جنّ جنّونهم. يتطاير الرذاذ من أفواههم وهم يصيحون على الشاشات. ليست أجواء الفتنة المذهبية وحممها في المنطقة العربيّة جديدة أو مفاجئة. في شهر شباط من عام 2003، حذّر محمد حسين فضل الله وحسن نصر الله من فتنة مذهبيّة تعدّ لها أميركا كي تترافق مع غزو العراق (سألت مرّتين نصر الله عن أساس تحذيره المبكر، لكنه لم يجبني بالتحديد). لم يطل الأمر. أميركا والقاعدة أعطتا أمر عمليّات الفتنة في المنطقة وذلك لتقويض العداء ضد إسرائيل. شمعون بيريز برز بشعار السنة ودخل الأزهر على صهوة جواد. هيئة كبار العلماء تسابقت مع الزرقاوي: أي أن صديق أميركا المخلص وعدوّها اللدود تشاركا في الحملة _ ثم يلومون العرب على الانسياق في تصديق نظريّة المؤامرة؟ مؤامرة ومُعلنة. لكن هناك ما استجدّ أخيراً بعد القصير: يبدو أن مملكة القهر السعوديّة وإمارة القهر القطريّة أوجدتا معادلة في القتال السوري. كلّما تضعضع وضع المجموعات المُسلحّة في سوريا، ارتفعت وتيرة خطاب الفتنة وممارساتها في المنطقة (وكلّما زاد التخصيب النووي في إيران، هرعت إسرائيل للاستعانة بدول الخليج للتخويف من الخطر الشيعي). ومملكة القهر السعوديّة تعدّ العدّة لتسعير الفتنة: جمال الخاشقجي لا يتورّع على «تويتر» عن الإلحاح على من بقي من السعوديّين، مُعانداً على البقاء في لبنان، على الخروج منه لأن طريق الشام ستكون مقطوعة والسفارة ستكون منهمكة عندما تأتي الساعة، حسب قوله. لكن سفير آل سعود في لبنان يصرّ على أن المملكة هي على مسافة واحدة بين اللبنانيّين، فيما يستقبل الأمير بندر ممثّلين عن تيّارات سياسيّة _ لبنانيّة وسوريّة _ من أجل مدّهم بالعون... الفكري طبعاً. و«الجزيرة» اكتشفت أن النظام السوري هو نظام علوي بعد سقوط القصير فقط.

وحزب الله _ حسب الإعلام الصهيوني العالمي _ أممي، يتدخّل في شؤون الدول شرقاً وغرباً. وقد تدخّل حزب الله في مصر من قبل في عهد مُبارك ولم يقل أحد إن تدخّله هذا كان طائفيّاً. على العكس، قامت قيامة فريق 14 آذار يومها لأنهم اعتبروا أن وجهة تحرير فلسطين ومحاربة إسرائيل لا تعنيهم هم، وهي تؤدّي إلى «توريط» لبنان، كما أنها تزعزع العلاقة الحميدة التي بنوها مع نظام حسني مبارك (ماذا حدث لبيان السنيورة الذي رثى فيه حسني مبارك؟) وقد تدخّل حزب الله في الشأن العراقي أيضاً، وقد ألقت القوّات الأميركيّة القبض على قيادي ميداني في حزب الله بتهمة أنه كان يساعد المقاومة العراقيّة ضد الاحتلال الأميركي. لم تصدر اتهامات يومها للحزب بأن تدخّله هناك كان طائفيّاً، مع أن دعمه للمقاومة العراقيّة كان يتعارض مع القوى الشيعيّة النافذة في سلطة الاحتلال (وهي لا تزال نافذة في النظام الطائفي الذي أقامه الاحتلال). على العكس، فإن تدخّل الحزب في العراق كان ضد وجهة المرجعيّة الشيعيّة في النجف وضد إرادة القوى السياسيّة الشيعيّة الطائفيّة (هذا لا ينفي طائفيّة منطلق تحييد الحزب لنظام نوري المالكي الطائفي وللسكوت عن دور السيستاني). لم يفتِ منتقدو حزب الله بأن تدخّلاته طائفيّة غير محمودة إلا عندما أدلى الحزب بموقف كلامي عن البحرين. يومها، هاج تيّار الحريري وماج وصدر كلام عن ضرورة عدم التدخّل في شؤون الدول العربيّة، وتذكير موسمي بأن اللبنانيّين في دول الخليج ما هم إلا رهائن وأن تلك الدول تُشكر على عدم طردها لهؤلاء اللبنانيّين العبيد. الإعلام الأجنبي لم يحد عن سرديّة الإعلام العربي الطائفي: حتى إن موقع الـ«بي بي سي» _ تلك المحطة التي فقدت الكثير من وهجها ومن صدقيّتها وكأنها كانت يوماً حياديّة وهي التي كانت ولا تزال ذراع الحكومة البريطانيّة _ ذكر في تأريخ لحزب الله أن الحزب تمتّع بتحالف قوي مع النظام السوري منذ إنشائه. محطة مجزرة فتح الله باتت نسبياً منسيّةً. نسي البعض أن حزب الله وحركة «أمل» خاضا حروباً دمويّة، كان فيها النظام السوري في صف حركة «أمل».
