ما يحدث من «تحلّل اجتماعي» في مصر ليس غريباً بالمرّة. فهو نتاج مباشر للصيرورة التاريخية التي بدأت في يناير 2011، وأفضت في شرطها الحالي إلى تولّي الطبقة الوسطى في المدن والأرياف زمام الأمور. وهذا لا يحدث عادة في التجارب الثورية الطليعية، ففي هذه الأخيرة تتولّى الطبقات التي تقطع مع النظام تسيير الأمور من البداية إلى النهاية. لا تقوم الثورات هنا على استئناف طبقات أخرى لما تمّ بمعية «الطبقة الثورية». إذا حصل ذلك فلن تكون الثورة حينها ثورة ــ في عرف التحليل الكلاسيكي ــ بل ثورة... مضادة. في روسيا مثلاً تأخّرت «الثورة المضادة» كثيراً ولم يقدّر لها أن تحكم إلا بعد التخلّص نهائياً من ارث لينين وتروتسكي. ارتبط الانقلاب على الثورة هنا بشخص ستالين وبالطغمة التي تحيط به أكثر من ارتباطه بالطبقات التي أوصلته إلى السلطة. فمن سمح له بالوصول هو ذاته من فوّض لينين وتروتسكي بالقيادة من قبل. في الحالتين كانت الطبقة العاملة هي الحامل الاجتماعي الوحيد.

وحين ظهر تأثير البورجوازية مع ستالين وخروتشوف وبريجينيف و... إلخ لم تتغيّر طبيعة «الثورة» جذرياً، فهي منذ البداية ثورة عمّال وفلاحين، وبالتالي تدخّل البورجوازية فيها لتثبيت الطابع الرأسمالي للدولة لم يؤثّر في بنيتها الطبقية بمقدار ما فعل مع النخبة الحاكمة داخل الحزب الشيوعي. لا يشبه ما حدث في روسيا مصر وانتفاضها في شيء. فهنا انحكم الانتفاض منذ البداية ــ أي في يناير 2011 ــ لعامل النخبة التي قادت الاحتجاجات بمعيّة ظهير شعبي من الطبقات الشعبية والكادحة.
وقلنا حينها إنّ غياب الأدلجة عن فعل الاحتجاج سيكون له ما بعده لاحقاً. المصريون لهم رأي آخر طبعاً، فهم يعتبرون أنّ الأدلجة قد حصلت بمجرّد اشتباكهم العنيف مع جهاز الشرطة وباقي الأجهزة القمعية الأخرى (الشرطة العسكرية، أجهزة الأمن... إلخ). وهذا يعني أنّهم ينسبون الأدلجة إلى فعل الاشتباك مع السلطة لا إلى البنية الطبقية للثورة والانتفاض. من هنا تحديداً نشأ سوء الفهم الذي أوصل قطاعاً من المصريين إلى اعتبار ما حدث في 30 يونيو انقلاباً لا ثورة. بالنسبة إلى هؤلاء ارتبطت الثورة بمحمول رمزي كبير بدأ في جمعة الغضب (28 يناير 2011) وتبلور أكثر مع مجابهات محمّد محمود وماسبيرو والعباسية ومجلس الوزراء، ويرجّح أنه سيستمرّ طالما استمرّت الكتلة التي تتبنّاه بنسب احتجاجها إلى حقبة يناير 2011 وحدها. لا يحبّذ هذا القطاع فهم ما جرى في 30 يونيو في ضوء التحوّلات التي طرأت على البنية الطبقية للاحتجاجات. يستسهل أصحابه، مثلهم في ذلك مثل الإخوان وقطاع لا بأس به من النخب العربية، تفسير «الردّة» التي حدثت بتأويلات محدودة وضيّقة من قبيل: الدولة العميقة، الفلول، رؤوس الأموال الخليجية، استعادة أجهزة القمع عافيتها... إلخ. لا يبدو هؤلاء معنيين كثيراً بقراءة الواقع في إطار ما تفعله الكتل الاجتماعية سواء حين تتصارع أو حين «تتساكن». في السابق «صنع» الاصطدام المستمرّ مع بنى الدولة القمعية شكل الاحتجاج وكذا طبيعة المنخرطين فيه. لم تكن الكتلة الاجتماعية المشتبكة مع السلطة حينها واضحة المعالم كثيراً. بالطبع غلب عليها الفقراء والشرائح الدنيا من الطبقة الوسطى، وتقدّمتها في حينه طليعة شابة متحدّرة من الطبقة الوسطى ــ بشريحتها العليا ــ وغير معنيّة كثيراً ببلورة هوية طبقية واضحة للاحتجاج. ولكي يعوّض النقص في البلورة تلك جرى اللجوء إلى صناعة سردية عنوانها ــ كما سبق أن ذكرنا ــ الصدام المستمرّ مع الأجهزة، ومن دون تمييز أحياناً بين الفقراء والأقلّ فقراً داخلها.
