قبل الحراك الشعبي الذي انطلق في سوريا أواسط شهر آذار/ 2011 كان العمل السياسي، وخاصة المعارض منه، أكثر وضوحاً وسهولة، بما فيه ما يتعلق بالوجه الاستراتيجي، والوسائل المستخدمة، والبرامج والمهمة المركزية.


كان الاتجاه الرئيسي والكتلة الأكبر والأكثر فعالية من النخب المعارضة متّفقة بصورة واضحة وفي نصوص ووثائق أن المهمة المركزية هي التغيير الديموقراطي، من خلال تبنّي استراتيجية الانتقال التدريجي السلمي الآمن، وكان المقصود بالآمن رفض كل أشكال العنف الداخلي، ورفض أي تدخل خارجي من أي طرف، وخصوصاً رفض التدخل العسكري، واتفق ذلك الطيف الواسع من المعارضة على ذلك بالضبط خوفاً من إمكانية تحوّل أي أحداث دراماتيكية في سوريا إلى اقتتال داخلي، مع تكاليف باهظة، وفتح المجال بصورة حقيقية أمام التدخل الخارجي، كنا ندرك جيداً خطورة هشاشة البنية المجتمعية السورية التعددية، وخطورة غياب تجربة وتراكم ديموقراطي ذي مغزى، ما يعني إمكانية تقدم العصبيات المتخلّفة وعلى رأسها الطائفية، وخاصة أن موجة الصراع العنيف بين الإخوان المسلمين وطليعتهم من جهة والنظام من جهة أخرى قد تركت آثاراً كارثية، وبذلت فيها جهود كبيرة جداً من أجل استغلال بعض سمات في النظام السوري، كنظام استثنائي ودكتاتوري، ومظهر طائفي في قمة الهرم السياسي وخط مراكز النفوذ العسكرية والأمنية، استغلالها في شحن طائفي مميت، على الرغم من الطابع الاجتماعي، الطبقي، السياسي للنظام، وعلى الرغم من تمثيله الديموغرافي الوطني لكامل الفئات والأطراف بصورة متوازنة نسبياً، وبما لا يقارن إطلاقاً مع الطابع والنهج والجسد المذهبي والطائفي للإخوان المسلمين، وكانت تلك النخب على ثقة مطلقة بأن النظام لن يغيّر طابعه الدكتاتوري الاستثنائي ونهجه القمعي في مواجهة أي حراك نخبوي أو شعبي مستقل، وسيستخدم القمع العنيف، بما فيه العسكري في حال قيام أي تحرك واسع وجاد، وكانت النيات هي العمل على حراك سلمي وأخلاقي مهما كلف الأمر ومهما فعل النظام عنفياً.
في ذلك الطيف الواسع من النخب المعارضة، كان هناك مَن بدأ يظهر الاختراق في وعيه الوطني _ الديموقراطي بالتدريج، بشكل خاص بعد الاحتلال الأميركي للعراق، وذلك من خلال استبطان استراتيجية إسقاط النظام مع كامل الوسائل والتحالفات الضرورية لخلق التوازن المطلوب من أجل ذلك، أي استبطان ضرورة التدخل الخارجي العسكري من أجل التغيير الديموقراطي، واستبطان الاستعداد للتواطؤ واستخدام العنف الداخلي أيضاً، وجرت معارك كبرى بين الاستراتيجيتين والاتجاهين بدءاً من إطلاق إطار إعلان دمشق، وخرج الاستبطان إلى العلن بصورة تدريجية، وصولاً إلى ما سُمّي موجةَ الربيع العربي.
