منذ أواخر القرن التاسع عشر، كانت المدرسة النمساوية في الاقتصاد (وإنْ كان حقلها النقدي أوسع من الاقتصاد) تَعتبر أنّ المال ليس حيادياً؛ وهي فكرة جرى تكرارها لاحقاً في عدد من الحقول، تحت عنوان عام وهو أنّ الأدوات ليست حياديةً؛ إنها جزء من العملية، وحتى قد يَذهب البعض إلى أنّ العملية هي أدواتها نفسها. في السياق نفسه، يمكن المجادلة بأنّ الكلمات ليست أدوات إشارة حيادية. هناك اقتصاد خاص باستخدام العبارات مستقلّ عن شحنتها الدلالية. فمَنْ يضع العبارة في التداول يزداد قوةً مع كل استخدام لها، حتى لو كان نقضاً.

مؤسسة النقاش هي شيء يَختلف عن عناوين النقاش؛ وهناك دائماً مخاطر لاستخدام البنية التحتية القائمة للتداول.
ليس هناك فكر استراتيجي يمكنه أن يتنبأ بمآل الأمور منذ التأسيس وحتى النهاية؛ ولكن يمكن للقراءة الاستعادية أن تَكشف عن أخطاء استراتيجية وَقعت خلال صياغة التصورات الأولى. الخطأ هو مكوِّن صحّي في أي تجربة.

حين يتعلق الأمر بقراءة استعادية لتجربة حزب الله، فلا بدّ أن نلاحِظ أن العناصر نفسها التي شَكّلت إنجازات حزب الله المتتالية، تَجعله غير قادر على المشاركة في الحياة الفكرية للعالم العربي والإسلامي. الحزب الذي أَنتج المقاومة الأكثر تميزاً من حيث الإنجازات والتخطيط العقلاني (الذي يأخذ بعين الاعتبار الحرص على الأهداف الاستراتيجية محفوظة مع واقعية تكتيكية؛ وهي عملية معقدة جداً)، غير قادر على تصدير أي مفكر أو كاتب أو روائي ... في المقابل، فإنّ المقاومة الفلسطينية التي كانت تعاني من ضعف أمني كبير، خَلقت مساحة خصبة للإنجازات الفنية والروائية والفكرية.
الثقافة الأمنية لحزب الله أكسبته النصر، وفي الوقت نفسه حَدّت من قدرته على صناعة النقاش العام. هو حزب مصاب بفوبيا العلانية والتصريح، والإيمان بالنقاش العام كفعل استراتيجي ليس بالضرورة إيماناً بالتسامح.
في عالم عربي يتغيّر بسرعة ومتلهِّف للأفكار الجديدة، يبدو حزب الله عاجزاً عن إثراء النقاش السياسي والثقافي بالأفكار والمصطلحات والمبادرات؛ إذ لا يمكن للعقل الأمني استيعاب فكرة سوق وبورصة الأفكار والنقاشات.
يَتّهم حزب الله اليوم أجهزةَ الاستخبارات الأميركية والإسرائيلية بافتعال الفتنة بين السنة والشيعة، من دون أن يَخطر له أن يتساءل عن المهيّئات التاريخية والسياسية. ذلك أنّ منطقه لا يزال ثيولوجياً لا تاريخانياً؛ أي يكفي أن تَصدُق النية، والله يُسدِّد المسيرة ولا حاجة إلى مراجعة تاريخية. الإسلام السياسي الشيعي يَنظر إلى المستقبل لافتقاده التاريخ، بعكس الإسلام السياسي السنّي الذي يقوم على النوستالجيا الماضوية. لكن علينا ألا نُعيد السؤال الأميركي الاستعلائي: لماذا يَكرهوننا؟
كان تنظيم الإخوان المسلمين في مصر يضمّ بين أعضائه أفراداً ينتمون إلى مختلف المذاهب الإسلامية؛ لم تكن العضوية فيه محصورة بمذهب إسلامي دون آخر. وحدث أن ترأّس شيعي لبناني، ممن ترعرعوا في مصر، مجموعةً إخوانية في السبعينيات. وقد كان واضحاً تأثُّر عدد من حركات الإسلام السياسي الشيعي المبكرة بالإخوان المسلمين، لا بل تَشكّلهم كجزء من هذا التنظيم حتى. اتحاد الطلبة المسلمين الذي كان يضمّ غالبية الشيعة المتدينين، كان مرتبطاً في فعالياته بالإخوان في مصر، وكان هناك من الشيعة اللبنانيين مَنْ يَذهب إلى مصر لجلب كتب سيّد قطب والحجاب الإخواني. كان الشيخ نعيم قاسم من بين الرياديين في هذه الحالة المتنوعة مذهبياً. السيد عباس الموسوي، وإنْ لم يكن ضمن اتحاد الطلبة المسلمين، إلا أنّه كان غير بعيد عن أجوائه الفكرية. في انتخابات 1992 النيابية، أَعلن علي الشيخ عمار، من الجماعة الإسلامية، ترشُّحه من على منبر حزب الله. إلا أنّ حزب الله اختار أن يكون أفراده من مذهب واحد. ورغم كونه «مقاومة إسلامية» إلا أنّه لم يضمّ أفراداً من تنوّعات المروحة الإسلامية الواسعة للمذاهب والتيارات. ومعروف أنّ العديد من الأفراد، اللبنانيين وغير اللبنانيين، من المذاهب الأخرى، دعوا حزب الله إلى قبولهم أعضاء في التنظيم، لكنّه رَفضَ ذلك، غير واعٍ بأنّ هذا الرفض سيَخلق مع مرور الوقت شعوراً زائداً بالتمايز والحساسية، وخصوصاً حين يتعلق الأمر بنسب الإنجازات إلى طائفة بعينها.
