تناقلت وسائل الإعلام، مضمون مقابلة صحفية أجريت في تاريخ 29/11/ 2013 مع المطران إلياس نصار، راعي أبرشية صيدا المارونية. توالت بعدها الردود عليها. تسارع التعرضُ شفهياً أو كتابة، لصاحب المقابلة، من قبل بعض الحزبيين القواتيين وقادتهم، إضافة إلى عدد من متكسبي الجرائد. تمشهد بعض هولاء إعلانياً، وهم من قرى صيدا، بطرحه شكواه أمام البطريرك، والتلويح بالتشكي أمام الأعتاب الرومانية.


انتشرت من ثم إعلامياً، في 5/12/2013، شائعات تفيد عن إحالة البطريرك، الدعوى المقامة ضد المطران نصار، إلى المحكمة الأسقفية المحلية، وعن تعيين مدبر بديل عنه، وهي شائعات تحاكي في شكل تسريبها، وأسلوب أغاليطها، وفي غائية أشغولاتها، مثيلات لها، كان آخرها تلك التي دُست في الصحافة بتاريخ 25/11/2013، تزعم استقالة سيد بكركي، الذي عقب عودته من الفاتيكان، أبدى الأسف، «لأن هناك في لبنان أشخاصاً يختلقون الأخبار ويكذبون... إن ما تم تناقله عن استقالتي كذب وتلفيق ومجرد شائعات».
تتطلب سلامة معالجة مقابلة المطران نصار وتداعياتها، أسوة بمعالجة أي نص آخر، اتباع مبائ ثلاثة أساسية، هي:
1ـــ معرفة مدى صحة ما جرت عليه المقابلة موضوعياً، ضناً بالحقيقة وسعياً إليها، (...) دونما حاجة للانحراف بالتحري عنها، إلى التخندق والقنص في ميدان النيات وإدعاء احتراف موهبة فضح تلك النيات وكشف خلفياتها. فشواهد الحقيقة ليست وجهة نظر. يقول المطران نصار، مثلاً: «لدي مبادئي الكنسية وأسعى لتجسيدها. ومن يعمل بمضمونها عليّ ثناؤه وشكره. ومن يرفض السير بها عليّ مواجهته، وإلا كانت مسيحيتي ناقصة وشهادتي للمسيح ناقصة... الخطأ القاتل سأواجهه لأنّ نهضة المسيحيين لا يمكن العبث بها». رداً على هذا القول، «تستوحي» قيادة القوات، وتبتكر تأويلاً ذاتياً خاصاً بها، في بيان نشرته على موقعها الإلكتروني (2/12/2013)، فتقول: «كلام المطران نصار يوحي بأنه تخلى عن دور الراعي الصالح...».
2ــ تحاشي عملية إسقاط التشنجات الحزبية والمسبقات الذاتية و/ أو السياسية على مضمون المقابلة، سبيلاً إلى التلاعب بالحقيقة واستسهال تجريم صاحبها بها. فالأسقف أب هو وراعٍ، لا خصم ولا غريم. وسكان أبرشيته [مسيحيون وغير مسيحيين] أخوة هم وأبناء، لا أتباع ولا قاصرين. ومحتوى حديثه هو لفت المخاطبين وتذهينهم، لا استطفالهم ولا الطعن بخياراتهم. يقول المطران نصار، مثلاً: «أنا لا أدعم العماد عون شخصياً، نحن كلانا ندعم المبادئ الوطنية العامة ونعمل لإعادة حقوق المسيحيين... ولن أسكت أو أصمت عن الإشارة إلى الطعنة التي تلقيناها من الداخل في مسألة إعادة قانون انتخابي عادل». تسقط قيادة القوات شطط تحيّز مطالعتها التحزبية لقول المطران نصار، وتهرطقه بمقتضى فهمها هي لماهية وصايا الله، بل وتنسب إليه طِباع التضليل. في بيانها الآنف الذكر فتقول: «تحول (المطران نصار) إلى مجرد محازب يكيل المديح لزعيم بما يخالف وصايا الله وتعاليم السيد المسيح... التحية الحارة التي وجهها سيادته لشهامة العماد ميشال عون وإشهار حبه له وإيمانه به، فهو ما لا نستغربه أبداً نظراً للتشابه الواضح بين طبيعتي الرجلين في تضليل القطيع ورفع الحقيقة على الصليب».
