يُمكن اعتبار لويس شيخو من أوائل مؤسّسي الاستشراق (اليسوعي) العربي، وبحكم موقعه كان على اتصال بكثير من المستشرقين الغربيّين في بلادنا. وكان شيخو موسوعيّ العلم والمعرفة وفعّالاً في ضخ مفاهيم طائفيّة وعنصريّة في إنتاجه الأدبي والتاريخي. كان الرجل ملمّاً بالتراث العربي الإسلامي والمسيحي، ويمكن الإشارة إليه وإلى هنري لامنس كأهم ركنيْن في بناء صرح الاستشراق العربي انطلاقاً من لبنان.


وشيخو كان غزير الإنتاج وغزير المعرفة وغزير التعصّب. محّص في تاريخ الشعر والأدب العربي ونشر عدداً من المخطوطات القديمة (بعدما حرّرها من «شوائب» إسلاميّة أزعجته)، وأصرّ على تنصير أعمدة التراث الأدبي - يهودٌ ومسلمون ووثنيّون من الشعراء تحوّلوا إلى نصارى على يديه. وقد بادر إلى كتابة تاريخ طائفي ضيّق عندما نشر كتاب «شعراء النصرانيّة»، كأن وعي هؤلاء كان طائفيّاً محضاً (أي إنه سبق إيلي فرزلي في ترسيخ فرز الوعي الطائفي). وقال فيه مارون عبّود في «روّاد النهضة الحديثة»: «إذا كان كل من عرفناهم من شعراء جاهليّين قد خرجوا من تحت سن قلمه نصارى. كان التعميد بالماء فإذا به قد صار بالحبر». وفي كتابه «تاريخ الآداب العربيّة»، كان شيخو يصنّف الأدباء والشعراء على أساس الطائفة. هو كرّس منهج الفرز والوعي الطائفي الضيّق. وكان شيخو بالمرصاد لكل من حاد عن نهج التعصّب الكنسي من روّاد النهضة، فكتب نقداً طائفيّاً في مجلّة «المشرق» (التي أسّسها ورأس تحريرها وكتب معظمها إلى أن مات) ضد أمين الريحاني، وسماه تهكّماً «محمد الريحاني» («المشرق»، السنة 21، عدد 6، حزيران 1923، ص. 488)، وأضاف إنه ذو «رائحة منتنة» (ص. 491). وتحامل شيخو، مثل الكنيسة التي عذّبت وقتلت أسعد الشدياق، على أخي أسعد، أي فارس، وسماه «الضال»، كما أنه عزى إسلامه وعروبته إلى الطمع بالمال. وقال عن الشدياق: «جحد البروتستانيّة طمعاً بالمناصب كما جحد الكثلكة طمعاً بالمال» («تاريخ الآداب العربيّة»، ص. 212). وعن وفاة الشدياق لم يجد في رثائه إلا هذيْن البيتيْن من الشعر: «يا من رحلتَ إلى الجحيم مسوكراً، لم يبق بعدك للسفاهة باقٍ. ناداك إبليسُ الرجيم مؤرّخاً، هنئت بأحمد فارس الشدياق» (ص. 212). (ومثلما فعلت الكنيسة في حالة جبران، زعم شيخو بعد وفاة الشدياق أنه «تاب» عن ذنوبه وعاد إلى دينه قبل الوفاة)، كما عاب شيخو على فرح أنطون فكره الحرّ وعلّل سبب وفاته، فقال «مات ضحيّة غُلوائه» (ص. 418).
ولم تنجُ الكتب التراثيّة التي حقّقها وحرّرها و«هذّبها» ونشرها شيخو من تعصّبه الشديد، فحذف ما لم يرقه من آيات قرآنيّة وأحاديث نبويّة من كتابيْ «فقه اللغة» للثعالبي و«الألفاظ الكتابيّة» للهمذاني، على سبيل المثال. ولم ينجُ نشره لكتاب ديوان أبو العتاهية من تحوير وتغيير إنتقائي ديني (حوّل «لا شريك له» إلى «لا مثيل له». انظر إلى كتاب شكري فيصل، «أبو العتاهية: أشعاره وأخباره»).
