سجلّ الإدارات الأميركية، وخصوصاً في العقود الخمسة الأخيرة، مثقل بالارتكابات، بما لا يجعل مواقف الرئيس الأميركي الحالي باراك أوباما تتعدى محاولة التجميل في الشكل دون التغيير في الجوهر. إنها تندرج، في أحسن الحالات، في سياق الرد المفتوح على سؤال طُرح ولا يزال مطروحاً في واشنطن: «لماذا يكرهوننا»!


لا شك أن أوباما يملك بلاغة استثنائية تمكنه حالياً من أن يدير نقاشاً على مستوى بلده والعالم تجعل كثيرين يعتقدون أن واشنطن تدافع عن قيم انسانية عامة. ليس الأمر على هذا النحو بالطبع. والسياسة الأميركية، ككل السياسات عموماً، لا تُدار استناداً إلى منظومة قيم بل انطلاقاً من منظومة مصالح. أما الالتفات إلى القيم، بشكل عام، فشأن يتراكم بشكل بطيء وطويل ليكُوّن منجزاً حضارياً، يبقى هو الآخر، محكوماً، رغم استقلالية نسبية، بالصراعات الاجتماعية وبالتوازنات من كل نوع.
والرئيس الأميركي وارث لـ«اخفاقات» وحماقات جرى الاعتراف بها بعد فترة قليلة من غزو العراق، قبل عشرة أعوام... وهو وارث، أيضاً، لانتكاسات اقتصادية لم تقتصر على الأداء فحسب، بل طاولت البنية وكادت أن تحدث فيها اختلالاً نوعياً جديداً. وأوباما الآن، أيضاً وأيضاً، يواجه مرحلة تحولات حثيثة وضغوط كبيرة، لإزاحة بلده عن زعامة العالم. وتؤكد تقارير أميركية وغير أميركية أنّ الولايات المتحدة سوف تخلي موقع الصدارة للمارد الصيني في وقت لا يتعدى بضع سنوات. وفي السياق عينه تُسجل مظاهر بروز قوى وكتل اقتصادية تنزع نحو الاستقلال عن واشنطن، ونحو منافستها بشكل كبير وخطير، في غير ما مكان من الكرة الأرضية.
في منطقة الشرق الأوسط التي بنى الرئيس الأميركي الحالي تقدمه واستمراره على تحرير الولايات المتحدة من مستنقع التورط العسكري فيها، تواجه واشنطن تحدياً غير مسبوق. إنه تحدي استدراج أوباما نفسه إلى التورط العسكري مجدداً، فيما لا تزال واشنطن مُثخنة بجراحات تورطها السابق. والوجه الآخر للتحدي هو الامتناع واخلاء الساحة لمنافس قوي بحجم روسيا، الدولة التي تطمح قيادتها إلى استعادة عظمتها، من جهة، وإلى فرض شراكة على واشنطن وضرب احتكارها للملفات الدولية، من جهة ثانية.
كانت واشنطن ارتاحت، مؤخراً، لسياسة تقوم على تجنب الانخراط المباشر في النزاعات، في مقابل استخدام التكنولوجيا على نطاق واسع، وتفعيل دور القوى المحلية الحليفة الى حده الاقصى. بسبب كل ذلك، وفي الموضوع السوري، اختارت واشنطن أن تمارس هواية المراقبة عن بعد. لقد كان مثيراً بالنسبة لها أن ترى خصماً، غالباً ما ناصبها العداء أو شاغب على مخططاتها، يغرق في حرب داخلية، اجتمعت فيها عليه مكائد أعدائه وكثرة اخطائه.
عوّلت واشنطن كثيراً على هذه الحرب. عملت على إطالة أمدها. كانت تراقب بسعادة عميقة كيف يجري اضعاف سوريا وانهاء دورها الاقليمي. وكانت تسعى من خلال إطالة أمد هذه الحرب إلى استنزاف حلفاء سوريا أيضاً، وخصوصاً منهم الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
كان هذا هو الواقع الذي ارتاحت إليه واشنطن حتى معركة «القصير». يومها بدأت الإدارة الأميركية تدرك أنّ تحوّلاً أساسياً قد طرأ على المعادلة: هي لا تريد أن تتدخل، لكن منافسها الروسي يندفع دون حسابات لتحقيق نقاط على حسابها وحساب حلفائها، من خلال تدخل كان حكراً عليها حتى هذه اللحظة. حدث ارتباك كبير في الحسابات الأميركية. وكثرت الأسئلة حول ماذا تستطيع واشنطن أن تفعل. وهل أن أوباما هو الشخص المناسب لإدارة مرحلة من هذا النوع؟!
دافع الرئيس الأميركي في السويد عن طريقته في التعامل مع الأزمة. حاول أن يصور بأن مصداقيته ليست هي وحدها على المحك، بل أساساً مصداقية بلده والعالم بأسره. خطأ أوباما، أنّه، رغم بلاغته، لم ينتبه إلى أنه ما زال يستغبي العالم: استعمال الأسلحة الكيميائية يبدأ أولاً من انتاجها. أما امر انتشارها واستخدامها فيأتي لاحقاً. والولايات المتحدة هي المنتج الأول والأكبر لكل أسلحة الدمار الشامل في العالم، بما في ذلك الأسلحة الكيميائية والجرثومية. وتبعاً لذلك كان الأحرى بالرئيس الأميركي، إذا شاء فعلاً أن يواجه خطر انتشار وجريمة استخدام الأسلحة الكيميائية، أن يدعو إلى عقد مؤتمر دولي لطرح هذا الموضوع من كل جوانبه، ومن ثم محاولة اتخاذ اجراءات عملية ووقائية للحد من خطره. اجراءات تبدأ من خطر الانتاج إلى خطر الانتشار والاستعمال... وحيث إن الناس لا تموت بسبب الكيميائي فحسب، فقد كان ولا يزال الرئيس الأميركي مطالباً بمعالجة جريمة مشاركة واشنطن الدائمة لإسرائيل في قتل وتشريد وتيئيس الشعب الفلسطيني. ما تواصله واشنطن في هذا المجال، هو ضغوط إضافية على الضحية لمصلحة المجرم. وهذا، إلى أمور أخرى، على امتداد العالم، لا يجعل واشنطن ذات صدقية في الدفاع عن الحياة البشرية وعن حقوق الانسان وعن قيم الحرية والديموقراطية، طالما هي ذات سجّل حافل في حقول دعم الطغاة وممارسة النهب والتدخل ونشر القواعد العسكرية على امتداد العالم...
وليست بلاغة أوباما كافية.
كذلك ليس الرد المناسب هو ذلك الذي ورد على لسان أحد المسؤولين السوريين، الذي قال: سنواصل سياستنا حتى لو حدثت حرب عالمية ثالثة!
الشعب السوري خصوصاً، والقضية العربية عموماً، هما من يعاني من المحنة الراهنة، والحرص على هذين يتطلب مقاربة سياسية لا حرباً محدودة أو شاملة: هذا مطلوب، بالدرجة الأولى، من النظام السوري والمجتمع الدولي على حدّ سواء!
* كاتب وسياسي لبناني