والحراك السوري انطلق في 15 آذار 2011 وما بعده كان سريعاً حراكاً شعبياً واسعاً، ذا طابع سلمي على العموم، اشتركت فيه كتلة شعبية كبيرة في أكثر من محافظة تضامناً مع درعا، وكرد فعل سريع على إدارة قمعية من جهة النظام على ما جرى في المدينة، لكن سريعاً ما تكشّف أن هناك عنفاً مسلحاً مبكراً من طرف ما في جهة الحراك الشعبي، انتقل وتطور من مكان إلى آخر ليقفز قبل مرور ثلاثة أشهر على الحراك إلى عنف واسع جداً وشديد في كامل منطقة جبل الزاوية، ما عدا المعرّة؛ إذ منع الجيش السوري حصوله فيها، ففي يومي الجمعة والسبت الثالث والرابع من حزيران 2011 لم يبق مكان حكومي في جبل الزاوية إلا هاجمته مجموعات مسلحة متشددة دينياً واحتلته، وحصلت مجزرة بدم بارد تجاه مفرزة التحقيق العسكري، كل ذلك في وقت لم يكن فيه عنف السلطة عموماً وبشكل خاص في جبل الزاوية وجسر الشغور قد وصل إلى حدٍّ يسمح بالقول إن الأمر ردّ فعل في إطار الدفاع عن النفس ضد عنف السلطة، ومن حينه غدا واضحاً جداً بالوقائع المتنوعة أن الوضع السوري قد دخل سياقاً خاصاً بعيداً عن الأطروحات القائلة إن هناك حراكاً شعبياً ثورياً، أو انتفاضة شعبية ثورية، أو ثورة، وكذلك بعيداً عن أطروحة النظام التي تركز من حيث الإطلاق أو الأساس على أن الأمر أمر مؤامرة لا غير. لقد بدأ التخوف القديم بالتحقق، سوريا تدخل في سياق أزمة وطنية شاملة، مستعصية على الحلول العنيفة والقصوية، لأسباب عدة متنوعة ذات طابع تاريخي ملموس في الإطار الداخلي السوري، كذلك لأسباب أخرى مهمة خارجية تدخلية، وتعمل فيها المؤامرة دوراً كبيراً، إذ تحققت الكثير من الشروط التي سمحت بذلك.
1ـــ كانت مسؤولية النظام حاسمة في التراكمات السلبية ومجموع الأزمات الصغيرة التي سمحت ببقية التفاعلات قبل الأزمة وخلالها في البدايات، ليس فقط لأنه النظام (سلطة، دولة ومؤسسات) الذي يدير أهم التفاصيل في حياة الوطن، بل لأنه نظام استثنائي، قمعي ودكتاتوري، لم يغيّر شيئاً مهمّاً في طبيعته ونهجه وممارساته، منع وغيّب بالقمع أي حراك سياسي عقلاني، حل قضية صراعه مع الإرهاب الديني بسبل أمنية وعسكرية بعيدة عن أي تفكير سياسي جدي ليخلق جبهة موحدة ضد حلفهم، مارس عقوبات استنسابية ضدهم، أسهمت بمراكمة شحن طائفي عميق استغل بصورة بشعة مع موجة الربيع العربي، احتكر المسألة الوطنية التي تحتاج أكثر من أي مسألة إلى جبهة واسعة لمواجهة عدو كالكيان الصهيوني، أغلق جبهة الجولان واعتمد استراتيجية التوازن المتطور المستقبلي في الصراع مع الكيان، واعتمد تحالفات متطورة بعضها ثابت ومستقر من أجل ذلك، ولم يسمح قطّ للاتجاهات السياسية والفكرية والثقافية العلمانية والمستنيرة بأن تشكل معارضة جادة، بل مارس تجاهها القمع المتواصل الشديد، بينما بتساهله مع الفكر الديني وتشجيع مؤسساته بصورة لا مثيل لها في العالم الإسلامي، وبذلك هيّأ شروطاً مناسبة للاتجاهات التكفيرية والجهادية، بل شجّع بعضها من منظورات تكتيكية بعد الاحتلال الأميركي للعراق، وانقلبت عليه. في المحصّلة البعث الذي استطاع مرة أن يمسك صحيحاً بالمركب الوطني _ الديموقراطي قبل تسلمه السلطة، وكذلك أن يعبّر في عدة قضايا اجتماعية واقتصادية عن مصالح فئات وسطى واسعة وأن يتحول إلى حزب شعبي قوي فعال، وأن يفرض الكثير من التطورات في الوطن السوري، ضيّع هذا الالتقاط على حساب احتكاره للسلطة، وركّز على المسألة الوطنية حتى احتكارها واستخدامها في مصلحة الحدّ الأول فضيّع أشياء كثيرة فيها أيضاً.
