خلال أربعة وثلاثين يوماً حصلت تطورات في ثلاثة أماكن: اندلاع تظاهرات كبرى في ميدان تقسيم في إسطنبول (31 أيار 2013)، وتخلّي أمير قطر عن الحكم لابنه ولي العهد (25 حزيران)، واعتصامات جماهيرية مليونية ضد حكم الرئيس المصري محمد مرسي انتهت بانقلاب عسكري أطاح حكم جماعة الإخوان المسلمين في القاهرة (30 يونيو _ 3 يوليو).

هذه التطورات الثلاثة هي على ترابط بحيث يمكن وصفها بأنها حدث واحد يندرج تحت الوصف الآتي: توقف مدّ التيار الاسلامي وبدء دخوله في مرحلة الجزر، ما دام الذي جرى في إسطنبول هو بمثابة اهتزاز داخلي لـ«المشروع _ النموذج الاسلامي»، الذي تم تسويقه خلال عقد مضى من الزمن، والذي حصل في الدوحة كان إزاحة لصاحب «كيس النقود» و«الوسيلة الاعلامية» (محطة الجزيرة) للتيار الاسلامي، فيما كان ما جرى في القاهرة هو سقوط مدوّ اجتماعي _ سياسي لتجربة «الجماعة _ الأم» بعد سنة أولى سلطة أفقدتها «عذريتها السياسية» التي حافظت عليها رغم المحن التنظيمية _ السياسية التي مرت بها خلال أربعة وثمانين عاماً من عمرها قبل وصولها إلى حكم مصر في يوم 30 يونيو 2012.
هذا الحدث هو زلزالي على مستوى المنطقة والعالم الاسلامي، وبالتأكيد على المستوى الدولي، ما دام يؤشر على توقف حركة المدّ لتيار سياسي، والبادئة منذ أوائل عقد السبعينيات من القرن الماضي، والتي _ أي هذه الحركة المدّيَّة لهذا التيار _ هزّت بلداناً عدة (سوريا 1979_1982، الجزائر 1989_1999)، وأقامت مقاومة إسلامية عالمية داخل أفغانستان ضد السوفيات (1980_1988) ساهمت في ميلان التوازن العالمي لمصلحة واشنطن، ما عجّل في سقوط الكرملن بالحرب الباردة أمام البيت الأبيض، ووصل فصيل من هذا التيار إلى السلطة عبر الانتخابات (أنقرة 2002)، قبل أن تُظهر حركة التيار الاسلامي السياسي أنه الأقدر على العوم في بحر الانتفاضات الاجتماعية العربية ضد النظم الحاكمة في فترة «الربيع العربي»، ولتصل من خلال ذلك التنظيمات الاسلامية إلى السلطة في تونس والقاهرة عبر صناديق الاقتراع في عامي2011 و2012.
على عكس المدى الزمني الطويل لحركة مدّ التيار الاسلامي فإنّ دخوله في مرحلة الجزر كان سريعاً بعد تجربة قصيرة في السلطة، سواء في القاهرة أو أنقرة. هذا الأمر لم نره عند القوميين العروبيين الذين بدأ مدّ تيارهم بعد نكبة فلسطين عام 1948، ولم يدخلوا في مرحلة الجزر السياسي إلا إثر هزيمة 5 حزيران 1967. هذا الحراك للتيارات من المد إلى الجزر تظهر علاماته من خلال أحداث مفصلية، مثل حرب 1967 عند العروبيين وضياع فلسطين عند الليبراليين السوريين الذين كانوا حاكمين في دمشق عام 1948، وإن كانت النقطة التي قلبت حراك الليبراليين من مدّ إلى جزر في مصر قد كانت سابقة عن الشام (ومصر هي دائماً نقطة البدء التي تفتتح المراحل العربية، وهي نقطة بداية النهاية لها) لما أجبرت الدبابات البريطانية المقتحمة لقصر عابدين يوم 4 فبراير/ شباط عام 1942 الملك فاروق على تعيين زعيم حزب الوفد، وهو وريث زعيم ثورة 1919، رئيساً للوزراء في القاهرة.
