جملة معطيات استراتيجية أثبتتها تطورات الأسابيع القليلة المنصرمة في ميادين سوريا القتالية، تظهر بوضوح أكثر صورة الوضع الراهن، وترسم معالم المرحلة المقبلة.

أبرز التطورات، المعركة التي جرت في الغوطة الشرقية في الرابع والعشرين من تشرين الأول الفائت، حيث تمكنت قوات سورية وأخرى حليفة من تكرار مجزرة أوقعتها بقوات معادية فاجأتها قادمة من الجنوب من جهات الأردن ومنافذه الحدودية. كانت معركة كبيرة جرت فيها مواجهات ونزال وكرّ وفرّ قلّ نظيره، وقتال عنيف، وتلاحم بين موجات انتحارية من الطرفين، أثمر ما يمكن تسميته «الملحمة».
سبقت هذه المعركة اثنتان، واحدة جرت منذ نحو عام، والثانية وقعت في حزيران المنصرم، والفارق بين المعارك الثلاث مدد زمنية تقارب الأشهر الستة، وعلى ما يبدو فهي المدة التي يحتاجها الإعداد للهجوم الجديد. جرت المعارك الثلاث بسيناريوات شبيهة بهجوم 24 تشرين الأول، مع بعض اختلاف في الظروف والتوقيت، واتّسمت الهجمات الثلاث باعتماد عنصر المباغتة بهدف خرق العاصمة دمشق، من أجل الوصول السريع إلى القصر الجمهوري، وإسقاط النظام والقبض على السلطة بالضربة القاضية. ففي حزيران الفائت، شنّت قوات المعارضة السورية المسلحة هجوماً مباغتاً على ريف دمشق لتحقيق هدفها المذكور. وكان القيّمون على الدفاع عن العاصمة على تبيان من الاستعدادات للمعركة، فتهيّأوا لها، وتصدوا لقواتها عند الهجوم، وألحقوا بها هزيمة كبيرة سقط فيها الآلاف، وأحبط الهجوم وسقطت أهدافه.
قيل في حينها الكثير عن المعركة ونتائجها وتداعياتها، ومما أشير إليه أنها أقنعت الولايات المتحدة الأميركية بعقم الإصرار على إسقاط النظام في سوريا، وبأنه لم يعد هناك من بد للاتجاه نحو التسوية السياسية، وجاءت التهديدات الأميركية بعد ذلك بشن هجوم على سوريا بحجة استخدام السلاح الكيميائي في معركة الغوطة، وسقوط الرهان تالياً على جدوى الهجوم، ما أدى إلى تسريع خطوات التواصل مع حليف سوريا _ الإيراني.
منذ تلك اللحظة، دخل العالم في انعطافة تاريخية باتجاه حل المشاكل العالمية العالقة بالتسوية السياسية، واقتنعت بالاتجاه التسووي غالبية دول العالم تقريباً، ما عدا قلّة قليلة، لكن البارز منها المملكة العربية السعودية التي أصرّت على المضيّ في المعركة العسكرية؛ لأنه لم يبق أمامها إلا إسقاط النظام السوري.
لم تعجب الفكرة الحليف الأميركي، لكن الحليف ليس متضرراً من توجّه حليفته السعودية، ذلك أن المعركة المقبلة لا تكلفه شيئاً، فهي ستكون على حساب السعودية، فإذا ربحت، يربح، وإذا خسرت تخسر وحدها دون أن تكون الخسارة قد كلفته أي شيء، فلا مآل المعركة مآله ولا العتاد عتاده، ولا العناصر المقاتلة الذاهبة نحو الموت من جيشه، ولا حتى من مرتزقته.
قبلت الولايات المتحدة بالمغامرة الجديدة لحليفتها السعوية، ففي الحد الأدنى تعزز المعركة شروط التفاوض خلال المسار نحو مؤتمر «جنيف 2» المفترض، فكانت معركة الغوطة بعد هجومي ريف دمشق السابقين.