عند تأسيسه، كان حزب الله متمسِّكاً بولاية الفقيه كبند رئيسي أول لبناء جسمه التنظيمي. وهذا الهاجس مفهوم. فقد كان التشرذم المضحك لقوى المقاومة والاختراقات الأمنية التي كانت تملأ جسدها، يَدفع الحزب الوليد إلى تبنّي موقف صارم من موضوع الالتزام التنظيمي إلى حدّ ربطه بمقدمات دينية توجبه بهدف بناء جسم متراص غير قابل للاختراق. إنّ الإنجازات الأمنية لحزب الله ليست منفصلة عن الخيار الفكري الذي تبنّاه منذ التأسيس: ولاية الفقيه.
مَنْ يَعتقد بأنّ تبنّي حزب الله لولاية الفقيه مبدأه ديني وليس براغماتياً، فلن يمكنه فهم الأسباب التي بموجبها حصد حزب الله شعبيته، ولا مواطن الهشاشة في هذا التنظيم.
حصر العضوية في حزب الله بمذهب إسلامي دون غيره، كان لا شك من الأخطاء المؤسِّسة. كان يمكن تأسيس حزب إسلامي يَنتمي إليه أي لبناني مسلم، على أن يشكِّل الأفراد المؤمنون بولاية الفقيه العمود الفقري لهذا التنظيم. العمود الفقري وليس الجسم بأكمله.
ورغم عدم مبادرته إلى تشكيل تيار يضمّ جميع المذاهب الإسلامية، فإنّ حزب الله تبنّى شعار الوحدة بين السنّة والشيعة، وهو شعار أخطر من الدعوة إلى الفتنة بينهما. ذلك أنّه يكرِّس أسطورة وجود جسمَين منفصلَين متباعدَين. أما الحقائق التاريخية، فهي تُشير إلى أنّه في المساحة الجغرافية والفقهية بين هذين المصطلحَين، «السنة» و«الشيعة»، يقع معظم العالم الإسلامي.
هناك مذاهب أو تيارات، مثل الصوفية التي يصعب تصنيفها في إحدى هاتَين الخانتَين. هناك أمثلة ضمن الصوفية تَكسر فعلاً القالب الأسطوري الذي بُني خلال العقود القليلة الماضية. مثلاً، البكداشية هي طريقة صوفية علوية سنية. ألا يُذكّرنا ذلك بالأساطير الطائفية التي تجتاح سوريا اليوم؟ وحين يتحدث البعض عن الصراع «التاريخي» الإيراني ـــــ التركي على أنّه صراع سني ـــــ شيعي، علينا أن نتذكّر أنّ القوة الضاربة في الجيش العثماني كانت بكداشية، أي علوية ـــــ سنيّة.
الصوفية ليست مذهباً يَعتنقه قلّة من الناس هنا وهناك؛ إنّها تيار متجذر تاريخياً وفكرياً في شمال أفريقيا، وتركيا والعالم الإسلامي غير العربي. الجزء الديموغرافي الأكبر من العالم الإسلامي كان صوفياً، حتى مجيء الوهابية والمدارس السعودية.
يتمّ فجأة تناسي هذا التيار، واختزال كل التنوُّع في مصطلحَي سنّة وشيعة. بدلاً من معالجة هذه الثنائية الأسطورية، قام حزب الله بتبنّيها، حين دعا إلى الوحدة بينهما.
هناك الزيدية في اليمن، التي لا يمكن وصفها بأنّها شيعية بالفعل، فهي تؤمن بخلافة أبي بكر وعمر وعثمان ومن بعدهم علي وأولاده، وبالتالي هي مغايرة لمبادئ رئيسية لدى التيار الأساسي عند الشيعة. ولكن الفهم الاختزالي يجعل من الزيديين شيعةً، بدلاً من أن يكونوا جسراً بين أطراف متباعدة.
يدعو فيليب جنكنز، الكاتب الجدلي في جامعة بنسيلفانيا، إلى تحالف غربي مع الصوفية لمحاربة الإرهاب. ويُشير إلى أنّ الانتصارات العسكرية الكبرى في التاريخ الإسلامي كان جنودها صوفيين. اليوم، يَغيب ذكر الصوفيين لمصلحة أسطورة تبنّيناها، ظنّاً منا أنّها استراتيجية تعزِّز التسامح، فيما هي تكرِّس القطيعة.
نحن لسنا بوارد الدفاع عن الصوفية، ولكن ألا يمكن أن تشكِّل مشروعاً سياسياً عاماً؟ ليس بالضرورة استعادة الصوفية كطريقة: ماكس فيبر، رغم كل الإشكالات التي يمكن أن تُثار حول منهجه، تحدث عن معتقدات دينية تتحوّل في ما بعد إلى ممارسات ضمن مجتمع علماني.
الثقافة الأمنية المتفوقة لدى حزب الله أكسبته معارك كانت تبدو مستحيلةً؛ لكنّها حرمته قدرة المشاركة في اقتصاد الأفكار والمصطلحات، كونها ثقافة تفضِّل الصمت، والحقل الفكري ليس أكثر من ممارسات الكلام والنقاش نفسها.
الأساطير المؤسِّسة للعنف الذي يَهدر دماء السوريين اليوم، يجب أن تنبِّه المقاومة إلى أنّ التاريخ يُصنَع بالكلمات والأشياء على حد سواء.
* صحافي لبناني