قد تبدو الدعوة إلى تطوير أشكال التقارب الاقتصادي ــ السياسي بين العراق والأردن، وصولاً إلى نوع من «الوحدة» ضرباً من ضروب الخيال الإيديولوجي. وقد تواجه مثل هذه الدعوة بسحب كثيفة من التشكيك بالنزاهة. ومع ذلك، سُمعت في الآونة الأخيرة أصوات تدعو إلى ما هو أبعد من مجرد «تطوير تقليدي» للعلاقات بين البلدين، وتردّد صداها كتعبير عن «حلم مشرقي قديم» لا يزال حيّاً.

ومن منظور تاريخي، كانت هذه الدعوة تدور في محورين مركزيين، أحدهما تمثل في إطلاق فكرة «سورية الكبرى» التي تضمّ العراق إلى بلاد الشام التاريخية؛ بينما تجسّد المحور الثاني في الدعوة إلى قيام دولة «الهلال الخصيب».
وكلاهما يعبران عن المضمون السياسي ذاته. وفي الواقع، لا يبدو أن ثمة أي فروق جوهرية فاصلة وحادّة، بين مفهومي سورية الكبرى والهلال الخصيب، ذلك أنهما يؤديان من الناحية الفعلية إلى المضمون السياسي ــ الاقتصادي نفسه.
في عام 1941 لاحت في سماء العلاقات الأردنية ــ العراقية أول فرصة حقيقية لاختبار إمكانية مثل هذا التقارب في سياق النقاش حول المحورين، وتحقيق اختراق تاريخي على صعيد تطبيق «مضمون» الفكرة. وكانت المفارقة التي حملتها هذه الفرصة، أن المضمون السياسي للوحدة المفترضة، اتخذ طابع تعاون عسكري. وفي هذا العام، شهدت العلاقات الأردنية العراقية تحسناً كبيراً على هذا الصعيد، أرسى دعائمه الأميران عبد الله بن الحسين - شرق الأردن - والوصي على عرش العراق الأمير عبد الإله، وجرى تتويجه بمشاركة الجيش الأردني في قمع حركة التمرد التي قادها رشيد عالي الكيلاني. ثم سار البلدان بخطى حثيثة نحو تدعيم سياسات التفاهم المشترك، وبدأت تلوح في الأفق «مشاريع وحدوية» جديدة، كانت تعيد إنتاج الفكرة القديمة ذاتها بمحوريها: الهلال الخصيب ومشروع سوريا الكبرى. لكن الظروف المحيطة بالبلدين، سرعان ما أفضت إلى مفارقة مريرة، حين تبنى العراق المشروع الأول؛ بينما اتجه الأردن الهاشمي صوب تبني المشروع الثاني.
بعد أربع سنوات فقط (وفي أوائل عام 1945) حدث تقارب جديد بين البلدين، أعاد بقوة طرح المسألة على أساس وجود إمكانية لتوحيدهما. بيد أن ذلك سرعان ما اصطدم بمفارقة جديدة، تجلت في ظهور مخاوف جدية من أن تؤدي الخطوة إلى انقسام دول جامعة الدول العربية. ولذلك استبدل المشروع بمعاهدة تحالف وأخوة وُقِّع عليها في 14 نيسان 1947. وهكذا، اتخذ مسار العلاقات الأردنية ــ العراقية طابع التحسن الممنهج وأبدى البلدان حماسة للسير في طريق الاندماج الاقتصادي، وأُعلن في أوائل عام 1958 قيام الاتحاد العربي (الاتحاد بين مملكتي الأردن والعراق). ولم يمض وقت طويل على توقيع المعاهدة، حتى بادر الأردن إلى تشكيل ما يعرف بـ«حلف بغداد» الذي ضمّ العراق وتركيا وإيران. إلا أن عمر هذا الاتحاد كان قصيراً للغاية (نحو خمسة أشهر فقط)؛ إذ تهاوى بسرعة غير متوقعة إثر اندلاع ثورة 14 تموز/ يوليو 1958، التي حملت الزعيم عبد الكريم قاسم إلى سدة الحكم، وأدت إلى مصرع الملك فيصل ملك العراق. وبذلك تبدد حلم أي تقارب محتمل.
وعلى امتداد عقدين تقريباً (الستينيات والسبعينيات) دخلت العلاقات بين البلدين في حقبة طويلة ومريرة من التوتر، ثم عادت للتحسن التدريجي في مطلع الثمانينيات، حين جمعتهما مخاوف مشتركة من النتائج الكارثية لاندلاع الحرب العراقية ــ الإيرانية. وازدادت فرص التعاون الاقتصادي والسياسي بين البلدين أكثر فأكثر بعد أزمة الخليج والعدوان على العراق الذي قادته الولايات المتحدة إلى جانب ثلاثين دولة أخرى، وأصبح الأردن - في ظل توتر العلاقات بين بغداد ودمشق - هو الرئة الوحيدة التي مكّنت العراقيين من التنفس - خلال سنوات الحرب والحصار - وإنْ بصعوبة.
اليوم، بحسب الإحصاءات الصادرة عن المكتب التجاري العراقي في عمان، فإن حجم الصادرات الأردنية الكلية للعراق بعد عام 2003، هو أعلى من جميع المعدلات في الفترة من 1994 ـــ 2003، إذ بلغت قيمتها عام 2002، أي قبل عام واحد فقط من غزو العراق، قرابة 150 مليون دولار، بينما ارتفعت عام 2008 بنسبة 900 في المئة وبلغت نحو 1.3 مليار دولار. ويتوقع، ضمن خطة هذا العام، أن ترتفع إلى 1.6 مليار دولار. ولذلك تبدو فرص التعاون بين البلدين أكثر واقعية في ظل متغيّرات وتحديّات متسارعة، تتخطى وتتجاوز ما واجهه البلدان في الماضي؛ فالمنطقة تشهد تبلور نظام علاقات قوة داخل الإقليم، تمتزج فيه المصالح الاقتصادية بمصالح الأمن المشترك. إن المخاوف والتحديات التي تواجه العراق والأردن جراء صعود الأصوليات العنيفة، يمكنها أن تعيد رواية قصة «الحلم المشرقي القديم»، وهذه المرة ممزوجة بنكهة الأحلام الاقتصادية؛ فالعراق يستعد فعلياً ليصبح خلال السنوات العشر المقبلة بلداً منتجاً للغاز، وبما يؤهله ليكون عضواً فاعلاً في منظومة دول البريكس إلى جانب روسيا وإيران. وكما أن العراق يتطلع إلى الممرّ الاستراتيجي الأردني لتحقيق أحلامه بالاقتراب من شواطئ المتوسط، فإن الأردن يتطلع إلى العراق كحل جذري لمشاكله الاقتصادية المزمنة (الغاز المصري والمعونات النفطية الخليجية).
أكثر من ذلك، أن إمكانات العراق للتحول إلى مركز تصديري لمنتجات الغاز والنفط من الخليج العربي إلى أوروبا، بفضل عمليات تطوير ميناء البصرة - وهي تطويرات شاملة يمكنها أن تجعل منه سابع أهم ميناء في العالم - لم تعد مجرد تصورات أو خطط طموحة وحسب، بل باتت أقرب للتحقق مع تزايد حاجات الإقليم إلى شبكات تصدير عملاقة.
قصة الحلم المشرقي القديم التي رويت – ذات يوم – في بغداد وعمان، قد تجد رواة أكثر استعداداً للمضي قدماً في الطريق ذاته الذي سلكه أبطالها في الماضي القريب.
* كاتب عراقي