انتهت حالة الطوارئ وحظر التجوال المرافق لها. لا شك أن ذلك حدث تاريخي في مصر. ليس انتهاء حالة الطوارئ في حد ذاته، لكنها المرة الأولى التي تطبق فيها حالة الطوارئ لمدى زمني محدد ولأهداف محددة ثم تنتهي بعدها. يختلف هذا بالطبع عن حالة الطوارئ المزمنة التي عاشتها مصر من قبل. كذلك تتميز حالة الطوارئ التي أعلنت في 14 أغسطس/ آب لمدة شهرين، ثم جرى تجديدها لشهرين آخرين بأنها المرة الأولى التي لم تجد فيها حالة الطوارئ معارضة أو نقداً شديداً على المستوى السياسي أو الشعبي، بل إن حظر التجوال الذي رافق الطوارئ وكان يطبق من السابعة مساء ثم قلّصت ساعاته تدريجياً حتى الواحدة بعد منتصف الليل، كان يلقى استجابة والتزاماً فريداً من المواطنين، ولم يخرق إلا على سبيل الاستثناء، مقارنة بقرارات حظر سابقة كانت تظل حبرا على ورق ولا يهتم بها أحد.

حالة الطوارئ وحظر التجوال التي طبقت إذاً كانت نموذجية من حيث قواعد تطبيقها، ومن حيث التعاون في تطبيقها بين المواطنين والأجهزة المعنية، ومن حيث الالتزام بها. لذا يحق لنا أن نسأل عن نتائج تطبيقها وحصادها على مدار الشهور الأربعة المنصرمة، التي تُعدّ بحق اختباراً حاسماً لجدوى تطبيق الطوارئ.
لقد وجدت حالة الطوارئ مسوغات قوية لتطبيقها مع بداية الأحداث المرافقة لعمليات فض اعتصامي رابعة والنهضة، وخاصة بعد عمليات الاعتداء الواسعة على دور العبادة، والعمليات الإرهابية في سيناء واتجاه مؤيدي مرسي للضغط عبر محاولات تعطيل الخدمات والمرافق. بدا ساعتها أن تطبيق الطوارئ ضرورة لحماية الأرواح والمنشآت ومنع الفتن وسير الحياة على نحو طبيعي، لكن بالنظر إلى حصاد الشهور الأربعة المنصرمة من تطبيق حالة الطوارئ تتزايد الشكوك حول جدوى الطوارئ.
يرمي تطبيق حالة الطوارئ إلى توفير تدعيم قدرة الأجهزة الأمنية ومنحها صلاحيات خاصة في ظل ظروف استثنائية تمر بها البلاد، سواء كانت طبيعية أو سياسية. بحيث تكون الأولوية لمنع الجرائم والفوضى والانفلات. وإذا اعتبرنا ما كان يجري في مصر في الفترة من 14 أغسطس يوم إعلان الطوارئ و12 نوفمبر/ تشرين الثاني يوم رفعها ظرفاً استثنائياً يستوجب فرض حالة الطوارئ، فإن عدد من سقط من ضحايا، وحجم ما جرى من حوادث وأحداث، لا يؤكدان بالمرة فاعلية الطوارئ وجدواها.
لقد كانت الاعتداءات الطائفية على دور العبادة وعلى منازل الأقباط وأملاكهم وأرواحهم أحد أهم المسوغات لفرض الطوارئ لحماية الأقباط من الهجمات المتطرفة، لكن حصيلة الهجومات الطائفية خلال فترة الطوارئ، تُظهر أن الطوارئ لم توفر الأمن للأقباط. ففي ظل الطوارئ تشير الإحصاءات إلى الهجوم على أكثر من 85 كنيسة ونحو 58 منزلا، و6 مدارس للأقباط، وبلغت الخسائر في الأرواح 17 قبطياً راحوا ضحايا في هذه الهجمات الطائفية.
لا يمكن بالتأكيد قياس تلك الحصيلة من الهجمات الطائفية وضحاياها خلال الشهور الأربعة المنصرمة، بحصيلة أخرى في وقت آخر. فالبديهي أن حجم الاستنفار الطائفي والتطرف في الشهور السابقة كان أكبر، وبديهي أن تكون الحصيلة أكبر، ولكن كان بديهياً أن تسهم الطوارئ ـــ بحسب الهدف الذي طبقت لأجله ـــ في توفير درجة أعلى من الحماية والأمان للأقباط وممتلكاتهم وأرواحهم ودور عبادتهم، وهو ما تؤكد هذه الأرقام أنه لم يحدث.
لم تسهم الطوارئ أيضاً في توفير الحماية للفئات الخاصة التي يوجب القانون حتى العادي، لا الطوارئ، توفير الحماية لهم خلال الأحداث مثل الأطباء والصحافيين. فقد سقط تسعة صحافيين وخمسة من العاملين بالقطاع الصحي ضحايا خلال الأحداث عقب تطبيق الطوارئ. كذلك شهدت الأيام التالية مباشرة على تطبيق الطوارئ مصرع 41 طفلاً و24 امرأة في أحداث مختلفة ومحافظات مختلفة.
الاتهام الذي أطلق مرات عديدة ضد الأجهزة الأمنية بإهمال حماية المدنيين لمصلحة حماية مقارّ الأمن وأفراده يبدو أيضاً محل مناقشة بالنظر إلى عدد ضحايا الشرطة والجيش. ففي هذه الفترة التي طبقت فيها حالة الطوارئ، سقط من الشرطة 106 ضحايا ـ يتضمن هذا الإحصاء من سقطوا في فض الاعتصامات نفسها ـ كما سقط من الجيش 13 ضحية. يزداد الأمر سوءاً عندما ننظر إلى العمليات المسلحة التي جرى تنفيذها في سيناء وخارجها.
والأمر لم يتوقف فقط عند تزايد وتيرة العمليات في سيناء، في ظل الطوارئ وتزايد ضحاياها، بل الأسوأ أن المجموعات المسلحة تمكنت من توسيع نطاق عملياتها، لتستهدف للمرة الأولى المجرى الملاحي لقناة السويس ومدن القناة والمقارّ السيادية وحتى العاصمة. ما يعني أن الطوارئ لم تسهم بأي درجة في توفير الأمن أو الحماية حتى لأفراد الشرطة والجيش والمواقع السيادية. وحتى المرافق والخدمات الحيوية، مثل مترو الأنفاق و«الكباري» والطرق الرئيسية، لم تنجُ من محاولات التعطيل في ظل قانون الطوارئ. وكل ذلك كان له تأثيره الواضح على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، التي تتأثر بشدة بالحالة الأمنية والسياسية.
ربما يعني هذا للبعض أن هناك حاجة إلى المزيد من الطوارئ طالما أن الأوضاع لم تستقر، هذا ما تذهب إليه عادة العقليات الأمنية، لكن النظرة الأكثر عمقاً سترى أن الطوارئ نفسها لم تمثل الحل لهذه الأوضاع الاستثنائية، وأن هناك ضرورة للبحث عن عوامل الاستقرار والأمن خارج الأدوات الأمنية.
* كاتب مصري