3ــ حسن التمييز الحاسم ما بين القائل وقوله، بحيث يمتنع المخاصم عن المس بكرامة خصمه، وتنعيت شخصه واستصغاره، مقابل الحق الديموقراطي بتناول قوله بالنقد والتفنيد والمحاجة والرفض. إن في الإدغام بين الفاعل وفعله، خفة أدبية بإطلاق الأحكام، واستخفاف معرفي بالحقيقة، وتطبيع اتّباع المسلك التكفيري. يقول المطران، مثلاً: «أشعر بأبوتي ليس فقط للموارنة بل لكل المسيحيين في أبرشيتي ولكلّ المسلمين والدروز، من دون أن أسمح لنفسي بالتعدي على خصوصية كلّ جماعة دينية... نحن معكم (محازبو القوات) ومع قضاياكم، اليوم أنتم تعانون من مشكل في القيادة، أنتم مطالبون بتغييرها، وفي أبرشيتي العديد منكم، ولهذا السبب أنا أنصحهم بذلك». يثير قول المطران انفعالية لدى البعض (...) أما قيادة القوات فتعيب عليه فهمها هي لما بين سطور نصيحته ولما فوقها، فتقول: «لم يكتف المطران نصار بالتعبير عن رأي سياسي، إلا أنه تعدّى ذلك ليتهجّم، بطريقة مستهجنة وبأسلوب بغيض يتنافى كلياً مع أدبيات الكنيسة وتقاليدها، على رئيس حزب القوات اللبنانية. وفي ذلك إساءة لكل قواتي ولكل مؤيد للقوات اللبنانية ونهجها. وإننا نؤكد أن أي محاولة للفصل بين القواتيين ورئيس الحزب إنما هي مرفوضة شكلاً ومضموناً...».
يتبين، بمجرد قراءة نصوص المقابلة والردود عليها، أن خطاب المطران نصار، قد حقق التقيد بالمبادئ الثلاثة المذكورة أعلاه بدرجة عالية من السلامة. يضاعف التقيد المنهجي هذا، من صدق خطابه ومن صدقية دعوته المعنيين لإظهار جرأة أدبية بإعادة النظر النقدية في شؤون دنياهم ومؤسستهم الحزبية. بالمقابل، يسهل التأكد أنّ مجمل الردود، قد «نأت بفحواها وبأسلوبه» عن هذه القواعد الثلاث، بدرجة عالية من الظفر.
انساب حديث المطران نصار، في سياق مقابلته بأسلوب مباشر الدلالة، واضح المصطلحات، بسيط التعابير، صريح البوح، شفاف الدوافع، مستقيم الغاية: ذكر اسمياً بعض الشخصيات العامة. سمى مجموعات منظمة أو عفوية، معرفاً بها بمواصفاتها الانتمائية والمكانية. التزم في كلتا الحالتين، نهج الاحترامية في التكلم عمن وجه إليهم خطابه.
(في المقابل) جاءت مجمل الردود، التي أطلقها حزبيون وإعلاميون ومناصروهم، على خطاب مطران صيدا، انفعالية الدلالة، نمطية الأحكام، متسرعة الحسم، رعناء التقويم، متشفية التقييم، تهكمية التوصيف، تجريحية التعبير، لا إنسانية التعامل، لا نضوجية التخاطب. التقط بعضُ تلك الردود، جرعة كبيرة من الزقاقيات، صاغها بما لا يليق، شكلاً ومضموناً، وقذف بها صوب المقامات الدينية القريبة والبعيدة. منها مثلاً: «التصاريح التي صدرت عن المطران الياس نصار في أكثر من مناسبة يسيء فيها بشكل مبرمج للقوات اللبنانية... يتهجّم، بطريقة مستهجنة وبأسلوب بغيض (بيان القوات). عظات استفزازية لشريحة كبيرة من أبنائه الموارنة، ومقابلات تنمّ عن حقد دفين... (عماد موسى). مطلوب من البطريرك الراعي، الذي يستحق عن جدارة لقب «ابن بطوطة»، أن «يضب» المطران نصار... الذي لم يفعل إلا تعميم القطيعة والكراهية... يجب أن يُقال فوراً هذا المطران ويرسل إلى منعزل لإعادة التأهيل (بشارة شربل).