2ـــ إن التاريخ السوري المعاصر قد أوضح أن البنية المجتمعية السورية تختزن الكثير من الاستعداد للعنف، تختزن اتجاهات فكرية وسياسية متطرفة، وقوى وفعاليات تعمل على أساسها، ووصلت سوريا أكثر من مرة إلى حالة حرب أهلية (نهاية القرن التاسع عشر) واقتربت من حواف الحرب الأهلية بصراع الإخوان العنيف والإرهابي مع النظام، وكذلك لحظات مرض الرئيس السابق وانقسام وحدات الجيش والأمن والحزب وقياداتها في مستويات عدة كادت تؤدي إلى اقتتال واسع، وأسهم في ذلك غياب أي تراكم ديموقراطي على مدى طويل، فسمح بتقدم العصبيات المتخلّفة، وخاصة الطائفية.
3ــ اتّضح أن البنية التعددية السورية هشّة أكثر بكثير مما هو متوقع. صحيح أن الوطن السوري عرف مراحل مهمة من حياة السلم الأهلي والمجتمعي والوطني، لكن في كل مرة تحصل فيها أحداث داخلية كبرى كانت تتقدم العصبيات وتظهر الهشاشة، ويتضح أن التغنّي بقوة تعايش التعددية الفسيفسائية ليس صحيحاً.
4ـــ كذلك إن الطاقة الجيوسياسية السورية، ومستوى التناقضات والصراعات التي تحققت مع الكيان الصهيوني وحلفائه، رغم كل ما ذكرناه عن الهشاشة والبنية... إلخ، جعلا العيون دائماً على الساحة السورية من أجل أخذها إلى سياقات أخرى، وإجراء تغيير جذري في قضايا التناقض والصراعات والتحالفات التي تشكلت.
5ـــ في ذلك الإطار، تميّز الحراك الشعبي الواسع سريعاً بعدد من السمات أخرجته من الفعل الثوري، أهمها: (أ) اتخاذه لطابع مذهبي في كتلته وجسده، أي إن مجموع المذاهب والأقليات الأخرى لم تشارك فيه على المستوى الشعبي قط، رغم الاشتراك الضيق لنخب معارضة من مجموع التنوع المذهبي والديموغرافي السوري، لكنها كانت ضيقة، بلا فعالية، محاصرة بقوة ومرفوضة من بيئاتها الاجتماعية والمذهبية، وبذلك أطلق الحراك حقلاً طائفياً، وحقلاً آخر مضاداً بسرعة كبيرة، واشتغل كما فعلت سمة النظام الجزئية طائفياً عندما أطلقت ذلك بصورة جزئية وتراكمية على مدى طويل، لتستغل الحركة الدينية ذلك أسوأ استغلال. (ب) تواطأ الحراك مبكراً مع العنف الذي أطلقته الاتجاهات الدينية المتطرفة، وشكل بيئة حاضنة له في الكثير من المواقع. (ج) فرض الحراك بقاعه الشارعي والمجتمعي استراتيجيته وشعاره المركزي كما حصل في بعض البلدان العربية الأخرى، إسقاط النظام، العنف باسم الدفاع عن النفس، والاستعداد لقبول التدخل الخارجي، والعمل على أجندة تدمير الدولة ومؤسساتها، وإفراغها، وخاصة قسم الجيش، تلك الأجندة التي اشتغل عليها الخارج الدولي بصفة المؤيد والداعم للحراك، وكذلك كتلة كاسحة من مجموع النخب السورية المعارضة في الخارج.