وهناك بعض الكتّاب الذين وقفوا على حبل بين الليبراليّة واليساريّة منذ اغتيال الحريري. لم يحزم بعض هؤلاء أمره إلا بعد القصير. والبعض الذي لا يغرّد إلا لماماً، وجد متسعاً من الوقت للتعليق على خطاب نصر الله الأخير وللسخرية منه. وهذا مقبول: لا يمكن أن يبقى أي شخص يتعاطي السياسة أو الدين في منأى عن النقد وحتى عن السخرية. إن مبدأ حظر «التعرّض» للمقامات «الدينيّة» لم يكن إلا اختراعاً من قبل السلطات التي حرصت على حماية فقهاء السلطان من النقد. لكن هناك ما يثير الشك والشبهة. هل يكون توزيع البقلاوة من قبل رجلين في الضاحية (قد يكون فرد من أفراد عائلته عاد حيّاً من القصير في ذلك اليوم، من يدري؟) دليلاً قاطعاً على طائفيّة الحزب؟ ولماذا أصبحت تلك الصورة مع صورة لصفحة مطبوعة على طابعة منزليّة جاء فيها «سقطت القصير» دليلاً آخر على طائفيّة حزب الله؟ ولماذا أثارت تلك البقلاوة أكثر مما تثيره فتاوى التكفيريّين في صف آل سعود وآل ثاني وآل الحريري؟
لم أفهم على بعض رفاقي اليساريّين. تستنكرون أشدّ الاستنكار توزيع الحلوى من قبل شخصين في صورة (وتم تداول الصورة على نطاق واسع في الإعلام المحلّي والعالمي) ولا تلاحظون هذا الضخ على مدار الساعة لخطاب الكراهية الطائفيّة والمذهبيّة من إعلام آل سعود وآل ثاني وآل الحريري على مرّ كل هذه السنوات؟ بجدّ، يا رفاقي اليساريّين الذين لا أتمنّى لهم أن ينضمّوا إلى فريق اليساريّين السابقين؟ تترصّدون كل كلمة وكل حرف في خطاب نصر الله، وتشتركون في تحوير معانيه أحياناً مع شاشة «المستقبل» وتتجاهلون بالكامل خطب كبّارة والحريري وجعجع والطفيلي والقرضاوي ومفتي السعوديّة والفريق المدني في 14 آذار، حتى لا ننسى هيئة صغار العلماء في الرياض؟ أكثر من ذلك، تتجاهلون الخطب الطائفيّة لشيعة الوهابيّة في لبنان الذين _ مقابل دعم مالي وظهور إعلامي _ يتقيّأون تعميمات طائفيّة عن الشيعة باسم الشيعة (على طريقة جلب محطة «فوكس نيوز» اليمينيّة العنصريّة ضد السود لأفراد من السود من الذين يوافقون على سياساتها _ يعني اللعبة في إعلام الحريري و«إم تي في» و«إل بي سي» ليست مبتكرة بل منقولة عن نمط إعلام «فوكس»، علماً بأن الأمر يحتاج إلى مقالة للاستفاضة).
