لم تهدأ بعد، ولن تهدأ قريباً، زوبعة الانتقادات لعدم اقدام الرئيس الأميركي باراك أوباما على توجيه «ضربة عسكرية محدودة» ضد القيادة السورية. يتبارى في استنزال كل أشكال النقمة على الرئيس الأميركي «ليكوديُّو» إسرائيل وحلفاؤهم في الحكم والشارع. يفعل الأمر عينه غلاة المنخرطين في الأزمة السورية، عرباً وغير عرب، ممن حوّلوا هذه الأزمة السورية إلى أزمة مصيرية وشخصية لا بد أن تنتهي بتدمير سوريا، وبإزاحة الرئيس بشار الأسد وفريقه عن السلطة فيها.


هؤلاء وأولئك، من عرب وأجانب وإسرائيليين، يكرِّرون سياسات ومواقف «المحافظين الجدد»، الذين قادوا الولايات المتحدة إلى سياسات الغزو والقرصنة، عبر استخدام القوة أو التلويح باستخدامها. بل يمكن القول إنهم يشكلون بقايا «المحافظين الجدد»، وانهم امتداد لهم. وهم، من هذا المنطلق وسواه، يطالبون أوباما بتكرار مغامرات السيّئ الذكر جورج بوش الابن، رغم كل ما أصاب الولايات المتحدة من «اخفاقات»، وما أصاب العالم من خسائر، إحداها نمو التطرف والارهاب بوتيرة غير مسبوقة، على ما شهدنا في العراق بالأمس، ونشهد في سوريا وفي عدد متزايد من البلدان، اليوم.
في إسرائيل يشير المستاؤون في الحكومة والاعلام إلى أن أوباما «يرفع الراية البيضاء»، وأنه ينزل بالولايات المتحدة الأميركية «من قمرة القيادة» (صحيفة «إسرائيل اليوم»)، إلى الحديث عن أنّ واشنطن باتت عاجزة عن «تقديم الضمانات»، وذلك بسبب تخليها عن الخيار العسكري وجنوحها نحو الديبلوماسي. ويصل الأمر بالبعض إلى إدانة أوباما بسبب تخليه عن تصنيفات بوش الابن السابقة، لجهة تقسيم البشر بين «أشرار وأخيار». ويقول رئيس «معهد الاستراتيجيا»، يوعاز هندلي، منتقداً أوباما على تصنيفه الجديد، إنّ هناك «تصريحات طيبة وتصريحات شريرة»: هذا يتعارض مع السياسات الأميركية السابقة ومع التصنيف البوشي السابق.
أوباما في نظر أمثال هؤلاء، على الضفة العربية خصوصاً، شخص ضعيف تعوزه المواصفات القيادية لحكم بلد بحجم الولايات المتحدة ذات الالتزامات الكونية. إنه في نظر أحد كتاب الزميلة «الحياة» ركيك ومتواطئ مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي يستفزه باستمرار، والذي استطاع بواسطة وزير خارجيته أن يمسك بزمام الدفة في توجيه الاحداث (أي التخلي عن الضربة العسكرية والأخذ بالمسار التفاوضي). ويذهب البعض، حتى في الموضوع الليبي، إلى اتهام أوباما بممارسة سياسة «النأي بالنفس» (الشهيرة عندنا!)، التي جعلته يتوارى خلف الموقفين الفرنسي والانكليزي، اللذين لولاهما لما سقط نظام العقيد معمر القذافي.
وسط هذه النقمة العارمة لن نفاجَأ إذا سمعنا، بعد وقت، وحين تصبح التهديدات العسكرية الأميركية، بشأن سوريا، خارج احتمال التنفيذ تماماً، أن يُتهم الرئيس باراك حسين أوباما من قبل «ليكوديي» إسرائيل وأمثالهم في الخارج، أنه قد يكون عضواً سرياً في جبهة «الممانعة» والمقاومة! ألم يستعظم أحد المعلقين الإسرائيليين كيف يقرن الرئيس الأميركي، في أولوية سياسته الخارجية التي أعلنها في خطابه الأخير، ما بين تسوية الملف النووي الإيراني وتسوية النزاع الفلسطيني ـ الإسرائيلي. هاهنا يتخوف الصهاينة من أن تُطالَب حكومة إسرائيل بتقديم تنازلات لمصلحة الفلسطينيين، في مقابل أن تقدم إيران تنازلات لمصلحة واشنطن في التخلي عن أي جهد في صنع القنبلة النووية في المدى القريب على الأقل. ولعدم الوصول إلى هذا الاحتمال، بذل رئيس الحكومة الإسرائيلية، كل ما في جعبته من جهد ومناورات واستعدادات لدفع الولايات المتحدة الأميركية للقيام بعمل عسكري ضد المواقع الإيرانية، أو لتوريط واشنطن في هذا الأمر عبر مبادرة إسرائيلية منفردة، إذا ضمن حكام إسرائيل استدراج واشنطن إلى الخيار العسكري. لا يكلف الناقمون العرب وغير العرب على إدارة الرئيس أوباما، أنفسهم عناء البحث في التحولات الدولية في العقد الأخير، وخصوصاً منذ غزو العراق واحتلاله من قبل ثنائي بوش ـــ طوني بلير في أول ربيع عام 2003. هم لا يرغبون في رؤية الأسباب التي تقف وراء «تردد» أوباما، وهو الذي ورث السياسات الفاشلة لسلفه، واستفاد من النقمة الشعبية الأميركية عليها، من أجل الوصول إلى السلطة.
