بدأت علاقتي مع لبنان، مشرقية؛ حين وقعت، وأنا طالبة جامعية، على مؤلفات أنطون سعادة، فرحتُ ألتهمها، وأطارد ما كتبه الآخرون عن هذا المفكر الكبير. ومذ ذاك، تشكّل إيماني بأنه لا بد من قاعدة واقعية تنطلق منها وحدة العرب الكبرى، هي الهلال الخصيب. وربما كان أهمّ حدث في حياتي المهنية، ذلك التحقيق الطويل حول الفكرة الملهمة في أسبوعية «الهلال» الأردنية، عام 2003.


لم أتوقع أن تكون زيارتي الأولى للبنان، في السياق نفسه. وحين دعيت للمشاركة في أعمال اللقاء المشرقي دفاعاً عن سوريا، شعرت بأننا أمام محطة نوعية في النضال اليومي الذي خضناه ونخوضه في بلدنا، إلى جانب سوريا الدولة، مقاومين صنوف التخوين والتكفير والتضييق، لا لسبب إلا لإصرارنا على حمل لواء المشرق الحضاري في وجهه الجهل والتجهيل والتقسيم والفتنة المذهبية والطائفية بين أبناء هذه الجغرافيا المنذورة للتعددية والتقدم
والمقاومة.
صدق حدسي؛ فخلال أيام قلائل من «اللقاء» في بيروت، تمكنا من الخروج برؤى وأفكار ومواقف أوضحت وبلورت الخطوط الأساسية لمعنى المشرقية اليوم، ومعنى الدفاع عن الجمهورية العربية السورية، ومعنى ارتباط المقاومة بالنهج التنموي
الوطني.
أتيحت لنا الفرصة للقاء زملاء من كل الأطراف والأطياف في المشرق العربي، وعلى الأخص، سعدنا بالحوار مع أهلنا من المعارضة السورية التي لا تزال في الداخل، ترفض حمل السلاح، وتعتبر أن شرعية السلاح هي حكر على الجيش العربي السوري. ترفض العمالة والارتباط بالأجنبي، وتأبى هدم الوطن والدولة.
وقد يتخيل من يقرأوني الآن أن تلك المعارضة سهلة طيعة لينة، لكن العكس هو الصحيح؛ فالمعارضون الوطنيون السوريون، على تمسكهم بالثوابت الوطنية، متمسكون، بالقدر نفسه، بالإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تحتاج إليها
سوريا.
اجتمعنا، مثقفين وكتاباً وسياسيين ونشطاء، في ظل المشرقية، وعملنا معاً على التوصل إلى حلول منصفة وواقعية وتوافقية، تضمنها «إعلان بيروت دفاعاً عن الجمهورية العربية السورية».
يتضمن هذا الإعلان رؤية مشتركة تضمن اتحاد جميع السائرين في خط وطني تنموي في بلاد المشرق، بخصوص الأزمة السورية، رؤية تمثلت فيها مواقف النظام والمعارضة، والشيوعيين والقوميين والليبراليين والوطنيين، رؤية ثالثة واقعية تصلح لتوحيد جهود الحركات الشعبية، ولكنها تشكل، أيضاً، قاعدة للتفاهم بين الحكومات المشرقية التي آن لها أن تعرف ضرورة كلمة (لا) في مواجهة المشروع الصهيو أميركي لسايكس بيكو 2.
ضخ «اللقاء المشرقي» الدماء في أوردتنا على حافة عاصمة الإبداع والمقاومة، بيروت، وأشعرنا، بالملموس، أن هناك نواة مشرقية عروبية لا تزال تنبض بالحياة، وتناضل لقول كلمة الحق، بعيداً عن التهييج والتجييش وكل أشكال التحيزات، وترسم معالم المستقبل لمشرق عربي متحرر ومزدهر
وديموقراطي.