يستعمل الصينيون للتعبير عن كلمة أزمة مصطلحين يكتبان في كلمة واحدة «المخاطر والفرص»، والهدف هو التعبير عن أهمية الاستفادة من الأزمة التي، رغم ما تحمله من مخاطر وصعوبات، بالإمكان التأسيس والبناء من جديد. المشرق في لحظة تاريخية لجمع هذين المصطلحين على أرضه، في لحظة ينتظر أن يتقدم فيها خطوة واحدة ويستفيد من الفرصة التي يمر بها ضمن هذا المخاض الطويل والصعب، فرصة بخطوة واعية وليست نقلة نوعية ضمن عملية الصراع الوجودي التي يخوضها مع ذاته ومع القوى الاقليمية والدولية.

التساؤل الذي يطرح في هذه المرحلة من عمر دول المشرق، هل تستطيع الكيانات التي تم تحديدها وتقسيمها في اتفاقية سايكس ــ بيكو أن تستمر بالوجود والحياة؟ إن حدود الكيانات اهتزت بشكل كبير وقاس نتيجة اهتزاز الهويات المتناقضة التي تعيشها، فالهوية المصطنعة التي وضعت فيها خارج دورة حياتها الاقتصادية والاجتماعية جعلتها تدور على محور الهويات النظرية التي تبنى على الشعارات والغرائز بعيداً عن الأرض والانسان. فالقومية العربية التي كانت تبني أمة من المحيط إلى الخليج باحثة عن كل صوت يتحدث حرفاً عربياً لتضمه إليها، تلك القومية التي حملتها أحزاب وحركات مختلفة، لم تستطع إنتاج مجتمع، فوصول هذه الأحزاب إلى السلطة جعلها تصبح رهن المكاتب والمؤسسات، رغم أنها استطاعت، ولا تزال، أن تستقطب إلى أحزابها، إلا أنها فقدت زمام المبادرة في إمساك المجتمع والانسان. فتكامل ضعف النظرية مع سلطة المكاتب أفسح المجال أمام الهويات الأخرى للدخول في قلب المجتمع وبقوة أكبر. ضعف القومية العربية قدم مساحة واسعة للفكر الديني بمختلف أشكاله للدخول وإمساك الارض والسماء. انتشر الفكر الديني بشكل متسارع فهو كان موجوداً، ولكن الأنظمة الحاكمة فضلت أن تستخدم معه القوة والضغط، فما كان إلا أن شكل انفجاراً دموياً في وجهها، وكان الصراع الديني والعروبي ولكن بدل أن ينتصر أحد، ظهر الصراع الديني بين المذاهب والطوائف وخاصة الاسلامية التي وضعت الفكر الاسلامي في حالة من صراعٍ داخلي أدى إلى عملية تشويه للدين بشكل كبير. ومن يتحمل تلك العملية ليس فقط «المتربصين» بالأمة الاسلامية، وإنما هم المسلمون أنفسهم، فحروبٌ باردة تارة وساخنة تارة أخرى متكررة في كل عقد من الزمن. حروب الفتن بين المذاهب تطرح تساؤلاً في حدود الفكر الاسلامي، هل أصبح المسلمون بحاجة إلى معاهدة تشبه معاهدة «وستفاليا»، التي عقدت سنة 1648 في أوروبا، واوقفت حرب 30 سنة أدت إلى مقتل 30 % من سكان القارة وأعادت رسم خارطة القارة من جديد على دماء الملايين؟ قد يختلف على التفاصيل في أسباب المعاهدة ولكن جوهرها هو وصول مسيحيي أوروبا إلى الهاوية بعد حروب عشوائية بدأت دينية بين الكاثوليك والبروتستانت، وانتهت سياسية لتقاسم الأراضي والمقاطعات. إن الفتنة التي يراد تحقيقها بين المسلمين تبدأ كما بداية حرب الـ30 عاماً بهدف تحقيق نهاية تشبهها. إن مشكلة الهويات الدينية القائمة في المشرق هي قارئ النص ومرسله، فلم يعد هناك مرجعية دينية واحدة أو متعددة ولكن ضمن أحكام الدين، لقد أصبح كل صاحب مال وسلطة يرغب في فتوى تخدم مصالحه. شيخ قد يبني مؤسسة تعليمية دينية ويجذب له أتباعاً ويصبح مذهب قائماً بحد ذاته. لقد أصبحت الفضائيات والمحاكم الشرعية وغيرها تشكل مرجعية خاصة، وهنا تشتت الرؤية وأصبحت حدود سايكس ــ بيكو «أرض جهاد»، وليكون الخطر ليس فقط على الأقليات وإنما على الأكثرية حين تدخل في تدمير جسدها ذاتياً.