في إسطنبول شهر حزيران 2007، كان لافتاً لصاحب هذا المقال، أثناء حضوره لندوة هناك، أن تكون اتهامات الأتاتوركيين والماركسيين الأتراك لأردوغان متركزة على كونه «معتمداً أميركياً» في بلاد الأناضول. في عامي 2011_2012 كان صعود التيار الاسلامي إلى السلطة، في تونس ومصر، معتمداً على رضا أميركي، على ما يبدو أنه أتى من اعتقاد عند البيت الأبيض بأن الأفضل هو الاعتماد على أنظمة لها جذور اجتماعية تظهر عبر مرآة صندوق الاقتراع بدلاً من أنظمة ديكتاتورية بدون جذور في مجتمعاتها، حيث تفادت أميركا من خلال تلاقيها مع التيار الاسلامي، عند سقوط بن علي وحسني مبارك، أن يكون مصير تونس 14 جانفي 2011 والقاهرة 11 فبراير/ شباط 2011 مماثلاً لما كان يوم 11 شباط 1979، لما ظلت واشنطن حتى اللحظة الأخيرة في داخل سفينة شاه إيران الغارقة.
لم تمانع واشنطن في كسر الرئيس مرسي يوم 12 أغسطس/ آب 2012 لثنائية العسكر _ الإسلاميين لما أحال المشير طنطاوي والفريق سامي عنان على التقاعد وألغى «الاعلان الدستوري المكمِل» الذي أصدره «المجلس العسكري الأعلى» قبيل أسبوعين من تولّي مرسي لمنصب الرئاسة، والذي كان يراد منه أن يحكم العسكر من وراء ستارة الحكم المدني، كما كانت الحال في تركيا منذ تأسيس «مجلس الأمن القومي» عام 1963 بعد ثلاث سنوات من انقلاب1960 العسكري ضد رئيس الوزراء عدنان مندريس. في هذا الإطار تندرج الإرادة الأميركية في تولية أنقرة _ الدوحة للملف السوري المعارض خلال عامي2011 و2012 بكل ما يعنيه هذا من تصدر الاسلاميين للمشهد السوري المعارض ومن رغبة أميركية على ما يبدو كانت موجودة آنذاك لا تمانع في تكرار دمشقي لسيناريو الغنوشي _ مرسي.
انقلب هذا المشهد الأميركي إثر ثلاث محطات: مقتل السفير الأميركي في بنغازي (أيلول 2012) لما فوجئت واشنطن بحصاد «اليوم التالي» الذي ارتدّ ضدها في بلد دفعت «الناتو» إلى تغيير نظامه بالقوة. غزو مالي (كانون الثاني 2013) لما ظهر أن معظم الأسلحة التي جابه بها الاسلاميون الفرنسيين هناك قد أتت من ليبيا التي قاد الفرنسيون عملية (الناتو) فيها ضد القذافي. تفجير بوسطن (نيسان 2013). هذه المحطات الثلاث قادت إلى مراجعة عند واشنطن في ما يخص مركبها المشترك مع الاسلاميين. ظهرت أولى ارهاصات هذه المراجعة يوم 31 تشرين الأول 2012 لما أحالت وزيرة الخارجية الأميركية «المجلس الوطني السوري» على التقاعد عبر خطاب ألقته في زغرب، وليكون تشكيل «الائتلاف» بداية لنزع أيدي أنقرة من الملف السوري، وبداية رعاية واشنطن لعملية إضعاف الاسلاميين في المعارضة السورية لمصلحة «علمانيين» ترعاهم واشنطن والرياض، هم عسكريون مثل اللواء سليم إدريس، تريد هاتين العاصمتين أن يكونا عنوان «توسعة الائتلاف»، والتي هي بشكل «ما» عملية تعبير عن نزع يدي أنقرة والدوحة من الملف السوري، الذي كان سابقاً بغطاء أميركي، وعن ولادة ثنائية أميركية _ سعودية تلاقي الثنائية الروسية _ الإيرانية في رباعية ستكون المظلة الدولية _ الاقليمية للتسوية السورية.
من هذا المنطلق، يمكن اعتبار اتفاقية موسكو في 7 أيار 2013 حول التسوية السورية عنواناً لرؤية أميركية جديدة للمنطقة تشترك فيها واشنطن مع موسكو والرياض، ولا تقاومها طهران، في إرادة سياسية لتحجيم التيار الاسلامي الإخواني، تختلف عمّا كان في عامي2011 _2012 لما كانت ثنائية واشنطن _ الإسلاميين تظلّل تطورات المنطقة العاصفة، وكانت أنقرة والدوحة تعومان على سطح بحر «الربيع العربي».
هنا: هل يمكن فصل تواريخ 31 أيار في إسطنبول و25حزيران في الدوحة و30 يونيو _ 3 يوليو في القاهرة عمّا جرى في موسكو يوم 7 أيار 2013؟
أي بمعنى آخر: أليس هذا وذاك تهيئة لمسرح الأحداث اللاحقة والمستتبعة لما جرى في موسكو بذلك اليوم، والذي هو بمثابة «يالطا جديدة» على الصعيد الدولي _ الإقليمي؟
* كاتب سوري