كما أن شيخو أشرف على واحد من أوائل كتب التأريخ اللبناني (المنفصل عن سياقه العربي والإسلامي الطبيعي والمنطقي)، وهو كتاب «لبنان: مباحث علميّة واجتماعيّة» الصادر في عام 1918. وفي هذا الكتاب، وبالرغم من إشراف المتصرفيّة، تظهر نزعات التعصّب المسيحي وممالأة الغرب في فصل تاريخ لبنان. وتجد (أو تجدين) كيف تعاطى المؤرّخ (لم تُدرج أسماء مؤلّفي الفصول في الكتاب) مع حقبة الحروب الصليبيّة: «قدم الفرنج الصليبيّون هذه الديار سنة 1099». («لبنان: مباحث علميّة واجتماعيّة، جزء 1، ص. 299). ويزعم شيخو (؟) أنّ ما تسبّب بالحروب الصليبيّة هو أمر للحاكم بأمر الله بهدم كنيسة القيامة (ص. 309). أما عن تقويم الحكم الصليبي، فيقول المؤلّف عن الفرنج: «وما لبثوا أن سلكوا سبيل التساهل مع جميع الناس على اختلاف الملل والمذاهب حتى إن المسلمين كانوا في دَعة وراحة» (ص. 313)، واستعان المؤلّف بانتقائيّة غير أمينة برحلة ابن جبير. وكان لشيخو دور بارز ليس فقط في إنشاء التعليم الاستشراقي في الجامعة اليسوعيّة أو حتى في التعليم اليسوعي بصورة عامّة، بل أيضاً في إنشاء مدرسة الاستشراق اللبناني على نمط الاستشراق الغربي الذي تتلمذ على أيدي معلّميه. ومثلما أثّر الاستشراق الغربي على شيخو، أثّر هو في عدد من هؤلاء المُستشرقين مثل هنري لمنس.
شارل مالك
قد لا يعرف جيلٌ من اللبنانيّين حقيقة دور شارل مالك مع أن هناك جادة كبيرة تحمل اسمه (يحتاج لبنان في مرحلة التغيير الحقيقي إلى إعادة نظر جديّة في أسماء الشوارع والجادات والساحات كي يُزال منها عدد كبير من المُستعمرين والكارهين والصهاينة). ويمكن - أو لا يمكن - فصل دور شارل مالك في لبنان عن دوره في أميركا في الأربعينيات والخمسينيات، وخصوصاً. ومالك رجعي يمينيّ (توصيفاً) بكل المعاني، وقد بولغ في تصوير دوره في كتابة شرعة حقوق الإنسان مع أنه لم يكن إلا مُنفّذاً للإرادة الأميركيّة في الشرعة (وكان دوره «مقرّراً فقط، أي إنه نفّذ الأوامر ولم يصغ). وحاول أن يُقحم عنوة مفاهيم دينيّة مسيحيّة مُتزمتة في الشرعة إلا أن باقي دول العالم (وخصوصاً الدكتور شانغ، المندوب الصيني) ذكّروه أنّ معظم سكّان الكرة الأرضيّة لا يدينون بالمسيحيّة. ومالك أقام في أميركا لسنوات وأقام علاقات وطيدة مع اليمين المُتطرّف (جداً) وكان خطيباً مرغوباً من قبل مُحاربي الشيوعيّة. وكان مالك عوضاً عن التفرّغ للتدوين (مهمته الحقيقيّة) يلغو عن كتابات ونظريّات توما الأكويني.
