يواصل الوضع اللبناني إتحافنا بالمزيد من الابتكارات والمعادلات الجديدة! أخيراً، عبرنا معه إلى عالم «الصرعة» نفسه! هذا ما حصل في الزيارة الرئاسية الأخيرة إلى المملكة العربية السعودية: سعد الحريري عضواً في الوفد في مقعد رئيس حكومة، والوفد الرسمي «لا من سمع ولا من دري»! ليس هذا هو الأمر «المبتكر» فقط. «المبتكر» أيضاً أنّ ثمة فريقاً في لبنان، هو بالتحديد «الفريق السيادي»، اعتبر ذلك تعزيزاً لموقعه ولدوره، وأنه «لا يصح إلا الصحيح»!

لا بد، بالتأكيد، من توجيه الملامة إلى فخامة رئيس الجمهورية. هو يتحمل مسؤولية ما، في ما حصل، وفي كيفية التعامل مع الزيارة الرئاسية: تأجيلاً وجدول أعمال، وصولاً إلى تركيب الوفد باستبعاد وزير الخارجية واستحضار رئيس الحكومة السابق «الشيخ»، السعودي الجنسية أيضاً، سعد الحريري... لكن ذلك يمثل جانباً واحداً من الحقيقة ومن المسؤولية في آن معاً. فمشهد القمة السعودية ـــ اللبنانية ليس غريباً على المشهد اللبناني العام. العلاقة مع الخارج، في امتداد الخلل الداخلي، هي علاقة غير طبيعية وغير سوية. وهي قامت، دائماً، على الارتهان والاستقواء والتبعية... ونحن شهود اليوم على تفاقم هذا الأمر إلى درجة غير مسبوقة. والخلل في العلاقات الداخلية والخارجية هو السبب الجوهري في ما يعانيه لبنان من الانقسام والتشرذم والتفكك والتقاتل وعدم القدرة، بالتالي، على التوحد والتماسك والاستقرار. ورغم كل الادعاءات والأناشيد الحماسية بشأن الاستقلال (الذي نحن على مسافة أيام من ذكراه) والسيادة (التي نُزيّن أعناقنا بشالاتها)، فإن معادلة استدعاء الخارج والاستقواء به والارتهان له، من قبل أطراف الصراع في لبنان، هي في صلب وجوهر السياسة اللبنانية، بحيث بات ذلك تقليداً نباهي به الأمم، ونعوِّل عليه، كخيار مصيري، لدعم واستمرار «المعجزة» اللبنانية. ولقد اشتقّت من أجل تبرير الانقسام والتقاسم والالتحاق والتبعية، صيغ و«حكم» صارت جزءاً من تراثنا وأدبياتنا وإنجازاتنا! ألم يذهب أحد منظّري «الصيغة اللبنانية الفريدة»، النائب والأمين العام لـ«الجبهة اللبنانية» المرحوم إدوار حنين، إلى القول إنّ «لبنان إذا استقلّ اهتزّ وإذا استُتبع اعتزّ»؟! ألا يجيبه سياسيونا، من الضفة الأخرى، ورغم مرور عقود وعقود، بمعادلات «السين ـــ سين» أو «السين ـــ ألف» (السعودية وإيران)؟! وكيف إذا عدنا إلى مراحل أولى في تأسيس دولة لبنان، حيث كان الانقسام كبيراً وخطيراً، بين من يريد الانضمام إلى الدولة الفرنسية المنتدبة، وبين من صارع من أجل الانضمام إلى سوريا؟