منطق البرهنة في خطاب المطران نصار

يربط تصاريح المطران نصار، في مقابلته، جامعٌ مشترك بسيط، قوامه منطق القياس الاستدلالي. يضمّ جملة من البراهين، والحجج، والشواهد، والدلائل، يرصفها فيستخلص منها، ما يعرضه على شاكلة تفاسير، ومبررات، لدعم منطقية مواقفه. فأنت هنا بحضرة السرد البرهاني في المحاجة والمرافعة. وبرهان ذلك مثالان: أحدها يتناول شأناً حيادياً خاصاً، لا يثير أي جدل يذكر. والآخر، يطاول شأناً عاماً معنياً، استثار عليه بعض المعنيين به، لمجرد أن جرت على لسان المطران، أقوال وتقويمات يرددها الكثيرون من الأقربين العارفين ببواطن أمور قائد القوات السيد سمير جعجع، والعديد من الأبعدين المطلعين عليها.
أــ تبرير رفع الأسقف صوته: يورد المطران تبريراً ذا طابع كتابي وكنسي ووطني، لخروجه عن صمته: «قول الحقيقة احترام للذات والآخر... المسيحية شهادة للحق وتصويب للأخطاء نحو الأفضل... ما اخشاه وأخافه يتعلّق برعيتي... تبقى الكنيسة برأيي صوت الضمير... الدفاع عن وجود المسيحيين الذي بات مهدداً... توحيد جهود المسيحيين... مجابهة هدر تلك الجهود... التصدي لشرذمة المسيحيين واللبنانيين...». وكأنه استشعر مسبقاً بحملة قد تقام عليه، فيقول: «... وما من أجمل من أن يبذل الراعي بنفسه لحماية رعيته».  
ب ـــ تعليل نصيحة إيجاد قائد جديد للقوات. يبرر المطران نصار توجهه إلى المحازبين القواتيين، لأن من واجبه: «قول كلمة الحق باستمرار والإشارة إلى الذين يُخطئون، وتحديداً للمسيحيين منهم». ويعلل حكمه بأن «قائد القوات اللبنانية سمير جعجع ليس جديراً أن يكون في موقع القيادة، وعلى القواتيين أن يسألوا عن تاريخه، والتاريخ معروف لدى الجميع»، بجملة من الأسباب، تتدرج كالآتي:

أطر عامة لممارسة السلطة

1ــ من واجب من يقود المسيحيين أن يتحلّى بحدودٍ أدنى من المعايير.
2ــ المبادئ الوطنية والأخلاقية ليست محترمة، هناك قيادات سياسية في لبنان مرتبطة بالخارج وتعمل وفق أجندة خارجية، وتريد تحقيق مصالحها الشخصية حتى لو جاء ذلك على حساب الشعب،
لا جدارة لسمير جعجع في موقع القيادة.
3ــ هذا الرجل الذي سمح لنفسه بأن يقتل في الحرب ويصفّي أشخاصاً عديدين وبالمئات وبأوامر شخصية، وليس ضمن مواجهات عسكرية.
4ــ اليوم يكررّ فعلته بالسياسة، فهو يقتلنا بالسياسة... إنّ مسألة قانون الانتخابي الذي يعيد الحقوق للمسيحيين أخفق بها جعجع أيضاً، فقبض المال لينفّذ سياسة الغريب... البطريرك الراعي جمع القادة المسيحيين تحت عباءته، فمن أين له (سمير جعجع)، الحق بالانقلاب على الاتفاق، لا، هنا أمام المسائل الوجودية لا بدّ لأحدٍ ما أن يشير إليه «وينك»؟ بعض جماعته يقولون نعم «غلّط» جعجع، لا المسألة هنا لا تتعلق بخطأ عابر، يجب أن يكون هناك حساب. جهود البطريركية في مجال استنهاض المسيحي ممنوع التفريط بها... ولن أسكت عن الإشارة إلى الطعنة التي تلقيناها من الداخل في مسألة إعادة قانون انتخابي عادل».
لهذه الأسباب، يخلص المطران نصار في محاجته إلى:
5ــ «نحن مع قائد للقوات قادر على أن يرى الأمور على حقيقتها وأن يُقارب مصلحة المسيحيين من منظار المجموعة المسيحية لا مصالحه الشخصية».