والرجل كان مُخوّلاً رسميّاً بالدفاع عن القضيّة الفلسطينيّة (وباسم العرب، حيث كان التمثيل العربي ضعيفاً جداً أو معدوماً في الأمم المتحدة) أقام علاقة مع الديبلوماسي الإسرائيلي النافذ (وفيما بعد وزير خارجيّة العدوّ)، أبا إيبان الذي تطرّق إلى العلاقة السريّة بينه وبين إيبان. والصندوق الرقم 15 من مجموعة أوراق مالك الخاصّة الموجودة في مكتبة الكونغرس في العاصمة واشنطن يحتوي على مراسلات (سريّة حكماً) بينه وبين إيبان. وهناك برقيّة من أبا إيبان إلى شارل مالك يقول نصّها: «لقد شعرت بدافع عاطفي كي أرسل لك كلمة شخصيّة للتهنئة والتمنيّات الطيّبة بمناسبة الحظ السعيد الذي باركك أنت والسيّدة مالك مؤخرّاً» (وكانت الرسالة بمناسبة ولادة ابن مالك، حبيب الذي عمل في المركز البحثي للوبي الصهيوني في أميركا، وكان من أوائل العرب الذين قبلوا التعاون مع «مؤسّسة واشنطن» - كما الأب، كما الابن). وهناك صورة لشارل مالك من عام 1959 في «المعرض العالمي» في نيويورك وهو يحتفي بحرارة بديبلوماسيّين إسرائيليّين (ولقد وصلت أخبار تلك الصورة إلى الصحافة العربيّة في حينه).
وهناك صناديق أزيلت من المجموعة لعل ذلك بسبب إحراج محتوياتها لذكرى مالك المُخلّد في مسخ الوطن: لعلّ تلك المراسلات تتعلّق بـ«المحاكاة» مع العدوّ الإسرائيلي. ومالك كان مرغوباً من قبل أجهزة الدعاية الأميركيّة للحكومة الأميركيّة، وكان يشير عليهم بطبيعة مضامين الدعاية الرجعيّة المضادة للشيوعيّة التي كانت أميركا تضخّها في عالمنا العربي. وكان يظهر في وسائل الإعلام ليعتنق خطاب اليمين المسيحي الرجعي المُعادي للشيوعيّة والتقدميّة، وليمعن تهشيماً في كارل ماركس ولينين (وهناك شريط قديم له على «يوتيوب» يذمُ فيه الرجلان العظيمان).
ومالك كان واحداً من أوائل العرب الذين وثقت بهم المؤسّسة الاستعماريّة في الجامعة الأميركيّة في بيروت. وقد أوكلت إليه مهمات إداريّة لم تكن توكلها لعرب آنذاك. وكان مالك شديد التأثير على تلاميذه، ولم يكن يتورّع عن التبشير المسيحي في صفوفه وخارجه (يروي هشام شرابي في «جمر ورماد» كيف استدعاه مالك يوماً بعدما هاله سماع أخبار تحوّله اليساري). والأب عفيف عسيران كان واحداً من المسلمين الذين نجح مالك في جذبهم إلى المسيحيّة (كما جذب تلميذاً آخر له، ماجد فخري، الذي عيّنه مالك نفسه فيما بعد في دائرة الفلسفة في الجامعة الأميركيّة). وتأثير مالك كان قويّاً في أيديولوجيا جريدة «النهار» (في عزّها، إذ إن عزّ الجريدة يعود إلى زمن غابر جدّاً)، إذ إنّ يوسف الخال كان أيضاً واحداً من مريديه وقد أدار «دار النهار» التي كان تضخّ كتباً (مدعومة؟) ضد الشيوعيّة، فيما كان غسان تويني يدير الجريدة اليوميّة.
ومالك واحد من الثنائي الشهير (مع شمعون) الذي أخلّ للمرّة الأولى بمحتوى الميثاق الوطني. وكان مُنسّقاً لعمليّات السياسة الأميركيّة في بلادنا. ومالك كان سياسيّاً طموحاً، وقد يكون أوّل من حاول أن يذهل اللبنانيّين بخياله الواسع عن دوره هو في السياسة الدوليّة، وفي التأثير على كل رئيس أميركي. ويذكر العتاق في الكورة، مسقط رأسه، عن مباريات مالك لإبهار سامعيه بصداقته مع إيزانهاور، حيث كان يصرخ بسكرتيرته كي تطلب له «أيزنهور» فوراً كي يوافيه بتطوّرات السياسة في الكورة. وكان يقول إنّه لولا توجيهاته، لكان الأخوان دالس في أميركا تائهيْن في مجاهل العلاقات الدوليّة. وفي حملة انتخابّية له في الكورة، وعد جمهوره بأنه سيجلب لهم مصانع سيّارات لشركات السيّارات الكبرى من ديترويت. وبعد مرور سنوات، وانفضاح أكاذيبه، طلع الكورانيّون بقرّادة ساخرة عنه تقول: «مناخ الكورة صار مضرّ، من دخان معاملها، نقشت معها وجابت كرّ، شارل مالك نايبها».
