يجري الحديث في ظل ما يسمى الربيع العربي أو الصحوة الإسلامية، عن النموذج الإسلامي المعاصر، الذي ينبغي أن يتبع في العديد من الدول العربية، التي سقطت فيها أنظمة وصعدت فيها حركات إسلامية إلى موقع السلطة وا لحكم. أو في غيرها من الدول التي توجد فيها حركات إسلامية، وكان لها نصيب من المشاركة السياسية وغير السياسية، وهي تبحث عن التجربة التي تحتاج إلى تقليدها واقتفاء أثرها ومحاولة استنساخها، حيث يطرح في هذا المجال نموذج حزب العدالة والتنمية التركي، كنموذج ناجح في الإسلام المعاصر، والسياسة، والاقتصاد، والحكم، وفي العلاقات الداخلية والخارجية.

إنّ هذه المقاربة فيها الكثير من التبسيط وعدم العلمية لأن إعمال التحليل والنقد في ذلك النموذج، سوف يؤدي إلى العديد من المفارقات، التي تجعل من الصعوبة بمكان على أية حركة إسلامية تملك رؤية وفهماً عميقاً أصيلاً للإسلام، أن ترى في تجربة حزب العدالة والتنمية التركي التجربة التي يجب أن تُستنسخ في أكثر من مجال، وإلا فستكون سبباً في حرف تلك التجربة، واستيلاد نماذج لا تنسجم مع الموازين والقيم الإسلامية في العديد من مفاهيمها ومفرداتها.
أما أهم تلك المفاصل، التي ينبغي الإشارة إليها في تجربة حزب العدالة والتنمية التركي، فهي ما يلي:
ــ الليبرالية الاقتصادية: من الواضح أن النموذج الذي يقدمه حزب العدالة والتنمية على المستوى الاقتصادي هو نموذج ليبرالي، وهذا النموذج قد يحقق تنمية ما وزيادة في الإنتاج، لكنه لا يحقق العدالة الشاملة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، ولا في أي مجال من المجالات ذات العلاقة. إن الإسلام في رؤيته الاقتصادية يُعنى إلى حدّ بعيد بالتنمية والإنتاج... ولكن الأساس الذي يضبط كل حركة التنمية والإنتاج والتوزيع هو العدالة، والعدالة هي قيد كل شيء في رؤية الدولة وأهدافها وسياساتها وقراراتها، لذا هو يسعى إلى أمرين معاً:
الأول: تحصيل الكفاية للفقراء، وثانياً: تقليص الفجوة بين الأغنياء والفقراء اقتصادياً واجتماعياً، في رؤية ترتكز على البنيوية العادلة في الاقتصاد والاجتماع، مما يؤدي إلى معالجة الاختلالات الاجتماعية والفوراق الاقتصادية معالجة بنيوية، وليس فقط ريعية، تقتصر على بعض مجالات الرعاية الاجتماعية.
إن الرؤية الإسلامية في الموضوع الاقتصادي ترى في العدالة قيمة مطلقة ومعيارية، لذا عندما تتعارض العدالة مع الحرية، فهي تقدّم العدالة على الحرية، بخلاف الليبرالية الاقتصادية التي تقدم الحرية على العدالة، لذا فهي (أي الليبرالية الاقتصادية في نسخها المختلفة) أطاحت العدالة في توزيع الثروات، وتوفير الفرص، وسياسات الأجور، والسياسات الضرائبية، وجميع القوانين ذات العلاقة.
ــ السلام مع إسرائيل: إن نظرة «العدالة والتنمية» لإسرائيل تختلف عن نظرة مجمل الحركات الإسلامية إليها، تلك الحركات التي ترى في إسرائيل كياناً احتلالياً غير شرعي، يجب العمل على إزالته بالمقاومة لاسترجاع فلسطين، كل فلسطين.
أما تركيا في ظل حزب العدالة والتنمية، فلديها اتفاقيات عسكرية، وأمنية، واقتصادية، وتجارية، وسياحية مع الكيان الإسرائيلي. وهي تسعى إلى اتفاقية سلام بينه وبين الفلسطينيين، تقوم على الاعتراف بشرعيته، والتطبيع معه، والتنازل عن القسم الأكبر من فلسطين، وتجاوز العديد من الثوابت التاريخية الفلسطينية.
ــ الانتماء إلى الحلف الأطلسي: إن مجيء حزب العدالة والتنمية إلى الحكم في تركيا لم يغيّر شيئاً في الانتماء الأطلسي لتركيا، ولا في توجهها الأوروبي، وسعيها إلى قبول عضويتها في الاتحاد الأوروبي. ولقد كانت تركيا شريكاً لهذا الحلف في العديد من حروبه، بما فيها تلك الحروب التي شُنت على العديد من الدول العربية والإسلامية. وبغض النظر عن هذه الشراكة، فإن مجرد الانتماء إلى حلف يعدّ الأداة العسكرية للمعسكر الغربي، وروحه الاستعمارية، ونظرته العدائية للعالم الإسلامي، وتحديداً من كان رافضاً للاحتلال الإسرائيلي والهيمنة الغربية. إن هذا الانتماء لا يبقي أي مجال لتقديم حزب العدالة والتنمية التركي، باعتبار كونه نموذجاً إسلامياً صالحاً للاعتماد والاستنساخ.
