفقراء. فالنساء في النسوية البورجوازية هنّ أفراد أقصين عن المشاركة في المجتمع وخلق تغيير فعلي.
ما نحن بحاجة إليه في لبنان والعالم العربي، كنساء، هو تحليل علميّ لواقع المرأة يأخذ بالاعتبار كلّ امتيازاتها أو غيابها، وانتماءها الطبقي، محدّداً ما تواجهه باختلاف انتماءاتها ووضعها الاجتماعي ودرجة علمها. ويُفضي هذا التحليل إلى رؤية واضحة لوضع النساء على الأراضي اللبنانية والعربيّة، دون تعميم أو إقصاء للأكثر ضعفاً، بل على العكس، اختيار الأولويّات بحسب أولئك الأكثر تهميشاً. وتكون الخطوات العملية، وهي أصلاً تبدأ بالتحليل، عبر دراسة وضع المرأة في المناطق خارج المركز.
علينا أن نأخذ أوّلاً صفة طالبات العلم وليس المثقِّفات أو العالمات اللواتي يعرفن كلّ شيء عن المرأة كفأر مختبر، يحلّلن ويعمّمن متى أردن عن المرأة برغم اختلاف أوضاعها.
ويبدو هنا تحديد الأسلوب أساسياً عبر اتّباع خطوات الدراسة الإثنوغرافيّة التي تسمح بالحصول على نتائج أكثر قرباً من الواقع، دون التعميم أو التأثّر بأحكام مسبقة أو التطفّل أو التعامل بدونية مع مختلف المجتمعات والطبقات. كما يبدو مهمّاً تفعيل دور المنظّمات اليسارية في كل المناطق، وخلق تعريف محدّد لمشاكل المرأة اللبنانية والعربية في كل منطقة .
الهدف إذاً ليس «تمكين» المرأة، وإنّما كسر التعميم وتحديد المشاكل المختلفة باختلاف المرأة. وكذلك فتح باب التعلّم، تعلّم أساليب المقاومة التي نبتكرها، كلّ يوم.
تقول غلوريا آنزالدوا «أيتها المسافرة، لا وجود للجسور. نخلقها ونحن نمشي». وهذا ما علينا أن نبدأ بفعله، لأنّها معركة للحياة ، للخلق، وهي بذلك تتخطّى حدود العرق والانتماء والجنوسة والطبقة.
اليوم هو يوم المرأة العالمي إذاً، أنحني إلى كل النساء اللواتي حاربن بأي شكل من الأشكال، لتكون لنا الحياة كما هي اليوم. كل الأيام لنا.
* ناشطات نسويات