ترافقت عملية وصول الأسد إلى السلطة عام 2000 مع خطاب إصلاح طُرح على نحو مفاجئ، إذ لم يكن هناك مطالب داخلية من مجتمع مقصيّ عن الشأن العام والسياسة بفعل العنف الوحشي. وما تمكن السلطة من تمرير التوريث في نظام جمهوري دون أيّ احتجاج سياسي أو مجتمعي إلا دليل ذلك، الأمر الذي يطرح تساؤلاً عن سبب إطلاق السلطة مشروع الإصلاح والتحديث هذا؟

أيّة سلطة جديدة تحتاج إلى مشروعية شعبية بحد أدنى تستند إليها، لأنّ القمع وحده لا يكفي مهما بلغت حدته، ولكون القائمين على السلطة يدركون جيداً أن «التوريث» خرق لكل نظم الجمهورية وقوانينها رغم الشكليات الديمقراطية التي جرى من خلالها، ويعرفون أكثر مدى حاجتهم إلى ما يغطي على هذا الخرق، لذا كان خطاب الإصلاح الذي فتح الباب واسعاً لنخبة سياسية معارضة للتقدم إلى ساحة المشهد وفق ما تريد السلطة، ليعود القمع مجدداً في وأد ربيع دمشق، بعدما حققت السلطة ما تريد: طرح مشروع إصلاحي تخدّر به الجماهير بوصفها حاملة مشروع يغطي على التوريث من جهة، ويجدد شرعيتها أمام الجماهير من جهة أخرى.
هذه اللحظة السورية تكاد تختزل مشروع الإصلاح كما طرحته السلطة، فهو لم يكن «إصلاحاً» بقدر ما هو إيديولوجية وأداة من أدوات السلطة للهيمنة والتخدير. الأمر الذي يدفعنا إلى تفكيك خطاب «الإصلاح السلطوي» وتبيان دوافعه ومراميه، وخاصة بعد عودة البعض إلى ترويج خطاب الإصلاح بعد كل ما حدث، كأن الأمر يُحل ببعض الرتوش الإصلاحية، فيما الإصلاح الحقيقي يرتبط أولاً ببنية الدولة لا النظام، وينتمي إلى ما تحتاج إليه الدولة دون أن يأخذ بعين الاعتبار وضع النظام، وهو أمر مقلوب في خطاب السلطة الإصلاحي، ولهذا لم ولن يفضي إلى أي شيء، إلا تأزيم المُأزّم، وهو ما سنناقشه من خلال ما يلي:
1ــ الإصلاح من وجهة نظر السلطة محدود بـ«سقف الوطن» الذي يعني بقاء السلطة في الحكم و«إصلاح» ما دون ذلك، مما يعني أنه لن يشمل البنية الأمنية/ الاقتصادية والسياسية للنظام بوصفه محتكراً للسلطة والثروة، التي هي المصدر الأساس لإفقار الناس، مما يعني أنه محدود بما لا يؤثر على مصالح وثروات أبناء الحكم، التي ابتلعت الدولة والاقتصاد. فأيّة مقاربة لمفهوم توزيع الثروة على نحو عادل، ستؤدي إلى تفكيك بنية النظام السوري الذي هو مركب أمني/ مافيوزي/ اقتصادي، يترابط فيه البعد الأمني بالاقتصادي على نحو كبير بعد التحوّل الذي جرى على بنية النظام من نظام أمني يحكم الجميع في عهد الأب، إلى نظام أمني يحمي ثروات الرأسماليين الذين نموا في ظله وهم أبناء الحرس القديم نفسه، في عهد الابن، وهو أمر لا تقاربه السلطة أبداً.
2ــ الإصلاح المطروح هو «تمنين» لا إصلاح وطني، فهو مقترن بلغة عائلية صرفة تعكسها مفردات مثل «المكرمة» التي تطلق على زيادة الرواتب، فالزيادة ليست حقاً للمواطن، بل هي «تقدمة» من «الرئيس الحنون» على شعبه، و«العفو» عن المعتقلين السياسيين الذين سجنوا ظلماً ليس حقاً لهم يستوجب اعتذار السلطة المعتدية، بل هو «حنية» من القيادة، التي رأت أنهم يستحقون العفو!