وأسطورة مالك اللبنانيّة كانت من مالك نفسه بمساعدة غسّان تويني، تلميذه. وتويني يعترف في «سرّ المهنة» بأن مالك كان من أكثر ثلاثة أثّروا فيه في حياته (الآخران هما كميل شمعون وأنطون سعادة، مع أن الأخير طرده من الحزب لأسباب لا علاقة لها بالسياسة). وجريدة «النهار» هي المسؤولة عن الترويج له كـ«فيلسوف»، و«دار النهار» أعلنت بصورة مفخّمة ومبالغ فيها أنها ستصدر له مجموعة مؤلّفاته الفلسفيّة. وعلى طريقة «مقدّمة» ابن خلدون، نشرت له الدار «مقدّمة»، وأعلنت أن مجلّدات فلسفيّة هائلة ستليها. طبعاً، لم يلي المقدّمة أي مجلّد آخر، والكتاب مجموعة خواطر له في مواضيع درّسها في الجامعة الأميركيّة، لكنّ الطبعة الثانية من الكتاب فيها خاطرة جديدة له: إذ إنه اقترح كلمة «كيانيّة» بدلاً من «وجوديّة» للمذهب الفلسفي المعروف. وقد ساهم أخيراً عادل مالك (ويصعب نقد عادل مالك لأنه صحافي خلوق ومهذّب ورصين، ولأنني أذكره وأنا طفل على شاشة التلفزيون يحاور ضيوفه بتهذيب شديد) في تضخيم أسطورة مالك عندما كتب عن «رسائل بينه وبين أينشتاين». طبعاً، لا مراسلات البتّة بينه وبين أينشتاين، والمُرجّح أن اسم شارل مالك لا يعني لأينشتاين أكثر من اسم «أبو سليم الطبل» أو مجيد أرسلان. كل ما في القصّة أن منظمة سلميّة كان أينشتاين واحداً من داعميها، أرسلت الآلاف من رسائل عشوائيّة لجمع التبرّعات في أنحاء أميركا، وكانت الرسالة ممهورة بتوقيع مطبوع لأينشتاين (كما يسري عادة في حالات كهذه عندما تستعين منظمّات خيريّة وسياسيّة بأسماء مشاهير في الفن والسياسة والعلوم لجذب التمويل). وتلقّى مالك هذا مثل آلاف غيره رسالة من تلك الرسائل العشوائيّة، فظنّ صاحبكم الفيلسوف أن أينشتاين (ما غيره) خصّه برسالة خاصّة، فكتب له مستفيضاً ومقدّما تبرّعاً له. هذه هي قصّة «المراسلات» بين مالك وأينشتايْن (التي لسبب من الأسباب الغريبة العجيبة كتبت عنها جريدة «الأخبار»).