مشهد الردود الانفعالية على الخطاب

كان من المفترض، أن يلتقط القواتيون حججاً أشار إليها المطران نصار في مقابلته الصحفية، فيقارعوا البرهان بالبرهنة، والحجة بالمحاجة، والإثباتات بالثبوتيات... حرصاً منهم على إثبات صدق رأيهم بذواتهم وصدقية اعتقادهم ببراءة سمير جعجع وبجدارته القيادية. كما على إظهار جسارة مواجهة المطران نصار، كأبناء أبرشيته ببراهينهم الدامغة. وهم لو تجاسروا، لبرأوا ساحتهم، وصوبوا الأكذوبات حول قيادتهم، وحصنوا مطرانهم دون الشطط. (فضلاً عن) تأكيد قوة روح المصالحة الأخوية، تلك الميزة المميزة لكُنْه روحانية المسيحية ولجوهرها، في مشرق آلف التكفير والأبلسة والنحر، الأدبي منه و/ أو المادي. وهم لو أقدموا، لشهدوا لمسيح إنجيل إيمانهم على المستوى الكنسي، كما على المستوى السياسي. (وأخيراً لحققوا) أنموذجية التواصل الاجتماعي السياسي والتعامل العام الوطني، بأخلاقية الحرية وبأدوات الديموقراطية التشاركية (...).
لكن القواتيين غفلوا عن أي من أواليات المحاجة هذه الإنسانية المؤنسنة، وفوتوا على أنفسهم ومجتمعهم فرصة حسن الإفادة الثقافية من المحنة. آثروا سهولة التهاوي إلى الطعن، والتجني، والتجريح، وامتهان الكرامة، والتعتيه والأبلهة، في ردودهم على صاحب المقابلة (...).
استناداً إلى ما تقدم أعلاه، وبخاصة استناداً إلى مسببات موقف المطران من مجريات إدارة الشأن العام، يمكن القول، بأن كلام المطران نصار، صادر عن جرح وجودي أليم، يشكل، بنظره، صرخة وجع يطلقها في برية التلاعب بالمصير الوطني.
1ــ إنها دعوة لإحياء الذاكرة، تصدر علناً ورسمياً، من قبل رجل إيمان يرعى كنيسة المسيح في صيدا، عملاً بالإرشاد الرسولي رجاءً جديداً للبنان: «يجب إبقاء ذكرى ما حدث حية، كي لا يتكرر ذلك أبداً، ولئلا يتسلط البغض والظلم...» ( بند 114). بل يدعو إلى تطهير الذاكرة، بجسارة الروح، خطوة أولى، مرادفة لعملية النقد الذاتي، الضرورية لتنقية المسيرات الحزبية، والنقابية، والمؤسسية على أنواعها. تقض دعوة المطران نصار غيبوبة الوعي الوطني، الذي إرتاح ما إن أزاح، أصحاب السلطة والشان، أمر تطهير الذاكرة، بممحاة لا أخلاقية «قانون العفو العام» الصادر في 26/3/1991. وهكذا خُتم على الجرح الوطني بزغل تاريخي مهين. وها هي الردود الناقمة على دعوة المطران، اليوم، تعيد طمس الذاكرة، وتكرر تشليع الصفحة التاريخية عوض طيّها على أمانة وصدق.