على هذه الأرض التي تعيش أزمة الهويات من فوق، صراع ثروات من تحت.
السيطرة على سواحل شرقي المتوسط بهدف امتلاك السلطة على حقول النفط والغاز المنتشرة من لواء الاسكندرون حتى قطاع غزة، هو الصراع الواضح من ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وفلسطين المحتلة إلى تواجد الاسطول الروسي في ميناء طرطوس، على مقربة من 14 حقلاً للنفط والغاز في المياه الاقليمية السورية. ومن صراع المياه إلى السيطرة على الأرض، ففي الشمال تبقى الأنظار نحو المناطق التي تتواجد فيها أغلبية كردية، والتي تعمل دول على تقسيمها وإعطائها حكما ذاتياً بهدف السيطرة على ثرواتها الباطنية. إن الصراع على الاقتصاد يستتبع في كثير من التجارب الدخول في عملية تقسيم المناطق لتوزيع الثروات، إذ أثبتت الأحداث التاريخية المتلاحقة أهمية الجيوش في وحدة البلاد ومنع تقسيمها، وأثبتت أيضاً أنّ معظم المؤامرات تستهدف بالدرجة الأولى كيان الجيش، فأول خطوات تقسيم العراق كانت في استهداف الجيش العراقي إعادة بنائه على أسس طائفية ومذهبية. إن وحدة الجيوش العسكرية ضرورة في وحدة دول المشرق، وربما هي الأساس في استمرارها وتكاملها مع بعضها، فلا يكفي فقط أن يكون هناك تكامل نظري دون أن يكون هناك قوة تدعمه وتحميه.
إحدى الفرص المتاحة هي امتلاك السلطة على التربية والتعليم والذي يشكل تواصلاً مباشراً مع سلطات مختلفة من العائلة والدين والاقتصاد، إن من يملك السلطة على العقل يملك السلطة على المستقبل وتحديد توجهه، توجهاً علمانياً أو دينياً نحو المواطنة أو الفردية والعشائرية، نحو الدولة والتعددية السياسية أو الديكتاتورية والحكم المنفرد. إن حاجة المشرق لا تزال حاجة ما قبل الديموقراطية، فإلى حين الوصول إلى مرحلة المواطنة وفهم الديموقراطية كعمل ثقافي اجتماعي اقتصادي فنحن بحاجة إلى قوة حازمة في موقفها وقراراها، قوة تمتلك المال والاعلام وتستطيع أن تلبي حاجات الشعب الفكرية وتكوّن لديه ثقة أنها تستطيع أن تؤمن له حاجاته اليومية من الأمن والغذاء والسير معه للوصول إلى التطور والابداع، فلا يمكن أن نطلب من شخص بحاجة لطعام أن يبدع علميا وفكرياً. الاستفادة من الفرص المتاحة لا تكون عبر ندوات ومؤتمرات، إن الازمة تضع المواطن والمجتمع أمام حوار وجدل مع ذاته وهويته، والمطلوب هو أن لا تكون عبارة عن ردة فعل فقط كما يحدث في مواقف جامعة الدول العربية، والتي استدعت موقفاً معارضاً من الكثيرين. إن الجدل الذي تعيشه هو جدل الدم والقتل والعنف وهو الذي حين يصل إلى ذروته إما أن ينفجر بشكل فوضوي ونهائي أو يدفع الجميع إلى الجلوس والحوار مرغمين نتيجة التعب من التاريخ والخوف من المستقبل. لم تعد الدولة القائمة في سوريا طبيعية قابلة لاستمرار بحالة طبيعية ضمن حدودها، فإما أن تدخل في دورة اجتماعية اقتصادية ثقافية متكاملة وفق عمل مؤسساتي واضح أو تذهب نحو تقسيم المقسم على اسس مذهبية وعشائرية متقاتلة، أما أن تبقى ضمن حدودها فهو موت سرير يعيد إنتاج أزماتها بشكل متلاحق.
* كاتب لبناني