مر الآن عام كامل على انطلاقة الحراك الشعبي في الأردن، والذي مرّ بدوره بمراحل هبوط وصعود. صعود لم تصل نقاطه القصوى إلى حد الطفرة بعد، أو بمعنى آخر إلى التغيير الكيفي الناشئ عن تراكمات كمية. والآن بات من الضروري مراجعة هذه المرحلة التي تعدّ حالة استثنائية في الأردن، في حقبة ما بعد الأحكام العرفية وإعلان «الديموقراطية».


تمثلت «المعارضة» في الأردن، خلال العام المنصرم، بمجموعة من التيارات المختلفة، من معارضة الإخوان إلى معارضة التيارات اليسارية والقومية، إلى التيارات الإصلاحية الليبرالية، وإلى حراك المحافظات كذلك، واختلف وزن كل تيار عن الآخر وحضوره ومدى تأثيره وهدفه ومجموعة الفئات المعبرة عنه. أكثر الخطابات المعارضة رواجاً ـــــ نسبياً ـــــ والتي لا بد من الوقوف عندها كجزء من هذه المراجعة هي خطاب الحركة الإسلامية وخطاب معارضة المحافظات.
يعتمد الخط السياسي العام للحركة على التفاوض بدرجة أولى وأساسية، ومن هنا كانت تصريحات قادتها في لقاء مع رئيس الوزراء تدور في فلك تحديد سقف الاحتجاج بإصلاح النظام ومحاسبة الفاسدين فقط، وتغليف هذا الاحتجاج بالطابع السلمي وبشكل كامل. يستخدم الإسلاميون مجموعة من الأوراق لتحسين شروطهم التفاوضية مع النظام، وما يجري على الأرض ليس بذي صلة بالظاهرة نفسها. فخروج الإسلاميين في جمعة «طفح الكيل» كان ظاهرة صورية تختلف تماماً عما جرى في الجمعة التالية لها، من استعراض القوة أمام الجامع الحسيني، إلى التمثيل السياسي الخطابي البسيط في ساحة النخيل. يعبر هذا المسار تماماً عن نهج الإسلاميين في التعاطي مع النظام، وتغيير لون الأوراق التفاوضية لتحصيل أكبر عدد ممكن من المكتسبات للحركة. وتتداخل هذه الأوراق وتتقاطع مع قناة التنسيق المفتوحة مع واشنطن التي قد تحتمل صيغاً أكثر فائدة للحركة، وبانتظار نتائج ما يجري في سوريا كذلك.
من هنا، نحن أمام تيار مفاوض ومتربص ويمتلك أفيوناً رخيص الثمن، غير معني بتفكيك البنية الاقتصادية لمصلحة الطبقة الفقيرة، وإنما يشكل امتداداً للنهج الاقتصادي الرأسمالي، ولكن بحماية ذهنية مرتبطة بالنص الديني. يستند هذا التيار بالكامل إلى إنهاء «جولات الصراع» من خلال صفقة ذات شروط موضوعية وذاتية، تعيها الحركة جيداً، ومنها الاستمرار في النزول إلى الشارع، ولكن على إيقاع يتناغم مع مدى تقدم أو تراجع المفاوضات مع النظام نفسه ومع واشنطن في الوقت ذاته. فواشنطن لا تمانع قدوم الإسلاميين، طالما أنّهم ملتزمون بخدمة الاستثمار الخارجي ولعب الدور الاقتصادي والسياسي ذاته، والإبقاء على صفاء العلاقة مع الكيان الصهيوني. كما لا يمانع الإسلاميون أن يأتوا بمباركة ومساعدة أميركية طالما أنّهم لا يرغبون أساساً في تغيير المفاصل الأساسية للمجتمع: الاقتصاد والسياسة.