الأرجح أيضاً أن توقّعات الثوريين وقتها كانت كبيرة، ولا يقلّ سقفها عن التفاؤل باستمرار الثورة «إلى ما لا نهاية»، معتمدين في ذلك على قيادتهم للاحتجاج وعلى معرفتهم المسبقة بطبيعة الكتل المنخرطة فيه. يجب القول هنا إنّ مشكلة جدية كانت في انتظارهم، وهي على علاقة مباشرة بعدم الاتساق في قراءة المشهد من أسفل.
فقد فاتهم، وهم أدرى الناس بقدرة الفعل الاحتجاجي على تفكيك السلطة، توقّع انخراط فئات جديدة لم يسبق لها أن همّشت أو احتجّت على تهميشها. يفترض أصلاً ألّا يحتاج ثوريون احتكّوا بالمجتمع المصري وخبروا معاناة شرائحه عن كثب إلى من يخبرهم عن شكل العلاقة التي تكوّنت بين السلطة الاخوانية والطبقة الوسطى الرافضة للاخونة والاستيلاء على مؤسّسات الدولة. خبرتهم مع نظام مبارك كانت كافية لحملهم على التمحّص أكثر في التركيب الطبقي للشرائح التي انتفضت ضدّ الإخوان في 30 يونيو. ثمّة «فلول» من بين هؤلاء حتماً،وثمّة استحالة أيضاً في المماهاة بين انتفاض يصوّب على الشرطة وآخر يصطفّ إلى جانبها، لكن هذا لا يبرّر التعامل مع معطى بهذه الجدّة على طريقة إدارة
الظهر.
لا يمكن قيادة ثورة بهذه الطريقة، ويستحيل كذلك إقناع الشرائح التي انتفضت معنا بأنّنا جدّيون حين نتعامل مع الشرائح الأخرى التي لا تعجبنا على أساس أنّهم سذّج أو «عبدة البيّادة» فحسب (تعبير مصري عامّي يطلق على المتحمّسين للجيش ويعني حرفيّاً: مقبّلو أو لاحسو الحذاء العسكري). لا بد من قول كلمتين لهؤلاء جميعاً بمن فيهم غير الثوريين أيضاً: الانتفاض ضدّ مبارك بدأ مثلما بدأت 30 يونيو تقريباً: احتجاجاً على تهميش طبقة لباقي الطبقات الأخرى داخل المجتمع. لو لم يتعامل نظام مبارك مع باقي شرائح المجتمع المصري كطبقات وجب سحقها وإخراجها من دورة الإنتاج الحقيقي لبقي الانتفاض ضدّه محصوراً في يوم عيد الشرطة الذي يبغضه الحقوقيون والنشطاء السياسيون أيّما بغضاء. الدائرة اتّسعت حينها لسبب بسيط هو أنّ الهامش الذي خلقه احتجاج النشطاء وجد من يملؤه من الفقراء والعامّة والعمّال في الأرياف وضواحي المدن. هذا هو السبب الفعلي والوحيد لسقوط مبارك بهذه السرعة، والباقي كلّه تفاصيل.
بهذا المعنى يصبح حراك الجيش واستلام المجلس العسكري للسلطة «تفصيلاً» تماما كما هو تفصيل الآن رغم اختلاف السياقات وظهور الجيش بمظهر مختلف (الفرد المنقذ) هذه المرّة. من يبحث عن أسباب أخرى لتطوّر حركة الاحتجاج ضدّ السلطة فعليه ألا يتعب نفسه كثيراً.
إذ لا يوجد سبب مقنع لتعاقب طبقات وشرائح مختلفة على قيادة الفعل الاحتجاجي في مصر منذ سنتين ونصف السنة وحتى الآن غير الامتلاء بالواقع والإصغاء إلى ديناميّته المتصاعدة. لقد اختار المصريون أن يفعلوا ذلك منذ البداية. كان بإمكانهم أن يحذوا حذو ثورات أخرى وينيطوا قيادة الانتفاض بطبقة معينة أو بحزب طليعي كما فعل الروس والصينيون من قبل، أو كما فعلوا هم في ثورة يوليو، إلا أنّهم اختاروا درباً مغايرة و«فريدة» إلى حدّ كبير. إذا استمرّوا في تجاهل هذه الحقيقة فسيكون طريقهم إلى مجابهة السلطة الجديدة غير سالك بسهولة.
لقد أسقطوا مبارك وزمرته لأنّهم فهموا المعادلة، وكذا فعلوا مع مرسي و«طبقة الإخوان»، لكن اختلافهم اليوم حول شكل التعامل مع «سلطة الجيش» التي انتقلت إلى مدنيين بتفويض من طبقات شعبية عريضة يوحي بأنّ فهمهم أعلاه لم يكن كاملاً. بالأحرى لم يكن فهماً على مستوى الواقع المصري المذهل الذي تجاوزنا جميعاً. والواقع الآن يقول بأنّ الصراع حالياً ليس بين الجيش ومن خلفه الدولة العميقة والإخوان ومن ورائهم أحزاب اليمين الديني والتكفيريين. سنكون سذّجاً لو صدّقنا أن «التحلّل الاجتماعي» الحاصل يجري فقط لأنّ هناك من قرّر أن ينقل الفوضى من العملية السياسية إلى داخل المجتمع. السيسي أعجز من أن يفعل ذلك، فوجوده مرهون بإزاحة الإخوان عن السلطة فقط.