لكن مهلاً. ماذا عن تلك الصورة لشابين في «الضاحية» يوزّعان البقلاوة؟ لماذا أثارت ما أثارت؟ هل في توزيع البقلاوة عمل طائفي ومذهبي؟ هل كان لزاماً على الشابين في الصورة توزيع النمّورة بغية تجنّب استفزاز «البيارتة»؟ وهل في إعلان سقوط القصير (على ورقتين مطبوعتين على حاسوب منزلي) دليل قاطع على طائفيّة الضاحية بحالها؟ لا شك أن الاحتفال بسقوط القصير هو منفّر وبشع ولا يليق بحزب يزعم أنه دخل في المعركة مُكرهاً لا بطلاً. لكن، ألا يحق للذي عاد أخوه أو أبوه من القصير سالماً أن يحتفل؟ هل الاحتفاء بعودة فرد من العائلة تأجيج طائفي؟ ثم من خلق الأجواء الطائفيّة المذهبيّة التي أحاطت بالقصير وبالصراع في سوريا غير الفريق الذي ينتمي إليه الذين استفظعوا بأشدّ العبارات نشر الصورة تلك؟ لكن هناك ما هو أبعد. إن نغمة التهويل بالصورة تدخل في نطاق العنصريّة والطائفيّة التي تضخّها وسائل إعلام آل سعود وآل الحريري وآل ثاني ضد الشيعة والعلويّين _ كل الشيعة وكلّ العلويّين. تصبح كل الطائفة مدانة بناءً على الصورة وفعل الشخص أو الشخصين. وعندما يصدح الإعلام بأصوات من يعترف بأنه يشعر بالخزي لانتمائه إلى الطائفة المنبوذة، لماذا تسكت أصوات الليبراليّة الزائفة: واحدة في جريدة آل الحريري، «المستقبل»، قالت إنها اكتشفت متأخّرة أنها ووالدتها البيروتيّة (المتفوّقة أخلاقيّاً وحضاريّاً حكماً) على حق، أن أهل الضاحية «ما بيتعاشروا». هذا نُشر في جريدة عائلة الحريري التي تعتبر نهجها ليبراليّاً، صدّق أو لا تصدّقي. والذين جاهروا بالعداء ضد اليهود _ كيهود _ على مرّ العقود يعيدون النظر في تراتبيّة كراهيتهم: واحد كتب في ملحق الأحد في جريدة آل الحريري، «المستقبل»، أن على العرب إعادة النظر في عداواتهم وفي تعريف العدوّ، وجاهر بالسرور من عدوان إسرائيل على سوريا. هل تطلع الجريدة المذكورة بعنوان «شكراً إسرائيل» بعد القصير؟
بتعريف مارثن لوثر كنغ للعنصريّة، إن تداول الصورة الوحيدة هو تطبيق تعريف العنصريّة لأن فعل الفرد (أو «الفردين») يتحمّل مسؤوليّته جميع أفراد العرق أو الطائفة هنا. وهناك من تداول على الـ«فايسبوك» وعلى غيره وبصراحة عن مسؤوليّة «المدنيّين» من كل الشيعة عن أفعال الفردين. الطائفة باتت مدانة، وقد لا ينفع معها إلا الإبادة التي يدعو إليها نهاراً أقطاب السلفيّة ضد العلويّين في طرابلس (داعي الإسلام الشهال، السعودي التمويل، قال إن «العلويّين أهلاً وسهلاً بهم» لكن...). مضياف داعي الإسلام في وطنه، حيث يسمح للعلويّين بالإقامة على أن يحنوا رؤوسهم أمام الفرقة المنصورة. لكن داعي الإسلام هذا دعا الشيعة وبهدوء إلى التخلّص من طقوس عاشوراء وذلك لوأد الفتنة _ هذا إذا كان يريد وأد الفتنة، مع أنه نافخ في نيرانها يوميّاً. طبعاً، تصريحات الشهال لم تستثر الحميّة اليساريّة لبعض الرفاق.
وتحوّل حزب الله إلى مجموعة مرتزقة في سوريا. حسناً، إن الارتزاق في الحروب اللبنانية ليس جديداً. وليد جنبلاط شكّل فرق مرتزقة في حزبه، وكان يبيع خدماتها لوكالات استخبارات أجنبيّة مقابل أموال طائلة. كما أن جنبلاط وجورج حاوي وإنعام رعد وأحمد جبريل وعبد الرحيم مراد (مع عمر حرب) باعوا خدمات مقاتليهم في حرب القذّافي في تشاد في مقابل أموال ليبيّة. لم تجر محاسبة على هذا الفعل الشنيع. (ثم يتساءل البعض عن سبب اندثار الحركة الوطنيّة اللبنانيّة).
