بعد عقود اتسمت بالنسخ والتبعية والممارسات التعسفية (رافقتها، رغم ذلك، نضالات وتضحيات جمة وقمع ومنع...) كان المؤتمر الثاني للحزب الشيوعي اللبناني عام 1968. لقد شكل المؤتمر المذكور انتفاضة على تغييب الديموقراطية ومعها الشرعية الحزبية المنبثقة من صفوف الحزب، لا المفروضة من «المركز» الوكيل في دمشق ممثلاً آنذاك بالقيادة البكداشية ـ الستالينية. كانت المؤتمرات في إجازة مفتوحة استمرت 25 عاماً!


كان من أهداف المؤتمر النهوض بالحزب عبر: اجراء مراجعة نقدية لتوجهاته وسياساته ومواقفه. اجراء تحليل كلي وشامل للواقع اللبناني وصياغة برنامج لتغييره. اقرار نظام داخلي يحدد قواعد عمل الهيئات مع توسيع هامش الانتخاب بدل التعيين. تصحيح التوجه حيال القضايا القومية (العروبة والوحدة وقضية فلسطين ...) والربط الجدلي ما بين القومي والاجتماعي على نحو يخرج الحزب من المفهوم الضيق الذي قامت عليه أولويته، وأدت به إلى ارتكاب أخطاء وعزلة وتهميش.
تجسد كلّ ذلك، تقريباً، في اقرار برنامج مرحلي ينطلق من واقع لبنان وحاجات التغيير فيه: «حكم وطني ديموقراطي» يمهد للاشتراكية. أي تم تجسيد الايديولوجية في برنامج ذي مراحل ومحطات، وليس تكرار أنّ الشيوعية هي الحل على طريقة «الاسلام هو الحل»!
شكل المؤتمر قفزة هائلة في مسار الحزب وفي تحالفاته وفي تفعيل منظماته وقطاعاته وفي عمله الفكري والاعلامي والشبابي والنقابي والجبهوي.
أعاقت الحرب الأهلية هذا المسار، وأضافت مجرياتها ونتائجها مشاكل جديدة: لقد ازداد «التطييف» والتبعية للخارج. خضع لبنان للوصاية فترة مماثلة لفترة الحرب الاهلية. سريعاً، بعيد ذلك، حصل الزلزال السوفياتي وانهار المعسكر الاشتراكي ومنظوماته في غضون أيام أو أشهر.
شكّل ذلك وسواه أساس أزمة جديدة ذات أبعاد فكرية وسياسية تنظيمية واجتماعية وبنيوية.
انطلقت في الحزب آنذاك (91 - 92) ورشة تحليل ونقاش وتفكير وتدبير. قُدمت مساهمات ممتازة ومراجعات واستنتاجات جديدة. لكن ذلك لم يكن موضع اجماع.
تبلورت، مذ ذاك، ثلاثة تيارات. تيار اليأس والتخلي، وتيار العاطفة والعصبية، وتيار التجديد، ولو التدريجي، بعد أن تعذر إحداث التغيير المنشود دفعة واحدة.
تعايش منذ المؤتمر الثامن (1999) تيارا التجديد والمحافظة. استطاع تيار التجديد إدخال تغييرات ذات طابع أساسي بغرض بناء الحزب ــ المؤسسة: استحداث مجلس وطني يرسم السياسات والرقابة بإدارة مستقلة، تعزيز دور المنظمات والقطاعات في نطاق عملها وانتخاب مسوؤليها من قبل اعضائها انفسهم، جعل الانتداب للمؤتمر من القاعدة مباشرة، تحديد مهل تولي المسوؤلية، تعزيز الرقابة المالية على المؤسسات والانفاق ضمن اطر وقواعد. ولقد كان الأهم، في المجال البرنامجي، تطوير شعار «الحكم الوطني الديموقراطي» إلى شعار «البديل الديموقراطي للنظام الطائفي» (وهو ما تبناه الحراك الشبابي الشهير والواسع في ربيع عام 2011). وهو بديل متكامل بمرتكزاته الوطنية والسياسية والاقتصادية والتربوية. وقد جرى تحديد قواه الاجتماعية والسياسية وضرورة إقامة الجبهة الضرورية للنضال من أجله. وحيث إنّ معركة التحرر ذات جوانب متكاملة في حقولها الوطنية والاجتماعية والقومية، فقد بذلت جهود في المجال العربي والداخلي لإقامة أطر تعاون وتنسيق، كما جرى سعي لاستئناف المشاركة في المقاومة ضد العدو وتُرجم ذلك بخطوات وتضحيات ومحاولات.