6ـــ وكان من أكثر العوامل أهمية وخطورة موقف النخب السورية المعارضة، بسرعة كبيرة انجرّت إلى تأييد الحراك الشعبي بكليّته دون أي مسافة نقدية فاصلة، وغيّرت استراتيجيتها من التغيير السلمي التدريجي الآمن، إلى إسقاط النظام وتبرير العنف بصيغ عديدة متهافتة، والتواطؤ مع العنف، إلى التشجيع الصريح للتدخل الخارجي بما فيه العنف، وبذلك باعت وعيها وتحليلاتها ومنطقها، وتركت كتلة شعبية واسعة لم تستقطب إلى العنف، واعتمدت مفهوم الثورة والشروط الثورية والوسائل الثورية وإمكانية تحقيق الأهداف الثورية، ورأت أن الشعب يقف في صف واحد ضد الدكتاتورية، وبحكم ضعفها وانقسامها وهجرتها إلى الخارج، في وقت كانت تستطيع فيه البقاء، تحولت إلى الالتحاق بقوى الخارج والخضوع لها وللقوى الدينية المتطرفة القوية عنفياً.
7ـــ في تلك الشروط كان العامل الخارجي جاهزاً أكثر من أي طرف أو عنصر آخر، بل كان قد اشتغل طويلاً على قسم من الشباب السوري (دورات متنوعة وكثيرة باسم حقوق الإنسان وتمكين المرأة والتقنيات الإلكترونية والإعلام، إلخ)، بسرعة كبيرة أظهر النظام التركي طموحاته، وانحاز فوراً في الصراع وفتح حدوده لكل شيء، وبدأ يعمل على أن سوريا حلقة ضعيفة يمكن إسقاطها وتحقيق طموحات استراتيجية عبّر عنها وزير خارجيتها في كتاب شهير (2001): «في العمق الاستراتيجي»، وكذلك دول الخليج والعالم الأوروبي الرسمي وأميركا، تدخلات من كل نوع، بلا حدود، وأهداف صريحة.
وحقق كل ذلك نتائج خطرة جداً حتى الآن، بعض أهمها تشير جدياً إلى شراسة المعركة الدائرة، وإلى احتمال دخول المواطن السوري حالة الكسر، وعلى الطريق احتمال الانزلاق الواسع إلى الحرب الأهلية والطائفية بوجه خاص، وكذلك إلى احتمال المزيد من أشكال التدخل الخارجي المباشر وغير المباشر.
ومن أهم المؤشرات على ذلك:
(أ) حالة انقسام وطني عميق على المستوى الشعبي والمجتمعي والنخبوي، على المستوى السياسي والفكري، على مستوى العلاقة مع الخارج وقبول التدخل، ثلاث كتل اجتماعية: كتلتان مستقطبتان إلى الصراع العنيف بقسم مهم منهما، مستعدتان للمضيّ مع طرفي الصراع إلى النهاية والموت، وتشكيل وقود العنف والدم بصورة فعالة، وكتلة واسعة رفضت الاستقطاب، تريد الخروج من الأزمة بأقل التكاليف الممكنة، وتقع عليها أكثر التكاليف بهظاً وفداحة. معارضة على الرغم من انقساماتها، جزء منها منضم بوعيه وخياراته إلى ما يسمى صفّ الثورة بأشكال عديدة، إلى صفّ العنف وصفّ التدخلات الخارجية واستراتيجية إسقاط النظام (إطار الدوحة، وهيئة التنسيق من حيث الجوهر) ومعارضة أخرى تحاول التعبير عن طموحات الكتلة الشعبية الغالبية، وتأكيد استراتيجية التغيير السلمي، وطرح منظومة مفاهيمية وبرنامجية متوافقة مع حالة قيام أزمة وطنية.
(ب) مساحة واسعة من الجغرافيا السورية في أيدي معارضة مسلحة، دينية متطرفة وتكفيرية، مساحة مفتوحة من جهة الحدود والنظام التركي بموقف منحاز ومطامع جدية، واتفاق على الدور مع الجهة الأميركية.
(ج) عمليات انشقاق عن الجيش واسعة وذات طابع طائفي على العموم.
(د) عمل خارجي وداخلي في مناطق المعارضة المسلحة على تدمير الدولة وهيبتها، وخلق سيطرات أخرى و«شرعيات ثورية» أخرى، وأشكال من المؤسسات المختلفة.
