في أوائل تسعينيات القرن الماضي، عقد أكاديميون وسياسيون واقتصاديون أردنيون وفلسطينيون و«إسرائيليون» ورشة عمل برعاية أميركية في جامعة «هارفرد» دامت أشهراً؛ وكان الهدف من ذلك الخروج بتصور مشترك لإقامة «بنلوكس» للأطراف الثلاثة في إطار إعادة التقسيم الإمبريالي للعمل في المنطقة، وفي سياق اتفاقيات «السلام» التي وضعت مقدماتها اتفاقية كامب ديفيد بين نظام السادات في مصر والحكومة «الإسرائيلية»، وأعقبتها، وعلى خطاها، اتفاقيتا أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية و«إسرائيل»، و«وادي عربة» بين النظام الأردني و«إسرائيل».

لم يخلُ تقرير «هارفرد» من خطط تحقّق الكثير منها، سواء على مساحة الأراضي الفلسطينية المحتلة، أو في الأردن. فبحكم الاحتلال، تعمق إلحاق اقتصاد الأراضي المحتلة، بأشكال مختلفة، بالاقتصاد «الإسرائيلي»، بينما أقيمت على الأراضي الأردنية مشاريع «إسرائيلية» يحظر على الحكومة الأردنية التدخل في «شؤونها الداخلية»، ولا علاقة للاقتصاد الأردني بها سوى الوساطة، التي تعني الحصول على بعض العمولات لصناعات رأسمالها غير أردني (نقل بعضها بمعداته وإداراته من الجليل لخفض الكلفة وتعزيز أواصر التعاون بين الجارتين)، وعمالتها مستوردة من الخارج، وإنتاجها يصدر إلى السوق الأميركية حصرياً وعلى أسس تفضيلية. ورافق ذلك إقامة مشاريع للبنية التحتية (أوتوسترادات شرق - غرب، مشاريع سكة حديد تصل في نهاية المطاف إلى حيفا، على المدى الطويل، وأشكال أخرى من التعاون، ليس أقلها تسهيلات للتبادل التجاري وصلت إلى حد إعفاء الأردن أكثر من 300 سلعة «إسرائيلية» من الرسوم الجمركية).
ولمّا كان الاقتصاد هو الأساس التحتي للسياسة، فقد تجاوز الأمر في هذا المجال حدود «التطبيع» إلى تعميق الاعتماد السياسي والأمني المتبادل بين أطراف «البنلوكس» إلى حدود ربما اعتبرها المراقب قبل أربعة عقود فقط ضرباً من الخيال. فمن دون الدخول في التفاصيل، أشارت بعض التقارير المستندة إلى تسريبات «ويكيليكس» إلى وجود أكثر من 70,000 عميل لـ«الموساد» في الأردن، بينما يبدو هذا العدد، في اعتقادي، متواضعاً إذا ما حاولنا تخيّل إحصائية لأقرانهم في الأراضي الفلسطينية المحتلة. هذا تحت الطاولة، أما فوق الطاولة، فمن المعروف أن سياسات النظام الأردني قد حولت أجهزة الأمن الأردنية، إلى قوة حدود تحفظ الأمن «الإسرائيلي» باعتباره أمناً أردنياً، بينما حولت السلطة الفلسطينية فدائيي الأمس إلى أجهزة أمنية تقوم بدور مماثل، وإن بصورة أكثر تراجيدية، بغض النظر عن التسميات والتخريجات. وآخر تجليات هذه العلاقة الغرامية ما نشهده من تنسيق عسكري واستخباراتي على الجبهة السورية.
من الطبيعي، في هذا السياق، أن تتداعى في الذهن الأفكار التي طرحها شمعون بيريز، في كتابه «الشرق الأوسط الجديد»، الذي تخيل فيها شرقاً أوسطاً بمركز «إسرائيلي» للتقانة والتقدم العلمي والتخطيط عالي المستوى الإقليمي، وأطراف عربية تملك قوة العمل، والأهم منها التدفقات المالية التي يولدها النفط، حيث يعيش «الإسرائيليون» مع جيرانهم بسلام ووئام ومحبة وانسجام، وينعم الفلسطينيون والأردنيون بدور المجال الحيوي للدولة العبرية، ولا أخال اليمينيْن والسلطتيْن في الأردن وفلسطين كارهتين لهذا الدور.
