لا أدري كيف تراخت يدايَ عن مقود سيارتي وكدتُ أتسبّب بحادث اصطدام حين كنت أنتظر سماع فيروز في هذه الفترة الصباحية من محطة «صوت الشعب»، كعادتي صباح كل يوم، وأنا في طريقي للإشراف على أعمالي الزراعية، حين قطع المذيع كلامه فجأة وتهدّج صوته وهو ينعى للأمة كبير أدبائها ومناضليها الرفيق محمد دكروب...

وتفجّرت الدموع من عيني وتخالطت قطراتها مع سيل من صور الماضي.

تعود بي الذاكرة إلى تلك الفترة البعيدة يوم كان دكان الرفيق عبد الحسن دكروب لا يبعد سوى أمتار قليلة عن دكان والدي، وكيف كانت مطرقة الحبيب محمد تصل إلى مسامعي متناغمة مع أنغام رفيقي الآخر إبراهيم الشامي وهو ينادي بصوته الجهوري، معدّداً مزايا فاكهته الطازجة، ما جعلهما يحتلان مساحة مميّزة في (ملحمة سوق الفشخة) كما ذكرت في كتابي الأول (ونبقى معه) إلى جانب كلمتي في تكريم الرفيق الحبيب محمد التي ألقيتها في الحفل التكريمي الذي دعا إليه منتدى صور الثقافي، بالاشتراك مع إدارة الكلية الجعفرية ونشرت تفاصيلها في مجلة «الطريق» حينذاك.
ولما سئل يومها الرفيق محمد مَن تريد أن يلقي كلمة صور في هذه المناسبة، أجاب: الرفيق حسن مرتضى. وفوجئ رئيس منتدى صور الثقافي بطلبه، فردّ عليه مستغرباً: هل أنت واثق من استجابته لطلبك، وأنت كما هو معروف في طليعة المفكرين والقياديين في الحزب الشيوعي، وهو كما نعرف من الناشطين الطليعيين في الحزب السوري القومي الاجتماعي، أجاب: يمكنكم أن تسألوه، فردّ عليه الأخ العزيز منيف فرج رئيس المنتدى يومذاك: بل سله أنت.
وعندما رنّ جرس الهاتف في منزلي، مساء ذلك اليوم، وسألني الحبيب محمد إذا كنتُ أوافق على طلبه، أجبته: هل كنت واثقاً من استجابتي؟ أجابني: ولو يا أبو محمد، لو لم أكن على يقين من ذلك لما سمّيتك، فأجبته: وأنا سأجرب أن أفيك بعضاً من حقك علينا وعلى صور التي أضفتَ إلى أمجادها مجداً جديداً بانتمائك إليها.
وكان لكلمتي حينها وقعها الجميل، ما أهاب بالرفيق مارسيل خليفة أن يشدّ على يديّ بحرارة حين صافحني ويسائلني من أين تأتي بمثل هذا الكلام الجميل، فيردّ عليه أميننا الحبيب: من بلاغة النهج في كلمات جدّه علي المرتضى.
فكيف تغيب صورة الحبيب محمد عن أنظارنا ونحن نراه منذ تلك الأيام البعيدة التي كان يصلح فيها الأشياء الصغيرة في دكان أخيه (السمكري) إلى آخر يوم من أيام حياته وهو يكافح ويناضل بعناد غريب فكراً وعملاً لإصلاح الأمور الكبيرة في وطنه ولا يتوقف إلا حين توقف قلبه بعدما حمّله كل هذه الأعباء التي تنوء بحملها الجبال الراسيات، فسقط شهيداً في ميدان لم يتوقف عن رفده بجميع ما كان يملك.
حسن مرتضى