من ضمن القتلى الأربعة عشر الذين وقعوا في تفجير المنصورة الأخير في مصر يوجد ستّة مجندين على الأقلّ، وهذا يدلّ على حساسية غائبة لدى المجموعات التكفيرية التي تقاتل الجيش المصري تجاه المسألة الاجتماعية ــ الاقتصادية. فالمجنّدون كما يظهر من صورهم التي عرضها الإعلام المصري ينتمون في معظمهم إلى أسر فقيرة يصعب عليها أن تخرج من «هامشيتها»، وخصوصاً في ظلّ الأولويات الحالية المتحيّزة ضدّها لمصلحة طبقات لا يضيرها أن يكون التهميش هو الأساس في عملية «النمو» والتراكم الاقتصادي. لذلك يغدو الالتحاق بالجيش إمّا عبر التجنيد الإجباري أو من خلال التطوّع باباً يلج منه هؤلاء المهمّشون إلى «عملية الإنتاج»، ما دامت «السخرة» المعتمدة هناك توفّر لهم دخولاً تعوّضهم عن الخروج من الدورة الاقتصادية الفعلية. ومع أنّ التكفيريين الذين نفّذوا هذه العملية يتحدّرون في معظمهم من بيئات لا تقلّ تهميشاً عن بيئات العساكر والمجنّدين، إلا أنّهم بحكم المنطق الذي يسيّر عملياتهم ويخضعها لآلية التمويل والتسليح يسلكون اتجاهات لا تتطابق مع الواقع كثيراً، وتتماهى إلى حدّ بعيد مع ما يحدث عندنا في سوريا. فهنا أيضاً يقتل المجنّدون الفقراء والمنتمون إلى قعر الطبقة الوسطى لمجرّد تواجدهم في الثكنة المراد تفجيرها. لا يؤخذ العامل الاقتصادي بعين الاعتبار أثناء التخطيط لعمليات مماثلة، فهو بالأساس معوّق لانتظام الجماعات التكفيرية المقاتلة على قاعدة أخرى غير القاعدة المادية، وبالتحديد: الهوياتية. إذ إنّ الهويّة التي يتعيّن الدفاع عنها في مواجهة الآخر المراد إفناؤه ونفيه من الوجود لا تتأثّر بالعوامل الطبقية، ولا يوجد أصلاً ما يدلّ على انتماء المجنّدين القتلى في الطرف الآخر إلى طبقة اجتماعية بعينها! هكذا يقال لنا نيوليبرالياً. ثمّ يزيدون: كيف يحصل ذلك والإخوة المجاهدون المتقاطرون إلى هنا من أصقاع الأرض جميعاً لا يتصرّفون كمن ينتمي إلى طبقات اجتماعية متمايزة، وإنّما إلى هوية جهادية معولمة وعابرة للطبقات والحدود. هنا ينتهي الاجتهاد النيوليبرالي ويبدأ اجتهادنا نحن. هل من يذكر العولمة؟ هل من قال رأسمال؟

في مصر لم يتعولم «الجهاد المقدّس» بعد، ولكنه سيفعل إذا تفاقمت عملية تذويب الطبقات وإخراجها من حيّز الصراع بين الأفرقاء هناك، ولنذكّر بعضنا بأنّه صراع اجتماعي بالأساس. هكذا بدأ في سوريا، قبل أن يتحوّل بمعية السفلة جميعاً إلى «تطاحن هوياتي» لا يبقي ولا يذر. من مصلحة الجميع أن يصبح كذلك، وأن «يرتقي» إلى مرتبة الصراع على الهويّة والانتماء الأوّلي بين فقراء البلد الواحد. لندع المقاتلين الأجانب جانباً الآن، فهم لم يصبحوا طرفاً حقيقياً إلا بعدما تقرّر إنهاء المسألة الاجتماعية، ونقل الصراع الذي خيض لأجلها بداية إلى حيّز «الحرب بين المذاهب والطوائف»، وبالتالي: الهويات. طبعاً هو حيّز هش مادياً، وغير مستند إلى معطيات قابلة للاستمرار، غير أنّه يصبح قابلاً للتمدّد حين يغيب الأصل، وتحضر الفروع، فكيف إذا كانت هذه الأخيرة مسنودة برأسمال مالي معوّل على مشروع الحرب، ومستعدّ للاستثمار فيه حتى النهاية. لنأخذ الرأسمال السعودي مثلاً، وهو يعتبر إلى جانب نظيره الإيراني الأكثر ضلوعاً في الحرب من حيث الرعاية والتدريب والتسليح والقدرة على الاختراق و... إلخ. فالسعودية كدولة (أفضّل تسميتها إلى جانب شقيقاتها الخليجيات المأفونات مستعمرات، فهذا أدقّ لجهة الموقعين الجغرافي والوظيفي)، وكرأسمال مالي، يهمّها أن تستثمر في خطّيين متوازيين، وألا تظهر بمظهر الحاضّ على الاقتتال الهوياتي وتذويب الطابع الاجتماعي للصراع فحسب، ولذلك هي تدعم مالياً وسياسياً ما يسمّى بالائتلاف، وعسكرياً تدفع بالقتال إلى ذروته التدميرية عبر أذرعها العسكرية المختصّة حصراً بارتكاب المجازر (آخرها عدرا العمّالية، ولصفتها الطبقية هذه دلالة مضاعفة) وتحويل ما ينتج عنها من حطام إلى سياسة يمكن على أساسها مقايضة النظام ومموّليه. والمقايضة هنا لا تحدث إلّا بدماء الفقراء، فمثلما ترتكب السعودية ومقاتلوها المجازر بحقّ العمّال في عدرا كذلك يفعل النظام في ضواحي حلب الفقيرة