ــ تهجين العلمانية والإسلام: إن العلمانية في بعض معانيها تنسجم مع الإسلام في أصوله وأهدافه. وإذا صحّ الحديث في العلمانية المنسجمة مع الاسلام، فهي تعني إقامة الدين بطريقة علمية ومعاصرة تنسجم مع متطلبات العصر وظروف الواقع، وتستوعب كل منجزات التطور والحداثة.
إن أكثر من تجربة معاصرة وغير معاصرة تقوم على قراءة خاطئة في الدمج بين العلمانية والإسلام، حيث تأخذ من بعض اشكال العلمانية مثالبها، ومن الإسلام شكله وطقوسه، مما يؤدي إلى نموذج هجين يفرغ الإسلام من مضمونه وأهدافه، ويقتصر إلى حدّ بعيد على الخطاب والطقوس والشعارات، ويسعى إلى استخدام الحس الديني لأهداف ومصالح سياسية وغير سياسية.
إن نموذج حزب العدالة التنمية التركي هو نموذج علماني يعتمر قبعة إسلامية، لأن السؤال هو أين البعد الإسلامي في الاقتصاد؟ وأين البعد الاسلامي في السياسات الاجتماعية، وأين البعد الإسلامي في السياسة الخارجية، والموقف من الهيمنة الغربية والاحتلال الاسرائيلي، بل أين البعد الإسلامي في مجمل سياسات وتوجهات حزب العدالة والتنمية؟ إن من كان إسلامياً لا يمكن أن يكون ليبرالياً في الاقتصاد. ومن كان إسلامياً لا يمكن أن يكون أطلسياً في الانتماء، ومن كان إسلامياً لا يمكن أن يكون متحالفاً مع أميركا وإسرائيل، ومن كان إسلامياً لا يقتصر من الدين على اسمه، ومن الإسلام على رسمه، فيما يفارق المضمون، ويغادر الأهداف، ويهجر المقاصد.
ــ إمبراطوري عثماني: إن ما ظهر في العديد من خطابات قادة حزب العدالة والتنمية، هو التأكيد على البعد الإمبراطوري العثماني في العقل السياسي لذلك الحزب وتوجهاته وسياساته، وخصوصاً إذا انضمت إلى مكونات ذلك العقل نزعتان: غربية استعمارية وأطلسية استعلائية.
إن من يعمل على تحليل البنية النفسية والفكرية لخطاب قادة حزب العدالة والتنمية، يجد هذا البعد الإمبراطوري العثماني واضحاً ولن يجد كثير عناء في تلمس بصماته. أما تعابير هذا البعد ونتائجه فتتمثل في أن يغذي من جهة سياسات توسعية لدى قادة حزب العدالة والتنمية، ومن جهة أخرى سوف يعمل على إيقاظ كل الماضي بمآسيه وآلامه، وكل ذلك التاريخ المظلم والقاسي، الذي دونت سطوره التجربة العثمانية المقيتة في بلادنا العربية والإسلامية.
ــ النزعة القومية: وهي نزعة يمكن ملاحظتها بوضوح سواء في السياسة الداخلية أو الخارجية لحزب العدالة والتنمية. لا يقتصر الأمر على كيفية تعامله مع القضية الكردية، أو الأرمنية فقط، بل أيضاً في قضايا داخلية تحمل أبعاداً مختلفة وتنطوي على أكثر من تمييز عرقي أو طائفي أو مذهبي، وأكثر من فعل ذي طابع استبدادي، يقوم على احتكار السلطة وفق نظرية الحزب الحاكم. إن بعض ما يتبدى على أنه تنازلات في سياسة الحزب تجاه القضية الكردية، قد لا يكون إلا مجرد ترتيب للأولويات، في ظل ما تشهده المنطقة من تحولات كبيرة. إن المسرح الجيوسياسي الذي سوف تعبر تلك النزعة فيه عن نفسها هو على نحو أساس المنطقة العربية، لكن هذه المرّة بلغة إسلامية ووجه أوروبي، وإن كان المضمون يشي بشيء من عقدة التّفوّق الإمبراطوري والقومي، الذي لن يجد كثير ترحيب في الوجدان العربي والوعي الإسلامي.
الخلاصة: إن النموذج الذي يقدمه حزب العدالة والتنمية التركي، هو نموذج ليبرالي اقتصادي، يقيم مع الكيان الإسرائيلي الكثير من الاتفاقيات العسكرية والأمنية والاقتصادية... التي يستفيد منها ذلك الكيان إلى أبعد الحدود. وهو نموذج ينتمي إلى الحلف الأطلسي، ذي النزعة الاستعمارية الاحتلالية، ويقيم تحالفاً استراتيجياً مع أميركا، ويصدر عن دمج هجين بين العلمانية والإسلام، يفرغ الإسلام من مضمونه، ويقدّم العلمانية بلبوس إسلامي. هو نموذج لا تغيب عن عقله السياسي محركات إمبراطورية عثمانية وقومية، ذات نزعة استعلائية توسعية استبدادية، تتبدى في السياسة الداخلية احتكاراً للسلطة وفق نظرية الحزب الواحد.
إن نموذجاً كهذا لا يمكن أن يكون إسلامياً، وليس نموذجاً صالحاً أن تعتمده حركات الإسلام السياسي، وخصوصاً تلك التي أصبحت في سدّة الحكم أو شريكاً في
السلطة.
* أستاذ في الجامعة الإسلامية في لبنان