2ــ إنه مطالعة قيمية، يتقدّم بها المطران، مُسندة إلى مرجعية الشهادة المسيحية (...) جوبهت بمطالعة فئوية، حزبية، اتّباعية سياسية، تستعدي صاحب المقابلة، طمعاً بتشتيت الأنظار عن قضايا مهمة أثارها، إلى مسائل لا أهمية لها، علّ ذلك يعفي الرُدوديّين من واجب كشف معطياتهم المقنعة لإثبات براءة سمير جعجع من إفشال القانون المسمى أرثوذوكسي، ونصاعة يده من لطخات الدم، التي تتلاقى هيئات متخاصمة سياسية، على إدراجها في مَلفه.
شاء المطران نصار، على حد قوله: «رفع الصوت عالياً للعودة إلى قيم الكنيسة التي هي نظم أخلاقية بالدرجة الأولى، ودعوة للحوار... هدفه إعادة بوصلة الحياة السياسية إلى اتجاهها الصحيح». كان يأمل استدرار المحاورة، والمرافعة والمناقشة والمناصحة، مع من وجّه كلامه إليهم. كان بمقدور القواتيين التحقق بسهولة نسبية، من صحة مادية الحجج، التي وردت في المقابلة (الأمر بالقتل، قبض المال، إفشال قانون الانتخاب، التنكر لاتفاق بكركي، تنفيذ سياسة الغريب...) ولكن المطران تلقى، بديلاً من الحوار، لغةَ التهكم والتجني والإهانة، المتمددة على صفحات الصحافة المكتوبة وفي المواقع الرقمية. وتلقى، لغة التشكي، رفعها وفدٌ من القواتيين إلى المقام البطريركي (...) من جراء المس، من قبل الغير، بزعيمهم «الفوق الشبهات»، أو من جراء اضطرار الحزبيين أنفسهم، للنظر في سجل تاريخ وممارسة زعيمهم!؟ إن مجرد المس، يثير الحفائظ، ويستوجب الاقتصاص ممن يمس «المعبود المقدسن»، أكان المعبود هذا، أحد آلهة الغيب [حالة التكفيرية الأصولية السلفية، جبهة النصرة...]، أم كان أحد العناترة والزيران، الذي قدسن ذاته أو قدسنه تباعه sacraliser [حالة القطعانية السياسية، الجماهير، الأزلام]. بالمقابل، إن مجرد نظر القواتيين جدياً بسجل قائدهم، كان سيفضي بهم إلى أحد منفذين:
إما كشف شواهد براءة قائد القوات، (تحقق لهم) مسؤولية البلوغية الحزبية، رصانة التلاقي والمصارحة الكنسية، شفافية الشهادة المسيحية، ريادة الوعي الوطني.
إما اكتشاف بيّنات تجَرّم قائد القوات، (فيضمنون) التخلص من وزر التستر والتستير، تخليص قائدهم من معتمات النكران والهروب إلى الأمام، التحلق الخلوق حول المطران، أخلقة العمل الحزبي والسياسي في لبنان، استنهاض اللبنانيين بالتواثق الصدوق.