(هـ) توازن واستعصاء في إمكانية الحسم العسكري بسهولة وسرعة، فالأمر مفتوح ومكلف جداً في إطار استمرار الاستقطاب الإقليمي والدولي، وخاصة على دعم المعارضة المسلحة بكل ما هو متاح.
طابع المعركة القائمة، وأولوية المهمات
ما إن تحوّل الوضع في سوريا إلى حالة أزمة وطنية شاملة مستعصية، حتى طُرحت ضرورة الثقافة والمفاهيم والقيم والحلول الخاصة بالأزمات الوطنية. كانت المهمة المركزية قبل الأزمة هي التغيير الديموقراطي التدريجي السلمي الآمن، ومع الأزمة تتحوّل المهمة المركزية إلى ضرورة وقف العنف والخروج من الأزمة بصورة آمنة أو بأقل التكاليف.
وهنا يطرح البعض ضرورة لحظ خطورة وأهمية التدخل الخارجي بأشكاله المختلفة، مباشرة (إسرائيل وتركيا) ومرتزقة من شتى أنحاء العالم بدعم وتشجيع وتمويل صفّ عالمي واسع على رأسه الإدارة الأميركية، وغير مباشرة كثيفة ومتصاعدة، مفتوحة دون توقف. ويرى هذا البعض أن هذه حرب على الحرب على الدولة السورية، حرب على النظام السوري مهما كان موقفنا منه، حرب على الجمهورية العربية السورية مهما عنينا بهذا المصطلح، بالتالي حرب على تحالفات الدولة والنظام وعلى نهجه، حرب على صفّ وتحالف المقاومة ضد الكيان الصهيوني، لكسر الحلقة السورية وكسر بقية الحلقات في لبنان (حزب الله وحلفاؤه)، وصولاً إلى الهدف الأكبر (طهران ومشروعها بالكامل)، ثم على بقية حلف المقاومة في كل مكان من المشرق العربي والمنطقة العربية.
بلا شك، هناك هجوم واسع جداً، بل هي حرب على سوريا، لا على النظام بالمعنى الضيّق، كل التكاليف والأثمان والدمار، وخاصة التركيز على تدمير الدولة مع كل الاحتمالات الخطرة التي يمكن أن تنجم عن ذلك يستهدف سوريا وطناً وجغرافيا ودولة وشعب، يستهدف التعايش الأهلي والمجتمعي والوطني، إلخ. ومثل هذا يجعل من المهمات شيئاً مركّباً ومعقّداً بحد ذاته، وذلك بعد التغيير الضروري على أولوية المهمة التي كانت قائمة قبل الأزمة، لتصبح هناك ضرورة حتمية في الاستعداد لمواجهة التدخل الخارجي ومقاومته، وإطلاق مقاومات شعبية مسلحة في كل المواقع المحتلة من الجغرافيا السورية.
لكن بسبب الانقسام الوطني العميق الذي لم تعرف له سوريا مثيلاً من قبل، وخاصة في حقل التحالف مع الخارج وقبول تدخله، والتواطؤ مع الكيان الصهيوني، وقلب العداوات والتناقضات والصراعات، بذلك يبقى الوجه الأكثر بروزاً وخطورة هو حالة الأزمة الوطنية الشاملة المستعصية وضرورة وقفها ووقف العنف والخروج منها، ومنع الانزلاق الواسع إلى أشكال محتدمة أكثر في الحرب الأهلية الواسعة، وهذا لا يتناقض إطلاقاً مع ضرورة مواجهة الحرب والعدوان الخارجي على سوريا. المهمة الأولى تفترض حواراً سريعاً مباشراً بمَن حضر، دون اشتراطات، وفي الوقت نفسه تعزيز دور الدولة ومؤسساتها، ولا سيما الجيش، على مواجهة العنف والتطرف الديني التكفيري، وتشجيع الأطراف المعارضة الأخرى التي تدّعي أنها داخلية ووطنية وسلمية، والعمل على خلق تناقضات في صفوف الإطارات المتطرفة، ومحاصرة أي شرعية داخلية وخارجية للتطرف والعنف، وخاصة لتلك الأطراف التي ستتابع رفضها للحوار.