وقد أرفق عادل مالك الرسالة تلك (أو الحديث عن المُراسلات بين أينشتاين ومالك) في كتاب: «من رودس إلى جنيف: فلسطين من الضياع إلى الربيع العربي). ولقد بدأ للتوّ تلقّف خبر تلك «المراسلات» في الإعلام العربي، فكتب عنها أيضاً جهاد الخازن في «الحياة»، لكن يمكن قراءة تلك الرسالة العشوائيّة (وهناك صورة مُثبتة لها) في كتاب «من رودس إلى جنيف». من الواضح في النص الإنكليزي أن أينشتاين (ولا حتى الجمعيّة العلميّة التي استعانت باسمه لجمع التبرّعات) لم يوجّه الرسالة إلى مالك، وخصوصاً أنها مُوجّهة إلى «الصديق العزيز»، ومن دون اسم شارل مالك أو عنوان. وكان يمكن لمالك التقاط تلك الرسالة العشوائيّة من قارعة الطريق. ويمكن ترجمة التوجّه عن الإنكليزيّة كما وردت في الرسالة بـ«لمَن تصله هذه الرسالة»، أو «يا متلقّي هذه الرسالة»، لكن مالك ظنّ أن أينشتاين يتوجّه إليه، حتى إن عادل مالك روى في كتابه المذكور أعلاه أن أينشتاين «يطلب من هذه الرسالة معرفة رأي الدكتور مالك في نظريّة توصّل إليها» (ص. 582). هذا أسلوب شارل مالك المعهود في الزهو الفارغ والمفاخرة والتبجّح و«البهورة». عادل مالك أذكى من أن يصدّق أن عالم الذرّة يطلب آراء رجل من لبنان متخصّص في الفلسفة الرجعيّة في نظريّاته العلميّة. ولوّ، يا عادل. ولقد أرسل مالك إلى أينشتاين مبلغاً من المال وعرّف عن نفسه، لكنه تلقّى شكراً (موجزاً جداً) عاماً له ممهوراً بتوقيع أينشتاين، الذي على الأرجح لم ير الرسالة من أساسها. وأنا مثلاً أتلقّى طلبات تبرّعات (عشوائيّة) دوريّاً موّجهة إليّ باسمي من بيل كلينتون (وهي أحياناً موجّهة إلى «ساكن هذا المنزل». تصوّروا لو أنني رددت على تلك الرسالة (كما فعل شارل مالك كي يُخبر أهل الكورة أنه تراسل مع أينشتاين) وتلقّيت شكراً لتقديم تبرّع، ثم تحدثت للناس في مدينة صور وضواحيها عن «مراسلات بيني وبين بيل كلينتون». تعرّفوا عن كثب على شارل مالك. كان الأحرى بعادل مالك أن يكتب عن مراسلات بينه وبين إسرائيليّين ويقول وصف المجموعة الرسمي إن هناك صندوقاً من المحتويّات السريّة» غير مُتاح للعموم). ولم يتقاعد مالك عن السياسة بعد عهد شمعون. فهو كان واحداً من أقطاب «جبهة الحريّة والإنسان» (وهذا اسم التجمّع الفاشي الذي قاد ميليشيات اليمين الموالي للعدوّ الإسرائيلي قبل أن تولد «الجبهة اللبنانيّة»، التي بقي مالك قطباً فيها). وكان مالك كما روى معاصرون مكلفاً بكتابة الرسائل الرسمية لبشير الجميّل إلى الإدارة الأميركيّة بعد انتخاب ريغان، الذي رعت إدارته ترشيح الأخير بالاتفاق مع العدوّ الإسرائيلي، لكن مالك انتظر ولوج العصر الإسرائيلي في لبنان بعد الاجتياح عام 1982، كي يدلي بدوله عن حقيقة مشاعره نحو الكيان الصهيوني: ففي مهرجان حزب الكتائب الأوّل بعد الاجتياح، دعا مالك هذا إلى «محاكاة حضاريّة» بين لبنان وإسرائيل (لكن الصحف في اليوم التالي، مثل «النهار» أغفلت هذا الجزء من خطاب مالك).