خطاب معارضة المحافظات

يجري الحديث عن تهميش لأبناء المحافظات مع غياب القطاع العام، وانعدام التأسيس لخدمات اجتماعية عامة فيها. لا بد هنا من الوقوف عند الملاحظات الآتية:
• إذا أردنا اختصار «التهميش» في فقدان الوظائف بسبب غياب القطاع العام، فإننا نلاحظ أنّ شواغر تركة القطاع العام والجيش إلى الآن هي من نصيب أبناء المحافظات. عندها يصبح أبناء العاصمة هم المهمشون وليس العكس! ولكن حتى هذه الصيغة غير قابلة للحياة في إطار مشروع عابر للتقسيمات الفرعية.
والسبب في هذا الإفقار الجماعي وليس «التهميش لفئة محددة»، هو لبرلة السوق والسياسة على حد سواء. وقادة هذا المشروع هم من فئات متعددة، تنتمي إلى عرق واحد وهو «الطبقة» و«الربح»! وهذه الطبقة ارتأت أنّ الطريق الأسلم لزيادة أرباحها هو فتح مكاتب الاستثمار الأجنبي والمستشفيات والمدارس الخاصة وشركات التأمين، إلخ ... في العاصمة، والاستفادة من نسب أرباح المصانع في المناطق الصناعية المختلفة وتجاهل أي شيء آخر (التأسيس لخدمات اجتماعية في المحافظات على سبيل المثال).
• المسألة ليست في غياب الشواغر والخدمات، بل تكمن في غياب الدولة كجهاز اقتصادي اجتماعي ناظم لحياة الناس. وعلى كل حال، فإنّ الخدمات المتوافرة في العاصمة، على الصعيدين الصحي والتعليمي على سبيل المثال، هي بالأغلب خدمات خاصة «يقودها القطاع الخاص» كما أوردنا أعلاه، وهذه لا تشكل أي ضمانة اجتماعية، ولا تقدم تفضيلاً للسكان القريبين منها جغرافياً على حساب غيرهم.
في ظل هذه الظروف، يتسلل خطاب سياسي ليحمل حراك المحافظات في مسار واضح، يقول إنّ أبناء المحافظات «المهمشين دون غيرهم» تم إقصاؤهم، بسبب غياب القطاع العام. والسبب في هذا الغياب، وفق ذلك الخطاب، هو توسع القطاع الخاص، والسبب في هذا التوسع هو فئة كمبرادورية فلسطينية حصراً (وليس قراراً سياسياً اتخذته الطبقة الآنفة الذكر). ومن هنا يبدأ التحشيد ضد أسماء محددة ومن أصول محددة دون غيرها بوصفها المسبب الأساسي لكوارث الأردن الاقتصادية، ويتم حرف مسار الصراع بذلك من حرب ضد المنظومة بأكملها إلى حرب على الأشخاص. كذلك يعتبر الخطاب ذاته أنّ الوجود الديموغرافي الفلسطيني يشكل تهديداً للهوية الوطنية الأردنية، ومن هنا وجب دسترة أو قوننة فك الارتباط (والسؤال هنا: ماذا لو لم تكن الضفة الغربية في 1967 جزءاً تابعاً على المستوى الإداري للأردن، عندها ماذا سيكون الحديث عن الهوية الوطنية الأردنية؟). ويتابع ذلك الخطاب بأنّ التمثيل السياسي لا بد أن يتم على أرضية تغليب نسب المحافظات من خلال القانون ومن خلال تعريف الأردني مجدداً «من يحق له الانتخاب».
وفي هذا السياق، يحاول هذا الشكل من الخطاب السياسي «الواقعي والمتمكن من التفاصيل»، أن يجعل من العداءين حزمة واحدة: عداء للفلسطينيين في الأردن، وعداء للنظام!
يحاول العاملون على هذا الخطاب ترويجه من خلال «واقعيته». ولكن ماذا لو غاب هؤلاء «المنظرون» عن مجمل هذا الخطاب؟ ألن يسير الواقع في الصيرورة ذاتها، أو لربما في صورة أفضل؟ إذاً ما هو دورهم في تغيير الواقع وحرف مسار الصيرورة التاريخية ذاتها؟ وهل تعني الحلول الواقعية فهم الواقع دون تغييره؟ والاكتفاء بالنظر إلى التناقضات الثانوية وهي تحل تلقائياً وذاتياً بغض النظر عن النتائج؟ من إذاً سيقدم الحلول «الصعبة» لتصبح واقعاً في نهاية المطاف؟ وهل كان من الصعب «التنظير» لعداء الإخوان بتوصيفهم التيار السياسي للكتلة الفلسطينية، و«التنظير» لعداء حراك المحافظات بتوصيفه عصبوياً؟
إن استفزاز التناقضات الثانوية أمر سهل لا يحتاج إلى مثقف ولا إلى بوصلة سياسية متمكنة. الواقع وبدون مبالغة قادر على حمل خطاب جامع وعلى النقيض من ذلك تماماً، يوحد صفوف الطبقة الفقيرة، ويخرج بعضاً من أبناء المحافظات من أوهام الخطر الفلسطيني، وبعضاً من أبناء «الطرف الآخر» من أوهام خطاب الحقوق المنقوصة.
في الأردن، كما هي الحال في العديد من البلدان العربية، طريق ثالث بات لازماً، يحدد هدفه الاستراتيجي بالاستناد إلى التناقضات الأساسية، أي الفقراء أمام المحتكرين للثروة، هكذا فقط، ولا يضع الخاص في مواجهة العام انطلاقاً من «فن قراءة الممكن». تلك هي المهمة الحقيقية الراهنة للمثقفين والسياسيين العرب.
في الأردن، يتقدم خطاب إخواني غير راغب وغير هادف البتة إلى تغيير النمط الاقتصادي القائم، والذي يشكل العقدة الأساسية لمجمل المصائب الاجتماعية، وبالتوازي يتقدم خطاب سياسي عصبوي يدعو إلى إعادة إنتاج «الفساد» وتدويره وحصره لمصلحة فئة دون غيرها.
قد يقول قائل: ما هو الطريق الثالث إذاً؟ هل هو ثالث ضمن نطاق المعارضة ذاتها؟ أم ثالث مع الأخذ بعين الاعتبار طريق النظام الحالي؟ إنّ معارضة الإخوان، ومعارضة «فك الارتباط»، ومعارضة «المواطنة والحقوق المنقوصة»، والمعارضة الليبرالية المخملية الناعمة، جميعها معارضات مشوهة، لذلك فهي تعبر عن طريق واحد وهو المعارضة غير المنجزة، لذلك نحن بحاجة إلى طريق ثالث بعيداً عنها وبعيداً عن النظام.
المطلوب اليوم هو شق طريق ثالث يمتلك تصوراً واضحاً عن توزيع جديد لموارد الثروة، يطرح أنماطاً جديدة لاستغلالها، يبني مجموعة من التحالفات السياسية والاقتصادية الجريئة التي تنهي علاقات التبعية للمركز المصنع، ويزج بنفسه مباشرة في معركة سياسية تناحرية مع العدو الصهيوني وأميركا، وينهض بالنمط الاجتماعي العلماني بالدرجة الأولى. نمط قادر على تجاوز كل أشكال العصبوية، من الدين إلى العشيرة إلى الإقليم ... هذا هو الطريق الثالث الذي لا يزال غائباً، على الرغم من ممكنات الواقع في حمله!
* كاتب أردني