إن اعتبار الأمر حالة أزمة وطنية يفترض عدم إقحام القوى الشعبية، وخاصة الكتلة الغالبية، وكذلك قوى التغيير السلمي لنفسها في الحرب الأهلية.
وفي الوقت نفسه يجب العمل جدياً على تشكيل مقاومة شعبية وسياسية للقتال في الجولان والشريط المحتل حديثاً من تركيا وفي أراضي لواء الإسكندرون المحتل.
كذلك تفترض شروط الأزمة السورية وتعقيداتها مدّ المعركة إلى كامل الساحة العربية وخصوصاً في المشرق العربي، وتوسيع جبهة المقاومة، وتوسيع شبكة حلفائها في الخارج وفي المنطقة.
المشكلة الرئيسية في كل ذلك هي استمرار نهج النظام وسلوكه، فهو مصرّ على تغييب أي شرط مناسب لقيام أي جهد وطني وإطلاق جبهة واسعة واحدة ضد التدخل الخارجي، وضد المرتزقة، كما ضد الاتجاهات الدينية التكفيرية والاتجاهات الليبيرالية التي تمد يدها للخارج وتدخلاته. إنّ جبهة داخلية واحدة واسعة غير ممكنة من دون تحولات جادة وعميقة في النظام والسلطة على الصعيد الديموقراطي، وصعيد العمل بروح تشاركية وطنية، وهيئات وطنية تشاركية أيضاً. لكن غياب هذا الأمر، ورفض النظام له، لا يجوز أن يمنعنا إطلاقاً من ضرورة فهم المعركة وخوضها من خنادق مختلفة ضد أعداء مشتركين وموحدين، أعداء للوطن والدولة والمقاومة.
اقتراحات
1ــ إلى القوى داخل سوريا (نظاماً ومعارضات)، للعمل على قيام جهد وطني داخلي قبل مؤتمر جنيف، عبر مؤتمر حوار وطني بالتغاضي عن صاحب الدعوة، أو عبر عدد من الجلسات التشاورية والتنسيقية، استعداداً لمؤتمر جنيف والمعركة السياسية المحتملة فيه ضد الصف الأميركي الخارجي والداخلي، وضد الاتجاه الديني المتطرف والتكفيري.
2ــ إلى النظام السوري: للعمل على بناء جبهة شعبية وسياسية داخلية واسعة لمواجهة التدخلات العسكرية والخارجية المباشرة، والاتجاهات الإرهابية والتكفيرية العنيفة داخل الوطن، وإنّ هذا غير ممكن من دون إطلاق عملية سياسية بمَن حضر، ومن دون تطورات ديموقراطية جدية بمنطق وطني تشاركي وهيئات عمل وطنية مشتركة. وفي هذا الإطار سيكون مهمّاً أن يقدم للمعارضة وسيلة إعلام مرئية، أو عدد من الساعات والبرامج اليومية تديرها بنفسها ونهجها، وسيشكل هذا بداية كسر لاحتكار وسائل الإعلام الوطنية وطريقة عمل السلطة فيها.
3ـــ إلى القوى والنُّخَب السورية الداخلية لتشكيل مقاومة جادة في الجولان والشريط المحتل من قبل النظام التركي ولواء الإسكندرون.
4ـــ دعوة قوى وفعاليات المقاومة في المنطقة إلى مؤتمر واسع ووضع مهمات خاصة بهذا الحقل.
5ــ تشكيل فريق ضيق وزيارة عدة بلدان ذات دور مهم في الأزمة السورية، وكذلك عدد من البرلمانات الأوروبية وشرح واقع الأزمة، والوقائع الأخرى من منظورات الأوضاع الإنسانية والمعيشية الصعبة، ومستوى تطرف قوى المعارضة المسلحة ومخاطر تقديم الدعم لها.
6ــ إلى المعارضة السورية الداخلية، لمراجعة أطروحاتها، وتطوير التنسيق في ما بينها.
* ورقة مقدمة من القيادي في حزب العمل الشيوعي السوري إلى «اللقاء المشرقي دفاعاً عن سوريا» الذي عقد في بيروت بين 5 و6 تموز 2013