والمعدمة. والمطابقة بين الأمرين ليست شيئاً يصعب التكهّن به، فالحرب وإن تكن طائفية أدواتياً إلا أنها وفي لحظات القتل الجماعي كهذه تعود لتخبرنا عن أصلها الذي جاهد الطرفان لإخفائه، إذ إنّهما كما كلّ القتلة في الحروب ليسوا منشغلين بالهوية قدر انشغالهم باستخدامها رأسمالياً. بالأساس لا يقدر الرأسمال على فعل الكثير لتمويه أهدافه، والمؤسف أنّنا لا نكتشف ذلك إلا في اللحظة التي تتراكم فيها الجثث فوق بعضها، مظهرة عجز الفقراء وقلّة حيلتهم تجاه آلة الموت التي تطحنهم. لنضف أيضاً أنّ هذه الأخيرة لا تظهر بهذه الوحشية إلّا عند الحاجة إليها، فهي ليست فعلاً قائماً بحدّ ذاته، ولا هي منفصلة كذلك عن المسارات الأخرى للحرب. لنقل إنّها جزء يسير من ديناميّة الحرب، واستخدامها يحصل غالباً بالتوازي مع المسارات الأخرى المنشغلة بالسياسة وبآليات التفاوض على مغانم القتال ومكاسبه. وهذا هو المقصود بالكلام أعلاه عن المقايضة، فما تعجز الدبلوماسية القذرة عن أخذه بالتفاوض والمناورات السياسية، تأخذه الحرب عبر المجازر بحقّ الفقراء وأبناء الطبقة الوسطى (في شريحتها الدنيا تحديداً) المحسوبين تعسّفاً على أحد أطراف الاقتتال، وهو بالضبط ما يحصل الآن في حلب، بعدما حصل قبلها في عدرا، وقبل عدرا في اللاذقية، وقبل اللاذقية في اعزاز، وقبل اعزاز في الحولة و... إلخ. لن نأتي بجديد إذا قلنا عن هذه الدورة أنّها جهنمية، وأنّها لن تنتهي في الأمد القريب، وإلا فلماذا يستثمر الرأسمال في الحرب أصلاً. علينا أن نكون واضحين أكثر أثناء الحديث عن الأساس المادي للصراع هنا، فالمناطق الجاري هدمها بكلّ الأسلحة المتاحة لم تفرغ من أبنائها بعد، وأماكن النزوح التي لجأ إليها هؤلاء (أقصد «الأماكن الآمنة» داخل البلد وليس خارجه) لا زالت صالحة للعيش ومتماسكة اجتماعياً إلى حدّ ما، وعليه فإنّ جنون الرأسمال بشقّيه سيستمرّ، وسيحصد في طريقه الدموي مزيداً من الفقراء والمهمّشين. كيف لا يحصل ذلك، ودورته لمّا تزل في بدايتها. أمّا لماذا نسمّيها دورة فالسبب بسيط: الحرب في سوريا أصبحت عملية اقتصادية بالكامل، وكلّ ما يحصل فيها يمكن تفسيره على هذا الأساس، حتّى اتخاذ الهوية كغطاء للقتل أصبح بمثابة فعل يعود على الأطراف جميعا بمنفعة اقتصادية ما، وهذا ما يطلق عليه في الاقتصاد (وهنا هو اقتصاد حرب) بالربح، أي الحصيلة المالية لمجموع العمليات الجاري تنفيذها عبر آلة الحرب التابعة للرأسمال. وعلى اعتبار أنّ هذا الربح أصبح كبيراً فانّ التراجع عن المستوى الذي وصل إليه يعدّ خسارة لجميع الأطراف الإقليمية (السعودية وإيران تحديداً) المنخرطة في الحرب. ولهذا السبب تحديداً وجدت القوى الدولية التي استفادت من الحرب في البداية أنّها لن تكسب المزيد بزيادة الهوامش المخصّصة لقوى الإقليم، ومن هنا ولدت فكرة جنيف التي توافق فيها أطراف الرأسمال الدولي على تحديد الهوامش المتاحة لتحرّك المموّلين والمستفيدين الإقليميين من مشروع الحرب. ففي تجارب سابقة كثيرة أفلتت دورة الحرب الاقتصادية من الرأسمال الدولي وتراجعت مكاسبه منها لمصلحة قوى داخلية وإقليمية متنفّذة ولدت في أتّون الصراع، وهذا ما بدأ يحدث في سوريا منذ فترة جاعلاً من الحرب أحياناً «مشروعاً مستقلّاً» عن المشروع الأصلي الذي أوجده الفائض المالي الناجم عن أزمة الرأسمالية الدولية. يصبح جنيف والحال كذلك مخرجاً للرأسمال ذاك من أزمته مع القوى التابعة له في المنطقة، وفي الوقت ذاته مخرجاً للطبقات الشعبية السورية الجاري طحنها والتضحية بشبابها على مدار الساعة. وهو بذلك لا يحلّ أزمتنا، وإنّما يكتفي بإعادتنا إلى «وضع شبيه بحقبة الاحتجاجات السلمية»، وهذا بالضبط وضع مصر اليوم مع الإخوان واحتجاجاتهم، مع الاحتفاظ بفارق أساسي بين الحالتين. فارق يتعلّق بنقديّتهم الحادّة تجاه الوضعين الاقتصادي والاجتماعي واستلابنا نحن تجاه كلّ ما يعبّر عن الهوية وارتكاساتها. مصر بهذا المعنى هي مختبر، ونضالها ضدّ الارتكاسات الهوياتية ومن أجل مزيد من دمقرطة الصراع هو ممرّ إجباري لكلّ من يبحث عن أساس مادي وطبقي لحربنا المأفونة هذه.
* كاتب سوري