رفعة استقبالية البطريركية

أخطأ وفد القواتيين بالتوجه إلى بكركي بشكواهم. كذلك أخطأت المصادر النكرة إصابة بكركي بشائعاتها. إنه خطأ مزدوج، بالعنوان كما بالمضمون وبالأسلوب.
1ــ تقاليد استقبالية البطريركية accueil
سرت منذ البدء تقاليد استقبالية راسخة في البطريركية المارونية، تقضي بأن يبقى باب البطريرك مفتوحاً، لكل زائر أو حائر، ولكل جائر أو ثائر أو عابر، ترميزاً منظوراً وملموساً، لرحابة قلبه المنفتح للمسامحة، ولبركة يده الممدودة للمصافحة، ولتحنان صدره المُشَرّع للمصالحة، ولنسكية كيانه المستولد للمسالمة.
2ـــ خطأ التشكي أمام البطريرك
أخطأ وفد القواتيين بالتشكي أمام البطريرك، أخطاءً خمسة، لا توائم أناساً راشدين، يحسنون الاعتراض والمقاومة الأدبية، أي المواجهة وجهاً لوجه، عوض المظاهرة ظهراً لظهر:
1ــ تهرّب من إعداد ملف جدّي موثق، لتفنيد دقائق قولة المطران صاحب المقابلة التي أثارت حفائظهم.
2ــ هروب من لقاء مطران صيدا، ومن استفساره، مباشرة ومواجهة، عما عصي على فهمهم في قولته، وعما بدا لهم أنه تجنٍّ ظالم تجاه قائدهم.
3ــ إيثار التشكي إلى المراجع الدينية العليا، كمَهْرَب سهلٍ، من مجابهة المطران ومقارعة الحجة بالحجة... أم لعل اللقاء مع المدعى عليه لا يليق بهم؟!
4ــ التوهّم بقدرتهم على المناورة التكتية، باستحضار وإعادة إنتاج سالف التهويل الجماهيري – الإعلامي الضاغط آذارياً، على سيد بكركي (...).
5ــ إشاعة الاستضحائية الذاتية victimisation وإيهام الراي العام بأنهم مع قائدهم ضحية ذبيحية victime sacrificielle، وسيلة لتأليب هذا الرأي بتخويفه من تواطؤات الدينيين والمدنيين.
لهذه الأخطاء السلوكية والفهمية والعلائقية معاً، التي بدرت عن القواتين، استقبلت بكركي الزائرين. لم تجارهم في هوايتهم. التزمت الصمت التربوي الراعوي المعبر، لعلّ الغافلين يتذهّنون، ويعون.
1ــ عيب شائعات تطاول البطريرك
بالأمس القريب، ومنذ تسلمه عصا الرعاية الكنسية، انهمرت على بكركي عامة، وعلى البطريرك الراعي خاصة، سيول من التجنيات المغرضة والشائعات المشبوهة. بعض مطلقي التجنيات أو ناشري الشائعات ومروجيها، هم أفرادٌ معرفة، وبعضهم الآخر نكرة، محليين كان هولاء أو كانوا إقليميين أو دوليين. ومنها مثلاً: الكاريكاتور المهين المنشور في جريدة «وطن أون لاين» السعودية (13/ 2/ 2013). اهتياج صالح المشنوق إبان زيارة البطريرك لسوريا، وتشويهه المقدسات: «قداس شيطاني في دمشق» (13/ 2/2013). حملة المستقبل على البطريرك بسبب قانون الانتخاب (2/ 3/ 2013). استخفاف أدبي لسمير جعجع في مقابلة له لدى «أم تي في» يصرح قائلاً: «مواقف الكاردينال الراعي لا تشرفني ولا تشرف المسيحيين». تحامل فريد مكاري على البطريرك وتصويره إياه كسفير سوري جوال (13/ 4/ 2013). تهجم الشيخ محمد علي الجوزو على البطريرك لزيارته أخاه البطريرك يوحنا الأرثوذوكسي في سوريا (18/ 4/ 2013) وكان آخرها رشق من الشائعات النكرة والمُنكرة، تطاول البطريرك الراعي وتدابيره، ومنها: استقالة البطريرك وبعض الكرادلة، إحالة البطريرك الراعي ملف المطران نصار على المحكمة الأسقفية، تعيين مدبر لأبرشية صيدا.
دأبت بكركي، عملاً بأخلاقياتها الإنجيلية، واحتراماً مطلقاً لكرامة أصحاب «الآذان السامعة» الإجابة بمقتضى القييم: إما التوضيح والتنوير، متى كان التصريح التي يطاول البطريرك لائقاً معافى، وكان المُصَرّح معرفة. وإما الابتسامة التربوية المرافقة لصمت راعوي، متى كانت الشائعة صادرة عن مصدر مجهول نكرة (...).

ليكن كلامكم نعم نعم ولا لا

صرخة المطران نصار تطاول كل لبناني حر. ما من مواطن لبناني معفى من الالتزام بالشأن العام. كل بحسب مكانته ومقامه وجدارته. الكل مدعو للتحقق، أي مدعو للسعي إلى الحقيقة والتحري عنها في كل المرافق العامة. فبمقدار ما تقيم الحقيقة في المواطنين، بمقدار ذلك يقوون على التحرر وعلى التحرير: يتخادمون لارتقاء إنسانهم. يتساعدون لإرساء ديموقراطيتهم، ويتشاركون في تقرير مصيرهم، بأخلاقية الحرية وبأدوات السلام.
* أستاذ جامعي