في الحقيقة إن هذا الأمر متعمد لإبقاء حدود « الإصلاح» بيد السلطان ذي السلطات المطلقة، الذي لا اعتراض على أي قرار يتخذه، وليس للشعب أي حق في الاعتراض أو المساهمة في صنع القرار، أي تحديد العلاقة بين الشعب والنظام في علاقة عائلية صرفة بعيدة عن مفهوم الدولة ومستحقاتها، فالأبناء لا يناقشون الآباء ولا يتمردون عليهم، بل يطبقون إصلاحاتهم (عطاياهم) بفم
ساكت!
وهي آلية لم تزل تحكم تفكير النظام السوري على أكثر من مستوى: في خطاب إعلامه الذي لم يتغير، والذي يدار بطريقة ستالينية أمنية تعلي من شأن الرئيس/ الفرد، وتمجده على اعتباره «الأحد، الصمد». وفي تحديد المعارضة التي يقبلها، وهي معارضة تقبل «إصلاحات النظام» وبقاء الأبد السوري وما دون ذلك هم خونة وعملاء، أي معارضة من طراز «قدري جميل وعلي حيدر»، التي يقبلها النظام، لأنها تقبل بقاءه مقابل توزير على دماء السوريين، على أن يغيّر ديكورياً في بنية الاستبداد دون أن يصلحه، فيستبدل قانون الطوارئ بقانون الإرهاب الذي يحاكم في ظله معظم النشطاء السلميين دون أيّ اعتراض من حضرة الوزيرين، اللذين يقدمهما البعض باعتبارهما رأس التغيير السوري! فيما كوادرهما الحزبية رفضتهما وانضمت إلى الانتفاضة منذ زمن طويل على خلفية موقفهما المغطي لنظام الاستبداد.
3ــ خطاب الإصلاح السلطوي لا يرتبط بأي سقف زمني، فهو قائم منذ عام 2000 ومستمر حتى الآن، وهو ما أكده الرئيس الأسد في لقائه في شباط 2011 مع صحيفة «وول ستريت جورنال»، حين قال إنّ عملية الإصلاح مستمرة وقد تحتاج إلى سنوات!
وهكذا لا يعرف المواطن متى يجري الانتقال إلى دولة ديمقراطية، لأن الديمقراطية في عرف السلطة ذات خصوصية محلية، وبانتظار حلّ هذه الخصوصية التي لا تحلّ يعلَّق كل شيء. وهو أمر استمرت فيه السلطة حتى خلال سنتي الانتفاضة، إذ لا أحد يعرف سبب عدم إصلاح الإعلام المخجل، ولا أحد يعرف سبب بقاء معتقلين في الفروع الأمنية منذ ما يقارب السنة خلافاً للقانون.
هذا أمر متقصد أيضاً، بغية رهن الملفات الإصلاحية للمقايضة عليها لاحقاً، إذ لا يجري التخلي عن أي شيء بزمنه، بل حين تجبر السلطة على ذلك في إطار مقايضة ما، تضمن بقاء السلطة في الحكم. ففي عام 2004 اندلعت انتفاضة الكرد التي احتوتها السلطة بعدما أعطت وعداً بإعادة الجنسية إلى المحرومين منها، إلا أنه بمجرد توقف الاحتجاج تنكرت السلطة لوعدها تحت حجة «إحصاء» المحرومين، الذي استمر سبع سنوات (فقط!) حتى اندلاع الانتفاضة السورية عام 2011 لنفاجأ بالسلطة تعطي الأكراد جنسيتهم وتباشر إجراءات عملية لذلك فوراً. الأمر الذي يعطي دلالة عن كيفية قبول السلطة معالجة ملفاتها الداخلية، فهي إما تقايض بها المجتمع أو تُنتزع منها انتزاعاً، الأمر الذي يوصلنا إلى النقطة الجوهرية هنا، فالإصلاح ليس مرتبطاً بالدولة السورية واستحقاقاتها، بل مرتبط بالنظام، وبما يجدّد شرعيته، الأمر الذي يبتر عملية الإصلاح في جوهرها.