غير أن حسابات السعودية، والمكاسب التي ترقّبتها الولايات المتحدة من تلك المعركة، جاءت خاسرة، في حدّه الأدنى، وعلاوة على ذلك جاءت كارثية لها، وانقلب السحر على الساحر. فمعركة الغوطة أرست معطيات جديدة، وأدخلت المنطقة في انعطافة تاريخية لم يعد بالإمكان العودة معها إلى الوراء، ولو عرضنا تطورات تلك المعركة، لثبتت لدينا جملة حقائق جديدة.
معركة الغوطة
قبل عرض الحقائق الجديدة، لا بد من عرض كيف جرت المعركة _ الملحمة:
على علوّ شاهق كانت طائرة الـ«أم. ك.» (M.K) تحلّق ذهاباً وإياباً فوق الغوطة الشرقية، وتعاين بدقة المناطق الممتدة من النشابية _ العبادية _ قيسا _ المرج _ المليحة _ مروراً بالبادية السورية وصولاً إلى درعا _ الأردن.
كانت الصور والخرائط تصل مباشرة من طائرات الاستطلاع الإسرائيلية إلى غرفة العمليات المشتركة في الأردن.
وضعت اللمسات الأخيرة لبدء الهجوم الكاسح لقلب موازين القوى العسكرية على الأرض.
أطلقت الذبذبات الإلكترونية لتعمية منظومات الاتصال للجيش السوري وحزب الله ولواء الفضل بالترافق مع سريان التشويش وتعطل الاتصالات وفقدان التواصل بين كافة الوحدات العسكرية والقيادة. في تلك الأثناء، كان آلاف المقاتلين يتسللون إلى تخوم المناطق الأمامية، مستفيدين من الضباب لتدور واحدة من أهم المعارك وأشرسها التي حدثت في سوريا طوال السنوات الثلاث الماضية، حيث تقاتلت النخب العسكرية في مواجهة قلّ نظيرها بين الحرس الجمهوري والفرقة الرابعة وقوات النخبة لحزب الله ولواء الفضل ووحدة خاصة إيرانية وسرية متطوعين يمنيين من جهة، وجبهة النصرة والدولة الإسلامية في الشام والعراق وجيش الإسلام ووحدات سعودية وتقنيات إسرائيلية وطائرات استطلاع تشويش ودعم لوجستي أردني _ أميركي من جهة أخرى. بين هؤلاء دارت الملحمة الدموية.
ففجر الأحد 24 تشرين الأول 2013، شنّ خمسة آلاف مقاتل من المعارضة العسكرية في سوريا هجوماً مباغتاً تحت غطاء مدفعي وصاروخي وكثافة نار غير مسبوقة انطلاقاً من عدة محاور. اخترق المهاجمون المحور الأول: النشابية، وتلاه المحور الثاني، المرج، والثالث البحارية، وتوالت الاختراقات حتى اصطدم المهاجمون بنقطة العيبة ودارت المعركة الأهم.
اعتمد المهاجمون على أسلوب الموجات البشرية، وكانت الموجة الأولى من الانتحاريين كرأس حربة للهجوم. وقد أحدث الهجوم المفاجئ إرباكاً كبيراً لدى القيادة السورية والفصائل الحليفة، فسقطت ثماني بلدات مع حصيلة كبيرة من الشهداء بلغت 176 شهيداً.
وهنا يسجل للمهاجمين نقاط عدة:
1ــ اختيار الهدف، وهو استعادة الريف الدمشقي، وتهديد العاصمة كمعركة مركزية حيث قيادة النظام.
2ــ الاستفادة من البادية حيث الضباب الكثيف، ما يسمح بالتسلل والوصول إلى تخوم الغوطة الشرقية.
3ــ المقدرة على تجاوز البادية مع نقل كافة العتاد المتوسط والثقيل دون إثارة الشبهات، وهذا يتطلب مستوى عالياً من الانضباط والإرادة والصبر والقدرة على التمويه.
4ــ توظيف المعلومات المتوافرة دون إهمال أي معلومة صغيرة أو كبيرة، وهنا يسجل لمجموعة الاستطلاع النجاح الأساسي والمتقن.
5ــ التنسيق الجيد بين الحركة والنار، تقدم المهاجمون تحت وابل القصف الكثيف.