لا ينفع لإصلاح هذين الخطأ والخلل كشف عقم وسوء المراهنة على طرف بعينه. أي لا يصلح التعويل على موازين القوى، في هذه المرحلة أو تلك، لقطع أو وصل العلاقة مع طرف خارجي ما، فيما تستمر علاقة الارتهان والتبعية والاستقواء بطرف آخر. قاد ذلك بالأمس، وقد يقود اليوم، إلى طلب الدعم والمساعدة حتى من العدو الإسرائيلي. نستعير من المفكر الكبير خالد محمد خالد عبارة: «من هنا نبدأ». أي نبدأ من إدراك الخلل في منظومة علاقاتنا الداخلية، والتي استقرت في نظامنا السياسي، أيضاً، بفعل سياسات الاحتلال والغزو الاستعماري، ليعود فيصبح طلب الدعم الخارجي من أجل بلوغ السلطة والنفوذ أو الاحتفاظ بهما، سبباً للاستزلام والتبعية والارتهان. ما يعانيه لبنان، هو بسبب الشرخ العميق القائم في وحدته الوطنية. وهذا الشرخ مكرس، أصلاً، في نظامنا الذي توسل أطراف الصراع على الثروة والسلطة والنفوذ، فيه، الطائفية بالأمس والمذهبية اليوم، إطاراً وأداة لتكوين عناصر القوة واكتساب شرعية التمثيل والحصول على المكاسب والحصص. وعلاج هذا الأمر، لا يكون، تكراراً، بتحسين أو قلب التوازنات عبر الاصطفافات الطائفية والمذهبية الداخلية، والارتباطات والارتهانات الخارجية. العلاج لا يكون، بالضرورة، أيضاً، عبر التمسك بنظامنا السياسي الراهن، ولا بالتعويل على انتصار أحد أطرافه. تكون المعالجة، عبر تعبئة كل القوى المتضررة، وهي الأكثرية الساحقة من الشعب اللبناني، من أجل إقامة منظومة علاقات جديدة، تنطلق من العام والمشترك والوطني لبناء عناصر وحدة وطنية تترسخ باستمرار، وتعبر بالشعب اللبناني إلى بر الأمان والاستقرار والازدهار والاستقلال.
لا يعني ذلك قطع علاقتنا بالخارج. ليس هذا الأسر ممكناً أو مفيداً. ولا يعني ذلك «النأي بالنفس» على طريقة النعامة. هو لا يعني، أيضاً، الحياد حيال قضايا الصراع الدائر في المنطقة من أجل تحرير أراضيها أو إرادتها أو ثرواتها أو مقدساتها أو حرية وكرامة مواطنيها... على العكس من ذلك، إن مشاركتنا تصبح أفضل وأفعل، إن كنا محصّنين بوحدة داخلية، لا تهتز إزاء أمور تكون، غالباً، في غاية التفاهة والمحدودية. لاحظ العالم والفيلسوف الفرنسي «بلاز باسكال» (القرن 17) أن الحقائق والمفاهيم ليست واحدة على طرفي جبال «البيرينيه». يقصد بذلك الإشارة إلى تأثير المتغيرات المتعددة، الجغرافية وسواها، على حياتنا وأفكارنا. لقد ذهبنا أبعد منه بكثير في رسم حدود الاختلاف والتباين: بين باب التبانة وجبل محسن، وعلى طرفي «كورنيش المزرعة» بين «بربور» و«أبو شاكر»، فضلاً عن خطوط التماس المستمرة بين الشياح وعين الرمانة... والمستجدة بين «معراب» و«الرابية»، وصولاً إلى خطوط الصراع ما بين الأجهزة الأمنية والوزارات والرئاسات والفرق الرياضية وداخل هذه جميعاً: بين الوزير والمدير العام وبين رئيس النادي وأمين سره وبين الجمهور والجمهور...
في مجرى هذه الملهاة _ المأساة، يتجه لبنان نحو الهاوية، واجتماعه نحو الانفجار، واقتصاده نحو الخراب. وفي مجرى ذلك، أيضاً، تتبدد إنجازات وتضحيات اجترحها المقاومون ضد العدو، وكذلك تقاليد جميلة في مجال الانفتاح والتحرر والتعلق بالديموقراطية.
لقد تأخّر البديل... لا يجوز أن يستمرّ غيابه أكثر!
* كاتب وسياسي لبناني