4ــ خطاب الإصلاح مداور/ هلامي/ زئبقي/ فضفاض غير مضبوط بأيّ حد أو مفاهيم واضحة مذ بدأ عام 2000 حتى الآن، إذ ثمّة حديث مكثّف عن محاسبة الفاسدين والمسيئين دون أن نشهد عملية محاسبة مسؤول واحد، بل حتى مسؤول الأمن السياسي في درعا «عاطف نجيب» لا يعرف السوريون حتى اللحظة إن كان قد حوسب أم لا!
هذا إجراء قديم تمارسه السلطة أيضاً، فبعد خروج الجيش السوري من لبنان اعترف الرئيس في مجلس الشعب بأن ثمة أخطاءً حصلت، وأن المسؤولين عنها سيحاسبون، لنفاجأ بترقية المسؤولين في سوريا، ودون أن نسمع عن محاسبة أي أحد، الأمر الذي يدخلنا إلى مفهوم المحاسبة في خطاب السلطة الإصلاحي، فهو أيضاً مرهون بالسلطة والحفاظ عليها. فالمؤسسة الأمنية حتى اللحظة عصية على المحاسبة، وأية محاسبة في السلك الحكومي/ المدني تجري ضمن حاجة السلطة إليها لا ضمن أسس الدولة الدستورية وحاجتها إلى محاربة الفاسدين، فهي موقتة وموسمية ومحصورة في أوقات السلطة العصيبة، لتكون الأضحية التي تقدم إلى الشعب في سبيل بقاء السلطة التي تحاول أو توهم الجماهير بأنها مصلحة!
5ــ يكاد يشبه خطاب الإصلاح السلطوي ما يسمى في اللغة العامية «الاستغباء»، فهي تطلق القوانين الكثيرة مع إبقاء بنية الدولة الأمنية كما هي، فتطلق قانوناً للتظاهر ترهن الموافقة عليه لوزارة الداخلية، ليبقى السؤال: لو أراد أحد اليوم القيام بتظاهرة ضد تعسف الأجهزة الأمنية واعتقالها اللاشرعي للمواطنين، فهل سيمنح الموافقة؟ وهل يجرؤ أحد أصلاً على طلب ذلك في ظل بنية أمنية صلبة ودون ضمانات أو إصلاح إقصائي فعلي يضع الأجهزة الأمنية تحت سيف القانون!
حاول بعض الشباب ذلك عام 2011 حين طلبوا ترخيصاً لوقفةٍ حداداً على أرواح الشهداء (انتبه أرواح الشهداء لا إسقاط النظام) فما كان من الوزارة إلا أن ماطلت وتأخرت، لتمنحهم الموافقة بعد إلغاء لثلاث مرات. وبعد حصر التظاهرة ضمن حديقة لاحتواء تأثيرها على الرأي العام، مع رفض المكان المقترح من قبل المنظمين، وليقوم بعد انتهاء التظاهرة عدد من «الشبيحة» بالاعتداء على منظمي التظاهرة أمام أعين الشرطة والأجهزة الأمنية التي وقفت تتفرج، دون أن تقوم بواجبها المتمثل في حماية المتظاهرين من أي اعتداء! وبناءً عليه فهل ستمنح وزارة الداخلية اليوم موافقة على التظاهر أمامها لكشف مصير عبد العزيز الخير ورفاقه، ويحيى الشربجي وآخرين، أو لمعرفة سبب اعتقال المحامي خليل معتوق أو يوسف عبدلكي ورفاقه، فضلاً عن تظاهرة تطالب بإسقاط النظام!