6ــ توقيت الهجوم في لحظة مميتة، أي عند تبديل القوات حيث كانت كتيبة النخبة في حزب الله على وشك الانتهاء من الانسحاب باتجاه القلمون، (قبل الهجوم بخمس ساعات انسحب حزب الله من تلك المنطقة مع كافة عتاده، وخاصة المرابض المدفعية والرشاشات الثقيلة م. ط).
أما المدافعون، فبالرغم من كل العوامل التي أحبطت العملية، ونجاح المهاجمين باختراق الخطوط الأمامية، أوقفوا الهجوم واستعادوا زمام المبادرة في وقت قياسي، أي خلال ست ساعات، إذ بدأوا بهجوم معاكس، وهذا كان ردّ فعل قوي مكّنهم من استعادة خمس بلدات، وهذا إنجاز يؤكد مقدرة الجيش السوري في التقدم، وتلقّي الصدمة وتطوير الاشتباك حسب مقتضيات اللحظة، بالرغم من عوامل الطقس والتشويش وقطع كافة الاتصالات وتأخّر الغطاء الجوي والمدفعي. أكدت هذه المعركة نجاح استراتيجية الجيش السوري باعتماد أسلوب اللامركزية؛ فالمدافعون قاتلوا ست ساعات من دون تواصل مع القيادة المركزية، وهنا يسجل استبسال المدافعين، بالرغم من الحصيلة الأولية للهجوم التي بلغت 176 شهيداً، فتناغم أسلوب الجيش السوري الكلاسيكي مع أسلوب حزب الله الأنصاري، وأدى ذلك دوراً كبيراً في تحويل الهجوم إلى هزيمة، وهذا التناغم بين الأسلوبين بدأ يؤتي ثماره، فقد سقط للمهاجمين أكثر من ألفي قتيل وعشرات الأسرى.
هذه الواقعة تبقي الغوطة وباقي الريف الدمشقي المسرح الفعلي لكسر التوازن العسكري على الأرض، وعلى الأرجح أن مَن يحسم معركة دمشق وريفها مع كامل الامتدادات من خطي الغوطة _ البادية _ درعا، والغوطة _ القلمون _ السلسلة الشرقية، يكون قد أنهى فعلياً المعركة العسكرية.
لهذا جرت محاولة 24/11 في محاولة أخيرة لتغيير الموازين العسكرية، ولكنها فشلت فشلاً ذريعاً. وتؤكد مجريات المعركة أن تقديرات المخططين لم تكن تنطبق مع الوقائع الميدانية، فدفع خمسة آلاف مقاتل إلى أرض لا يستطيع الثبات فيها، سيعطي رد فعل عكسياً، وسيترك تداعيات على الفصائل السورية. وهذا مدخل فعلي إلى الهزيمة، فالنجاحات المتتالية (قارة، النبك، دير عطية) تظهر مدى الإصرار على الحسم.

الحقائق التي أثبتتها المعركة

تظهر حيثيات المعركة، والطريقة التي جرى فيها الهجوم، وحجم القوى المنخرطة فيه وكيفية التصدي له وانقلاب الموقف ضد المخططين والمنفّذين له، جملة حقائق ثابتة:
ـــ خسارة استراتيجية للموقف السعودي ورهاناته، وسقوط الرهانات على الحسم العسكري ضد النظام السوري، وعقم أي توجه جديد من هذا النوع.
ـــ استحالة إسقاط النظام وتحالفه عسكرياً، فقد اتّسم القتال ببطولات سطّرها المدافعون عن النظام، بروح معنوية عالية وتعبئة سياسية وأيديولوجية عميقة، بما يعني صعوبة كبيرة، وربما استحالة في هزيمته عسكرياً.
ـــ تثبيت تشكل التحالف الذي بات يحدد مسار الأمور في المنطقة، وهو الذي يرسم المرحلة المقبلة وفق رؤاه ومصالحه.
بعد نصر معركة الغوطة، تتويجاً للهجومين السابقين، يمكن القول إن المعركة العسكرية في سوريا قد اقتربت من نهاياتها لتحقيق نصر حاسم لسوريا المقاومة وتحالفها، لمَن يتقن اللعبة الاستراتيجية وفهم مجرياتها.
* كاتب لبناني