أما التيار «المحافظ» فقد كان يعد، عبر تكتل غير شرعي، للانقلاب على كل ذلك. «تمسكن كي يتمكن». نظم حملات مثابرة ضد التجديد والاشاعات ضد رموزه. أقام علاقات داخلية وخارجية سرية لهذا الغرض. وهو، على سبيل المثال، تبنى نظرية أن انهيار المنظومة السوفياتية إنما كان بفعل المؤامرة الخارجية وليس أيضاً بسبب الخلل الداخلي.
ما ان نُفذ الانقلاب (سماه كذلك أحد الرفاق الذين شاركوا فيه سابقاً) بعد المؤتمر التاسع أواخر عام 2003، حتى بدأت عملية متكاملة للارتداد على كل ما تقدم. جرى إلغاء المجلس الوطني، ودور الهيئات ولجان الرقابة، والخطط والبرامج السياسية، والتحالفات والصيغ الجبهوية.
واستُعيض عن كل ذلك بخطابات الأمين العام وبمفردات وشعارات وممارسات لا تنطلق إلا من العصبية، ولا تستهدف إلا تعزيز موقع التكتل المهيمن في مؤسسات ومنظمات الحزب.
ولقد تفاقم هذا النهج بتداعيات «منطقية»: تعطيل آليات عمل الحزب. تقديم الولاء على الكفاءة والكفاحية. حماية، بل وتشجيع، الارتكابات والتفلت والانتهازية. بروز ممارسات وقحة في مجال الاخلاق وسوء الاتمان وحماية ذلك من قبل القيادة. ممارسة ارهاب معنوي عبر الاتهامات والافتراءات وقرارات الفصل والتهديد بها بعد تعطيل هيئات الرقابة.
أكثر من عانى من ذلك المنظمات الجماهيرية والنقابية، والشبابية خصوصاً. فهذه قد تشتتت وتشرذمت، أو ضمرت إلى هياكل خاوية وشكلية.
«توجت» الكتلة المهيمنة على القيادة «انجازاتها» بالتمديد لنفسها وبتجاهل بنود النظام الداخلي للحزب في احترام المواعيد والموجبات وبتعطيل «الهيئة الدستورية»، وهي المرجعية القضائية الشرعية الوحيدة في الحزب.
لقد خرج الحزب، بسبب كل ذلك من الحياة السياسية. ويغادر صفوفه، قرفاً أو يأساً المئات سنوياً. وتسود حياته الداخلية اشكال من التعطيل والانكفاء والترهل وعدم المبالاة والصراخ والتوتر، ولا تجتمع اللجنة المركزية بنصاب شرعي (؟) إلا من أجل اتخاذ قرارات الفصل.
لا يذكر الحزب، الآن، إلا ارتباطاً بأزمته وتوتراته. وهو غائب إلى حد الشلل عن مهمته الوطنية في بناء بديل انقاذي بعد عجز وتراجع طرفي الصراع التقليديين من ممثلي البورجوازية الكبرى التابعة.
أزمة الحزب وكل حزب مشابه، هي في المراوحة في القديم وشعاراته التي لم يكن بعضها مناسباً للبنان حتى في مراحل التأسيس!
لا خروج من الأزمة إلا من خلال «نفضة» وانتفاضة، يفضيان إلى إعادة تأسيس، تطلق مشروعاً ثورياً قادراً على تقديم بديل انقاذي للبنان: بديل يواصل ريادات وإنجازات الشيوعيين والتقدميين اللبنانيين ويدفع بها مجدداً نحو العمل والأمل!
* كاتب وسياسي لبناني