الطبقات التي انتفضت ضدّ الإخوان استعانت به لهذا السبب تحديداً، أي لأنّها لا تملك الأدوات اللازمة لإسقاطهم بأسرع طريقة ممكنة وبأقلّ كلفة على المجتمع. البعض الآن بدأ يراجع نفسه ويتكلّم عن تفضيله حصول الأمر بدون تدخّل من الجيش. يقولون إنّ إتمام الأمر بهذه الطريقة كان سيجنّبهم تفويضه وهو القوّة العاتية بمهامّ لا يعلم المرء أين تبدأ أو كيف تنتهي، وكان سينقل الجدل كذلك إلى مربّع أبعد من المماحكات الحاصلة حالياً: عودة الإضرابات العمّالية مثلاً (وخصوصا في المحلّة). المهمّ أنّ النقاش هنا يتفادى تسمية ما حصل بالانقلاب رغم الضغينة التي تكنّها أطرافه (ومعظمهم ينتمون إلى اليسار الراديكالي) للعسكر، فعندما يحدث ذلك لا يعود الكلام عن الثورة ممكناً، إذ كيف نتحدّث عن الثورة ونحن نحتقر الطبقات التي تنهض بها سواء انتمت إلى الموجة الأولى أو إلى الثانية.
أتذكّر الآن كلاماً للناشط السياسي علاء عبد الفتاح أثناء النقاش يضع فيه 30 يونيو في سياق محدّد وواضح المعالم. يقول علاء ردّاً على رفاقه المعترضين على ما حصل: « إذا كانت 30 يونيو انقلاباً فهذا يعني أن 11 يناير انقلاب أيضاً». لا يتعلّق الأمر هنا بدور الجيش أو بتدخّله لحسم الصراع وإنّما بحجم مساهمة الشعب في الانتفاض. فكما كان هذا الحجم كبيراً في يناير 2011 كذلك هو في 30 يونيو 2013، والصراع المتصاعد الآن بين الكتلة الاجتماعية الإخوانية وتلك التي تدعم السلطة الحاليّة هو نتاج طبيعي لتدخّل الشعب في المعادلة وإجباره القوى الصلبة داخل الدولة على التحرّك لمصلحته. وما يفعله الإخوان الآن لممانعة هذا التدخّل هو استخدام لإحدى أدوات الصراع الاجتماعي: سياسات الهوية. يقومون بذلك لأنّهم استنفدوا من موقعهم الطبقي كلّ الأدوات الأخرى، وباتت خياراتهم محصورة في تعميق الاستقطاب داخل المجتمع على أساس طائفي وعصبوي. هكذا تفعل الطبقة الحاكمة عادة حين تخسر سلطتها. فحين كان الإخوان في السلطة لم يظهر أنّهم محتاجون إلى استدعاء سياسات مماثلة، وخروجهم بالشكل الذي حصل هو الذي أجبرهم على القيام ذلك.
في الحالتين تصرّفوا كطبقة، وهذا ما يجب أن تضعه السلطة الجديدة وقاعدتها الاجتماعية في الاعتبار ــ ثمّة مشكلة في التعاطي مع هذه السلطة ككتلة واحدة ومتجانسة وخصوصا مع وجود العسكر وبعض الفلول داخلها ــ. عليهم ألّا يستخفّوا بالإخوان، وأن يكفّوا عن تنميطهم والتعامل معهم على نحو كاريكاتوري. لقد جرّب هذا الأمر في سوريا طيلة عامين ونصف العام، وثبت إتيانه بنتائج عكسية. نموذج رابعة العدوية هو بالضبط نموذج من يخسر سلطته ويحشد فقراءه لاستعادتها. والتعامل مع الفقراء ليس كالتعامل مع الأغنياء أو الطبقة الوسطى، وهذا ما أثبتته التجربة في مجزرتي الحرس الجمهوري والمنصّة. ليس مهمّاً الآن الكلام عن «استخدام الإخوان للفقراء»، فهذا واقع لا ينكره أحد، وإنّما المهمّ كما سبق وذكرت مراراً أن نتعامل مع الموقف في ضوء الصراع الاجتماعي الحاصل. هم لا يتصرّفون كجماعة أو كتنظيم دولي بل كطبقة اجتماعية، وهذا بالتحديد ما يجب علينا فعله لمواجهتهم. إذا لم نسارع إلى ذلك حالاًفسنخسر المعركة ولو احتشد وراءنا أكثر من «ثلاثين مليون متظاهر». اسألوا عمرو عزّت.
* كاتب سوري