في ظل الانحياز الأميركي شبه الكامل والتقليدي إلى إسرائيل، يتحوّل وزراء خارجية الولايات المتحدة الأميركية إلى محترفي تقطيع وقت وخبراء مناورات وألاعيب، بما يوفر إعطاء المزيد من الفرص والإمكانات لحكام إسرائيل من أجل المضي في مخطط وضع اليد على كامل فلسطين مع كل ما يقتضيه ذلك من تصفية نضال شعبها وحقوقه.

لا يخلو الأمر، أحياناً، من تذمر بعض وزراء خارجية أميركا من جشع وصفاقة هذا المسوؤل الإسرائيلي أو ذاك، وخصوصاً على مستوى المسؤولين الأول في إسرائيل، لكننا لم نسمع يوماً أن هذا الاستياء قد بلغ حد الخلاف أو الاحتجاج العلني أو الاستقالة أو الضغط على حكام إسرائيل. ولقد شهد العالم في أواخر الولاية الأولى للرئيس الأميركي الحالي باراك أوباما كيف تراجع الرئيس المذكور أمام تصلب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في موضوع المستوطنات والاستيطان عموماً. ورغم أن نتنياهو قد جاهر في تأييده لمنافس أوباما، بشكل لم يسبق له مثيل، إلا أنّ ذلك لم يُحدث فارقاً جوهرياً في سياسة الولايات المتحدة الأميركية، التي واصلت انحيازها إلى إسرائيل ولمشاريعها العدوانية – التوسعية المستمرة والمتصاعدة.
في امتداد هذا الواقع المدموغ بالانحياز الأميركي المتواصل إلى إسرائيل، يمارس وزير الخارجية الأميركي الجديد محاولته الخاصة في ترتيب جولة جديدة من المفاوضات بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي. تتسم هذه المحاولة بأسلوبه الهادئ، لكنها لا تختلف من حيث الجوهر لجهة ممارسة الضغط على الطرف الفلسطيني لكي يباشر المفاوضات من دون شروط مسبقة أو أن تكون تلك «الشروط» تعبيراً عن توجهات عامة غير ملزمة وغير محددة تماماً، حتى لو كانت بالالتزام بالقرارات الدولية ذات صلة.
مثل هذه المعادلة، هو في الواقع خضوع لشرط إسرائيلي. وشروط إسرائيل تزداد اليوم مستقوية بالكثير من العوامل. أول هذه العوامل التغيير الذي طرأ على الاستراتيجية الأميركية بعد «إخفاقات» بوش الابن في العراق خصوصاً، التي كشفتها لجنة بيكر _ هاملتون ممثلة للديموقراطيين والجمهوريين في واشنطن. لقد قدمت تلك اللجنة توصيات مهمة بشأن أسلوب تعامل الولايات المتحدة في إدارة شبكة مصالحها الإمبراطورية الهائلة في الخارج. وطوَّر أوباما تلك التوصيات إلى اعتماد أشكال «ناعمة» من التدخل، مقرونة، بالمقابل، بتنشيط دور الأطراف الحليفة بديلاً للانخراط الأميركي المباشر، العسكري والميداني، في حروب لم تكن محصلتها، من فيتنام إلى أفغانستان، إيجابية على الإطلاق. اُعيد بذلك، الاعتبار، موضوعياً، لدور إسرائيل. وإسرائيل استغلت، من جهتها، حالة الضعف الأميركية بسبب الأزمات الاقتصادية خصوصاً، من أجل «رفع سعرها» وزيادة شروطها وضغوطها، وخصوصاً، في الموضوع الفلسطيني. ولقد عزز من الدور الإسرائيلي أيضاً، اندلاع أزمات ونشاط تناقضات تسارعت منذ سنوات عدة، إذ شكَّل «الخطر الفارسي» بالنسبة إلى حلفاء واشنطن من الأنظمة الخليجية، مناسبة لإزاحة الموضوع الفلسطيني عن دائرة الاهتمام والالتزام (ولو شكلياً) لمصلحة المجاهرة بأن إسرائيل، ليس فقط لم تعد العدو الأساسي، بل باتت حليفاً موضوعياً وضرورياً في مواجهة الخطر الجديد!