منذ ضرب شباب وقفة الحداد، لم يقدّم أحد أي طلب للتظاهر، وهذا ما كان يبغيه النظام، أن يبقى القانون حبراً على ورق، ولينضم إلى قافلة قوانين إصلاحية كثيرة أوقفت بفعل قبضة الأمن، التي استولت على كل شيء، وهذا مثال واحد من أمثلة كثيرة يمكن سردها في هذا السياق. وهو ما يعطينا فكرة عن «استغباء» السلطة لجمهورها، الذي بات يدرك كل هذه الألاعيب ويتهكم عليها ساخراً في مجالسه.
6ــ خطاب إعلامي مكثف عن الإصلاح دون وجود أي شيء حقيقي، فبعد انطلاق الانتفاضة، وسعياً من السلطة إلى إجهاض التظاهرات، أطلقت سلسلة قوانين، منها قانون التظاهر، حيث جرى الترويج على أنه أفضل القوانين الصادرة في العالم كله، لنفاجأ بعد الدراسة بأن القانون المعني يحمّل مسؤولية أي خلل يحدث في التظاهرة لمنظميها، علماً أنه في كل دول العالم تقوم السلطات المختصة بحماية التظاهرات، بل من واجبها حمايتها، ويجب أن تتحمل المسؤولية كاملة حال عدم قدرتها على ذلك. وبموجب القانون المذكور يتوجب على مرخصي التظاهرة معرفة عدد المشاركين فيها واللافتات التي سترفع، وتحمّل مسؤولية أي انتهاك لذلك (حال كانت التظاهرة مليونية مثلاً كيف يمكن ضبط كل الشعارات!) إضافة إلى أن ترخيص التظاهرة تمنحه وزارة الداخلية، ويمكن الرد على الطلب بعد مدة أقصاها أسبوع (ويجب تقديم الطلب قبل خمسة أيام من موعدها)، مع إغفال أن هناك تظاهرات تحتاج إلى الموافقة بعد يوم أو يومين على أبعد تقدير لارتباطها بحدث ما أو ملف ما.
هنا لا تفعل السلطة إلا وضع العصي في العجلات مع بروباغندا تقدّم الأمر بأنه سوبر الحداثة، الأمر الذي يعكس العلاقة بين الإعلام والإصلاح والسلطة، وهو ما يفسر عدم قدرة السلطة على السماح بإعلام حر، لأنه سيفضح غباوتها لا استغباءها الذي بات مكشوفاً.
مشكلة خطاب الإصلاح السلطوي أنه لم يكن إصلاحاً بالأساس، لأن الإصلاح يرتبط ببنية الدولة ومؤسساتها، لا بتجميل السلطة التي لم تفعل شيئاً سوى تجيير خطاب الإصلاح كإيديولوجية لتجديد الشرعية المفقودة داخلاً، في محاولة منها لتشريع الوهم الذي باتت السلطة تصدقه!
خلاصة الأمر أنّ النظام عاجز عن قبول إصلاح الدولة لا إصلاح النظام، لأنه يعني تفكيكه ورحيله، فأي قضاء عادل يعني رهن النظام للقانون ومحاكمة أركانه، وأي مكافحة للفساد تعني نزع ورقة الفساد من يد السلطة في إخضاعها المجتمع عبر جعل الفساد في خدمة الاستبداد، وأي دولة حرة تعني أنه لا «مكرمات» ولا «عطايا» ولا تأليه، وأي إصلاح اقتصادي يعني «محاسبة» أولئك الذين رهنوا البلد ومشاريعه لمصالحهم، وتعاملوا معه كمزرعة شخصية بحماية أمنية لا أحد يسائلها حتى اللحظة، وأي حرية سياسية تعني عزل الأمن عن شؤون السياسة والتظاهر ضدهم ومحاسبتهم حين يتدخلون في ما لا يعنيهم (والله يستر إن قرأوا هذا المقال!).
* شاعر وكاتب سوري