التطور النوعي الذي طرأ في السنوات الأخيرة هو وصول أزمة الرأسمالية العالمية، ولا سيما الإمبريالية منها، وعلى الأخص الأميركية، إلى طريق مسدود. فمن الواضح أن الإمبراطورية الأميركية في طور الأفول، ولا حاجة للدخول في تفاصيل انسداد الأفق أمام تجديد الرأسمالية الأميركية فهذا بحث يطول، بينما يعاني الشريك الأصغر الأوروبي من أزمات لا تقل تعقيداً ولا أفق للخروج منها، مع احتمال كبير بأن ينتهي «اليورو» قريباً كعملة موحدة لدول الاتحاد الأوروبي، وربما ينتهي معه الاتحاد الأوروبي برمته كسوق مشتركة تضم 27 دولة أوروبية كبيرة ومتوسطة وصغيرة.
ما يهمنا في هذا السياق الانسحاب الأميركي والأوروبي الناعم من الشرق الأوسط ومحاولات التوصل إلى تسويات تحفظ للشريكين الحد الأقصى من مصالحهما، ولكن دون توريطهما في المزيد من الحروب والإنفاق، اللذين أديا، في ظل ظروف نوع من توازن القوى الدولي، إلى خسارة صافية عوضاً عن تحقيق الأرباح، كما كان الحال بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية عقب الحرب العالمية الثانية.
هذا الانسحاب، الذي بدا واضحاً في تراجع الإدارة الأميركية عن الاعتداء المباشر على سوريا، مثلما كانت تريد المملكة العربية السعودية وأخواتها الخليجيات، أدى، وربما للمرة الأولى بهذه القوة، إلى إحساس بالرعب لدى المحميات الخليجية، التي ترى في الوجود العسكري والأمني الأميركي خصوصاً والغربي عموماً، درعاً لها سواء حيال احتمالات الثورة الداخلية، أو في صدامها مع الرقم الإقليمي الصاعد، إيران، وحركة التحرر العربية، التي بدأت تنفض عنها أوهام النعيم النفطي وما رافقه من تهويمات إيديولوجية، ممثلة بالإسلام السياسي من جهة، والحكّة الليبرالية من جهة ثانية.
الشعور بالصدمة الذي لحق بدول مجلس التعاون الخليجي والدول العربية الحليفة جراء الانسحاب الأميركي الناعم المبني على إدراك حدود القوة والاختناق، وليس مجرد الكساد الاقتصادي للنظام الرأسمالي العالمي، دفع هذه الدول نحو السعي برعونة إلى إقامة تحالفات تضم الممالك والإمارات والسلطنات والسلطات اليمينية العربية مع «إسرائيل». فتكثفت اللقاءات في محاولة لتشكيل «لوبي» شرق أوسطي يضغط على الإدارة الأميركية حتى لا تترك أصدقاءها في العراء، والأهم من هذا كي لا تعمِّق انفراجها التلفزيوني مع إيران، التي ترى فيها النظم الخليجية الخطر الأول، وربما الوحيد حالياً، عليها، رغم ما كدسته من أسلحة والإنفاق الضخم في المنطقة على مشاريع الثورة المضادة، وعلى الأزلام.
هذا التطور الدراماتيكي يفتح أمام المؤسسة «الإسرائيلية»، ومعها اليمينان الأردني والفلسطيني، الأبواب لتعميق مشروع البنلوكس الثلاثي، المنفتح على أموال النفط، وخاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار الخبرات الأمنية التي يمكن أن تقدمها أطراف البنلوكس للخليج المتعطش للبدائل الأمنية. وبالتالي، فإن المفاوضات الجارية حالياً بين السلطة الفلسطينية والحكومة «الإسرائيلية»، برعاية أميركية، يمكن أن تخرج هذه المرة بنتائج مختلفة نوعياً، وربما يكون شكل ما من الكونفدرالية بين الكوريدورات المحررة من الأراضي المحتلة والنظام الأردني أحد تجلياتها، وبما يسهل الترانسفير الناعم للعبء السكاني المعادي لقيام الدولة اليهودية، وخاصة إذا ما أخذنا في الحسبان التحييد النوعي، وإن المؤقت، الذي حققته أطراف الحلف الإمبريالي ــ الصهيوني ــ الرجعي العربي، للدور السوري وقوى المقاومة عامة، وبما يسهِّل التوصل إلى تفاهمات تؤجل «الحل النهائي» إلى ما لا نهاية، وتضع أطراف البنلوكس في سياق شرق أوسطي جديد. ولا حاجة للقول إن الإغراءات على هذا الطريق تكاد تسيل اللعاب.
هل سيسمح الأردنيون والفلسطينيون وحركة التحرر العربية والقوى المناهضة للإمبريالية والصهيونية والرجعية في المنطقة بذلك؟ دروس التاريخ وحقائق الصراع ومدى عمق الأزمة التي وصل إليها النظام الرأسمالي العالمي تقول إن هذا غير ممكن. ولكن الأجوبة تظل، في نهاية المطاف، عند الشعوب، وقواها الثورية الحية.
* كاتب أردني