وزاد «الربيع العربي» في صرف الاهتمام الشعبي بعد الرسمي عن الموضوع الفلسطيني. وتفاقم هذا الأمر مع الكارثة التي أصابت الوضع السوري، ما جعل محور «الممانعة» في وضع دفاعي خطير تُعتبر إسرائيل المستفيد الأول منه بمقاييس الصراع العامة وبمقياس الصراع التقليدي العربي الإسرائيلي.
ولا ينبغي أن ننسى في هذا المشهد، الذي تزداد سلبياته، ما تجنيه القيادة الإسرائيلية من الانقسام الفلسطيني الذي دخل مرحلة أكثر تعقيداً مع صعود حركة «الإخوان المسلمين» وتوليها السلطة في غزة ثم في أقطار عربية عدة، أبرزها مصر.
لطالما اعتمدت القيادة الصهيونية في مشروعها الإجرامي سياسة «خذ وطالب»، مشفوعة دائماً، بكل أشكال الدجل والخداع والارتكابات العنصرية والعدوانية... وها هي اليوم تواصل نفس السياسة، لكن بخطوات أخطر وأبعد أثراً على المصير الفلسطيني برمته. فلقد تصاعدت الممارسات العنصرية أخيراً ضد المسجد الأقصى. ويشارك الآن في الهجمات المستهدفة له قادة صهاينة كما لم يحصل في السابق. كذلك أقر «الكنيست» الإسرائيلي مشروع «برافر ــ بيغن»، الذي سيؤدي إلى تهجير معظم سكان النقب، والبالغ عددهم نحو نصف مليون نسمة. أما وتيرة الاستيطان فتتصاعد كما لم يحصل في أي مرحلة اخرى. ويكفي أن نشير إلى حقيقة أن عدد المستوطنين قد ارتفع من أواسط التسعينيات إلى اليوم، من 120 ألفاً إلى 370 ألفاً!
في مثل هذه الظروف سيكون من الخطأ الفادح التوهم بإمكانية تحقيق أي انجاز فلسطيني في المفاوضات، سواء كان هذا الإنجاز سياسياً أو ميدانياً، صغيراً أو كبيراً. إن إسرائيل تستشعر من فائض القوة ما يجعلها أكثر تطلباً وأكثر تصلباً وعدوانية. يمكن القول، بطريقة أخرى، إنّ ميزان القوى الراهن، بمستوياته الثنائية والإقليمية والدولية، لا يسمح بتحقيق أي تقدم لمصلحة الفلسطينين. العكس هو الصحيح. لذلك سيكون من الأجدى بذل الجهود الفلسطينية في اتجاه ترتيب البيت الفلسطيني ليس فقط في عنوان أزمته الرئيسي (بين فتح وحماس)، بل أيضاً داخل الضفة الغربية وغزة من وجوه عدة.
ويتطلب هذا الأمر مقاربات جديدة للتوجهات والعلاقات والمواقف. وهي مقاربات ينبغي أن تتجه نحو استكشاف عناصر قوة جديدة للجسم الفلسطيني في المجالات الاقتصادية والسياسية والأمنية. من دون ذلك سيتمكن الصهاينة من تحقيق مزيد من المكاسب السياسية والجغرافية والاقتصادية والأمنية. ولن يفعل الأميركيون سوى تغطية العدوانية والعنصرية الصهيونية، إما على نحو مباشر أو غير مباشر. وفي أحسن الحالات، سيكون جون كيري في جولته السادسة والسابعة و... ساكتاً عن الحق وشيطاناً أخرس.
القيادة الفلسطينية أمام احتمالات كلها صعبة وأحلاها مرّ. الأحرى أن تختار الأقل كلفة على المستويين السياسي والتاريخي. ولا سبيل إلى ذلك إلا من خلال محاولة تدارك نقاط الضعف الخطيرة في الجسم الفلسطيني. وهي رغم كل الصعوبات، قابلة لمعالجة جزئية إن لم تكن كاملة، بانتظار شروط أفضل لاستئناف المفاوضات. فالمفاوضات عملية صراعية قبل أي اعتبار آخر، ولا يجوز الانخراط فيها إلا استناداً إلى المصلحة الفلسطينية بالدرجة الأولى.
* كاتب وسياسي لبناني