آخر ما نتوقعه وتتوقعه غالبية اللبنانيين الساحقة من الذين يتوقون إلى إجراء الانتخابات النيابية في موعدها القانوني، أن نُطعن من «بيت أبينا» المجلس الدستوري الذي كنا نعلق ويعلقون عليه الآمال العريضة في النظر بالطعنين المقدمين ضد قانون مجلس النواب التمديد لنفسه لنصف ولاية تقريباً بحجة «الظروف الاستثنائية»، الأمر الذي اعتبرناه واعتبره كثيرون من ذوي الاختصاص لعباً على الكلمات واحتيالاً على القانون وتجاوزاً لحدود الوكالة الشعبية المعطاة لـ«نوائب» (عفواً نواب الأمة) في الزمان والمضمون.


غياب ثلاثة أعضاء لمرتين متتاليتين عن الجلسة طيّر النصاب على ما قيل في اجتهادات البعض... الثلاثة الذين تغيبوا في المرة الأولى هم أنفسهم الذين تغيّبوا في المرة الثانية، ولا ضمانات بأنهم لن يتغيبوا الثلاثاء المقبل، موعد الجلسة الؤجلة.
الأعضاء الثلاثة الذين تغيّبوا عن الجلستين وأفقدوها النصاب القانوني، لم يبرروا غيابهم. هم اعتصموا بالصمت. أداروا الظهر وتجاهلوا كل التداعيات السلبية المؤدية إلى شلّ هذه المؤسسة، الأمر الذي فتح الباب واسعاً أمام الاستنتاجات والتأويلات والتخمينات، وأظهرهم كأنهم أعضاء في كتل نيابية أو «أحزاب وقوى سياسية» ذات مصلحة في التمديد له، بحجة «الاستثنائية والظروف الأمنية»!
وما سكتوا عنه كشفه الرئيس نبيه برّي، عرّاب الطبخة.
نحن نشارك الرئيس بري قلقه من «الفتنة» التي تتقدّم على نار حامية إلى لبنان، ويستقبلها الكثيرون وكأنها المطلوب والأمل المرتجى، غير عابئين بالأضرار والكوارث التي ستحلّ معها لو حصلت لا سمح الله... ونشدّ على يده في كلّ المساعي المبذولة من أجل تهدئة «أصحاب الرؤوس الحامية» من الذين ما عادوا يعيرون وزناً لحياة شعب ووطن. لكنّنا، في الوقت عينه، لا نشاركه رأيه في أنّ تعطيل الانتخابات عبر تعطيل المجلس الدستوري ومنعه من القيام بواجبه في النظر بالطعون المقدّمة إليه ضدّ التمديد، وتكريس التمديد كأمر واقع جنّب لبنان الفتنة وأنّ غياب الأعضاء، ساهم في حماية البلد عبر تأجيل الانتخابات... فهذه مبالغة تجاوزت كل حدّ.
ما يهمنا الإشارة إليه هو أنّ المجلس الدستوري جرى تعطيله بقرار وعبر صفقة لم تعد محجوبة عن أنظار اللبنانيين، أبرمها أمراء الطوائف والمذاهب، من الذين تاريخهم معروف وأدوارهم معروفة، وهم لا يطيقون سماع كلمة انتخابات إلّا إذا كانت تفيد بقاءهم في المواقع التي نعرف ويعرف الجميع كيف وصلوا إليها، وبأيّة وسائل.
في المبدأ، المجلس الدستوري هو صاحب الشأن بقبول الطعن بالتمديد أو رفضه. ولا خلاف في ذلك، والأصول تقضي باحترام أيّ قرار يتّخذه، شرط أن يكون هذا القرار نابعاً عن فعل ضمير وقناعة دستورية متجرّدة، وغير خاضعة للإملاءات السياسية. فنحن والحمد لله كنا نعتقد أنّ المجلس الدستوري «سيّد نفسه»، وهو يتمتع بحصانات كافية تجعله قادراً على حماية خياراته وقراراته بعيداً عن كلّ ضغط وترهيب. المسألة هنا لم تعد تتعلّق بالطعنين المقدمين فحسب، بل تعدّتهما إلى جوهر عمل المجلس وصدقيته مع نفسه ودوره والصلاحيات المعطاة له، ومسؤوليته تجاه الدولة والمجتمع والناس، وخصوصاً بعدما تبيّن أنّ أعضاءه القضاة (قلّوا أو كثروا) ليسوا قادرين على أن يتحرّروا من قبضة أمراء طوائفهم ومذاهبهم وإقطاعياتهم.
وبعيداً عن آلية العمل داخل المجلس، وهو أمر استمعنا فيه إلى وجهات نظر كثيرين من الاختصاصيين المشهود لهم بالعلم والمعرفة والضمير الحيّ والتجربة، فإننا نعود ونناشد أعضاء المجلس الدستوري كافة، أن يحضروا ويحكّموا ضمائرهم وينظروا إلى دورهم وواجباتهم عن غير الطريق التي يحترفها زعماء السياسة في لبنان.
إنّ المجلس الدستوري أمام امتحان بالغ الاهمية، بل الخطورة على حاضره ومستقبله ومستقبل العديد من المؤسسات. وأولئك الذين استجابوا لرغبة أو لطلب التغيّب، أخشى ما نخشاه أن يكونوا باتوا في مواقع لا تعير اهتماماً لسمعة هذه المؤسسة ولدورها المفترض أن يكون محصّناً ضد أيّ تدخلات من أيّ جهة كانت، وهبطوا إلى مستوى العديد من مؤسسات الدولة التي أُفرغت.
إننا لن نصرف النظر عن هذه السابقات التي تكرّست كموجبات، لأنّه بتجاوز مجلس النواب لحدود الوكالة المعطاة له من الشعب، فمدد لنفسه تحت ذريعة الاستثنائية وهي ما تزال في علم الغيب الافتراضي لسبعة عشر شهراً، فإنّنا نتطلّع إلى المجلس الدستوري ونحثّه على أن ينظر بعقلانية وبمسؤولية وبكل ضمير حيّ إلى الدور المطلوب منه، فإذا كان لعضو أو أكثر من عضو رأي مخالف فهذا من حقهم، ولهم أن يسجلوا اعتراضاتهم أو مخالفاتهم، أما أن يعمد هؤلاء إلى تعطيل المجلس وتشويه صورته وحرفه عن دوره، فتلك جريمة في حق وطن وشعب... والتاريخ لن يرحم.
وإذا كان لبنان أمانة، فعلينا أن نحافظ عليها بكل مقوماتها. وإن كان قول كلمة الحقّ واجباً، فإن الساكت عنها شيطان أخرس.
* مرشح إلى الانتخابات النيابية