هم لا يريدون، أيضاً، أن يروا أثر الأزمة الهائلة والمرعبة التي ضربت المؤسسات المفتاحية في الاقتصاد الاميركي المعولم، ابتداءً من أواخر عام 2008... وهم لا يلتفتون إلى حجم المنافسة التي تواجهها الاحتكارات الأميركية على امتداد العالم: إنها المنافسة الخطيرة التي تمثلها الصين ومعها مجموعة من الدول التي نهض اقتصادها الانتاجي، فيما هي تمتلك أسواقا هائلة. نتحدث عن دول «بريكس» التي توحدت ضد الاحتكارات والسياسات الأميركية التي، بذريعة اقتصاد السوق والحدود المفتوحة، هددت بالخراب، وخصوصاً في حقل الزراعة، مصالح عشرات، بل مئات الملايين من المزارعين، على امتداد العالم.
أدّت أسباب عديدة إلى ضعف الولايات المتحدة النسبي الراهن. ولقد توقعت مؤسسات علمية وأمنية أميركية، منذ سنوات، أن تنتقل «الدولة الأعظم» إلى مراتب تتساوى فيها مع منافسين، أو أن تتخلف عن بعضهم في سنوات قليلة.
استناداً إلى ذلك وسواه تدار سياسات الولايات المتحدة في الداخل والخارج. أي استناداً إلى الوقائع والمصالح لا إلى رغبات «المحافظين الجدد»، الذين أطلوا برؤوسهم في غير مكان، ومن مواقع مختلفة (؟)، لمطالبة واشنطن باستئناف دور الشرطي العالمي. وهي التي لم تبرأ بعد من جراح مغامراتها السابقة والفاشلة والباهظة التكاليف.
في امتداد ذلك يمكن بلورة قراءة أكثر صحة وأكثر واقعية للسياسة الأميركية في عهد أوباما: إنها سياسة التخلي عن التدخل العسكري المباشر، واستبدال ذلك بأدوار القوى الحليفة، مع ما يتطلبه ذلك من تحريض واذكاء التناقضات من كل نوع، وخصوصاً منها ذات الطابع العرقي والطائفي والمذهبي... إنها سياسة الديبلوماسية «الناعمة» التي حلت محل القبضة الحديدية، التي أغرقت الولايات المتحدة بالأزمات والمشاكل والخسائر.
وفي الشرق الأوسط، وخصوصاً في موضوع الأزمة السورية، اختارت الإدارة الأميركية أن تعمل بالدرجة الأولى على تغذية الصراع. والغاية هي اضعاف السلطة دون تمكين المعارضة من الانتصار.
وتتدخل واشنطن لمنع الاخلال بهذه المعادلة، مرتاحة، بالمقابل، إلى استنزاف سوريا وإيران وحلفائهما، واخراج هذه القوى، لاحقاً، من معادلة الصراع الاقليمي إلى مشاكلها الداخلية القاتلة والطويلة. بالطبع، يضع الرئيس الأميركي بصماته على هذه السياسة التي تخدم على نحو أمثل مصالح الاحتكارات الأميركية الكبرى في التعامل مع التحولات والتبدلات الراهنة. وهو يحاول أن يقدم، عبر ما يتمتع به من خطابية وبلاغة مؤثِّرة، سياسات ومصالح القوى الاحتكارية الكبرى في بلاده، باعتبارها جزءاً من الدفاع عن مصالح البشرية وقيمها في احلال السلام، بوسائل الحوار والتفاوض والأساليب الدبلوماسية!
مهما يكن من أمر، فقد سقطت الضمانة الأميركية المطلقة (هذا ما ادركه، أخيراً، أيضاً الدكتور سمير جعجع!). وسقط، أيضاً، التفرد الأميركي. وهكذا فالحريّ بالطرف العربي الناقم أن يبحث عن مقاربات قومية جديدة لحماية مصالحه وثرواته، وبالطرف الصهيوني أن يكف عن غطرسته وعدوانه، وبفريقي 14 و8 آذار أن يجنحا نحو تغليب المصلحة الوطنية، وبالقوى «الحية» أن تقدم مقاربات جديدة للضمانات والأمن والاستقرار والنمو والسيادة والحرية.
* كاتب وسياسي لبناني