فؤاد أفرام البستاني
كان البستاني تلميذ شيخو في الاستشراق وكانت بدايات كتاباته في مجلّة «المشرق»، وهي من أولى المجلاّت شبه الأكاديميّة في لبنان. والبستاني تخصّص في كتابة نقد الأدب غير الطائفي في لبنان، موكولاً في مهمته تلك من قبل شيخو. وقد كرّست مجلّة «المشرق» أكثر من عدد لتحذير المسيحيّين من شرور جبران خليل جبران وأمين الريحاني. في عدد «المشرق» في 29 أيلول من عام 1923، تطالعك مقالة عن «الآراء الكفريّة والأقوال الخلاعيّة» لجبران خليل جبران. لويس شيخو شخّص مرض جبران بـ«الجنون» («المشرق»، المجلّد 22، سنة 1924، ص. 555، والمجلّد 24، عدد 6، حزيران 1926، ص. 633). وكان البستاني في كتاباته حامل مشعل استشراق شيخو وطائفيّته. وهو مثلاً يتهم جبران بالجنون (أيضاً) وبحمل «الأفكار الفاسدة» ويشبّهه بـ«بولشفيك روسيا التاعسة» ويحذّر «العقلاء» من شرب سمّه (أنظر «المشرق» عدد 10، السنة 21، تشرين الأوّل، 1923). لكن موقف البستاني نحو جبران تغيّر فجأة في عام 1939 (في مقالة «على ذكر جبران»، السنة 37، نيسان - حزيران 1939) بعدما قرّرت الكنيسة التي كفّرته أن تحتضنه، وأن تحوّل فحوى كتاباته عن المسيح (الإنسان)، ويعبّر البستاني عن إعجاب مفاجئ بأدب جبران ويلمّح إلى احتمال وفاته كاثوليكيّاً (ص. 365)، مع أن نعيمه يجزم بالعكس، ويشير إلى صداقته ببعض رجال الأكليروس (ص. 263) مع أن كتاب نعيمة عن جبران يروي عكس ذلك. (يجدر الإشارة أنني كتبت عن موقف «المشرق» من جبران من قبل في «الآداب» في مقالة بعنوان «ضد الفرنكفونيّة: بطلان الثقافة اللبنانيّة»، 9 -10، 2001). لكن دور فؤاد أفرام البستاني كان أكبر من دور الكتابة في «المشرق» على أهميّته. هذا كان أوّل رئيس مؤسّس للجامعة اللبنانيّة، التي لم تكن جامعات إرساليّات الغرب تريدها في لبنان، وكما أن شبكة المدارس الكاثوليكيّة في لبنان حاربت (ولا تزال) التعلمي الرسمي في لبنان، فإن الجامعة الأميركيّة في بيروت والجامعة اليسوعيّة حاربتا لسنوات تأسيس الجامعة اللبنانيّة، التي وُلدت مُتاخرة (1951) قياساً بجامعات الدول المُجاورة. (بالمقارنة تأسّست جامعة القاهرة في أوائل القرن العشرين، فيما تأسست بعض كليّات جامعة دمشق في العقد الأوّل من القرن العشرين، كما جامعة بغداد). والتأخير في تأسيس الجامعة اللبنانيّة (وفيما بعد الجامعة العربيّة في بيروت) كان مقصوداً لثلاثة أسباب: 1) كي لا يعمّ التعلمي الجامعي بين المسلمين. 2) كي يبقى التعليم الجامعة غربيّاً واستشراقيّاً. 3) كي ينحصر التعليم الجامعي في أيادي مبشّرين مسيحيّين. وأرادت الدولة اللبنانيّة الطائفيّة أن تبقي على الجامعة اللبنانيّة ضعيفة، وذلك من أجل الحفاظ على سيادة متخرّجي الجامعتيْن الخاصتيْن في الوظائف والمناصب العليا، لكن البستاني حرص على أن يكون منهج الجامعة متغّرباً عن وطنه: أي أن يعكس نوايا التعليم الاستشراقي التبشيري. والطريف أن البستاني الذي لم يكن يحمل شهادة الدكتوراه، رفض تعيين عمر فرّوخ الذي كان يحمل دكتوراه من جامعة إرلنغن في ألمانيا (الذي تتلمذ على يد مستشرقين معروفين ومنهم تلقّى أصول التعليم الاستشراقي الرصين والصعب) في الجامعة اللبنانيّة بسبب انتمائه المذهبي، (وقد رفضت الجامعة الأميركيّة واليسوعيّة تعيين فرّوخ أيضاً) فقضى معظم سنوات عمره في التعليم الثانوي (فتحت الجامعة العربيّة في بيروت أبوابها له، كما أنه علّم في آخر سنوات عمله في الجامعة اللبنانيّة).
لا يُبنى مسخ وطن إلى على مسوخ أفكار. ولا يمكن إعادة بناء «لبنان» (وفي حدود أوسع وأرحب وأشمل)، بعد تهديم دعائمه واحدة واحدة وتفتيتها بالمطارق المعدنيّة، إلا بعد التصدّي المباشر للأفكار التي تأسّس عليها بنيان هذا الكيان، ولباعثيها، أحياء كانوا أم أموات.
(حلقة من سلسلة)
* كاتب عربي (موقعه على الإنترنت:
angryarab.blogspot.com)