لكن يسهل زجّ اسم حزب الله في الحرب الطائفيّة: للحزب تجليّاته الطائفيّة، من عقيدته الدينيّة الطائفيّة، إلى تركيبته الطائفيّة، إلى تحالفاته المبنيّة على أسس طائفيّة. لم يكترث الحزب يوماً لإنشاء جبهة عريضة لدعم المقاومة (هو يحضر تجمّعات أو اجتماعات مرّة في الشهرين تحت عناوين مختلفة، لكنه لم يبد جديّة في العمل الجبهوي). وقاعدة الحزب _ مثل قواعد الأحزاب الأخرى في لبنان، بما فيها الحزب الشيوعي الذي شهد انشقاقين طائفيّين لصالح 14 آذار _ هي قاعدة طائفيّة. وقد يكون التأجيج الطائفي ضد الشيعة والعلويّين قد فعل فعله، وقد يكون حسن نصر الله (المانع الوحيد للحرب الأهليّة في لبنان هذه الأيّام؟) يجد صعوبة في الإمساك بجمهور الطائفة أو الحزب. قد يتحوّل الحزب _ إذا ما اندلعت حروب الطوائف والمذاهب في لبنان _ إلى حركة «أمل» أخرى، وليس في ذلك مديح لأي من الحزبين. والانتصاريّة عند سلوك جمهور الحزب بعد القصير، بالإضافة إلى هتافات طائفيّة صاحبت «نصر» القصير (كل هزيمة في سوريا هزيمة، وكل نصر في سوريا هزيمة). لكن لا الحزب ولا حتى حركة «أمل» المبنيّة تنظيميّاً على الانفعاليّة الطائفيّة والمذهبيّة (أو «التهوّك» الطائفي، على قول عبد الله العلايلي في سبك كلمة «تهوّك» في ترجمة لكلمة أجنبيّة تفي بالغرض هنا) انخرطا في الخطاب المذهبي الذي تلوك به كل ألسنة 14 آذار، قيادة وقاعدة. لكن هناك بوادر لظهور تعبيرات طائفيّة من قبل جمهور الحزبين.
لكن، هل يمكن الركون لمعايير إعلام خادم بالكامل لسطوة النفط والغاز والعمولات عليهم؟ هذا إعلام ينشر في ملحق «النهار» قبل أسبوع مقالة ليوسف بزّي يعتبر فيها «النهار» ذروة الإنصاف والتجرّد (ويعتبر أن تأبّط «النهار» _ تأبط شرّاً؟ _ يضفي تفوّقاً على الحامل)، كما يضيف كلاماً عن الليبراليّة يخلط فيه بين الشاعر جون ميلتون والفيلسوف جون ستيوارت ميل (ظنّ صاحبكم أن الشاعر والمفكّر هما الشخص نفسه لأن كليهما يحمل اسم «جون» _ قل وقولي هي ثقافة بيت الحريري). وإلياس الخوري يندّد أشدّ التنديد بـ«الاحتفالات الطائفيّة المذهبيّة التي رافقت» ما سمّاه «احتلال» القصير، مع أنك تبحث في أرشيف الصحف ولا تجد كلمة من الكاتب نفسه ضد مهرجانات طائفيّة ومذهبيّة صارخة من قبل 14 آذار على مرّ السنوات. علامَ تدلّ هذه الانتقائيّة في التنديد؟ ثم، ما هي «الاحتفالات الطائفيّة المذهبيّة» التي يتحدّث عنها إلياس خوري؟ هي بالتأكيد... صورة شابين يوزّعان الحلوى في الضاحية الجنوبيّة من بيروت. لم يرَ إلياس الخوري من قبل أية مظاهر «احتفالات طائفيّة ومذهبيّة» في فريق 14 آذار _ الراعي الرسمي والصريح في التحريض الفتنوي _ تستحق تنديده وسخطه؟ توزيع البقلاوة من قبل شابين أفظع من القصف العشوائي على جبل محسن والهرمل وبعلبك ومن حرق محالّ العلويّين في طرابلس ومن ضخ الكراهية الوهابيّة في مساجد بيروت ومحافلها وصالوناتها وفي باقي أنحاء الجمهوريّة؟ مظاهر احتفالات طائفيّة مذهبيّة؟ أم هي رفع راية الحسين من قبل شخص واحد أو حتى شخصين؟ هذه تعادل ما يصدر عن الإعلام التكفيري نفسه الذي يستنكر فيه أمثال هؤلاء «الاحتفالات الطائفيّة والمذهبيّة» التي صاحبت احتلال القصير؟ ثم، لماذا استثار هؤلاء «احتلال» القصير أكثر مما أثارهم احتلال مزارع شبعا وتلال كفرشوبا وقرية الغجر، وهم الذين يطالبون صبح مساء بنسيانها وبمنحها هبة للمحتل الإسرائيلي؟
لكن، هم على حق. ما كان العالم العربي على هذه الصورة قبل القصير. لنستذكر الماضي غير البعيد.
قبل القصير، كان السنّة والشيعة متحابّين متآخين في طول العالم العربي وعرضه. قبل القصير، كان كلّ اللبنانيّين مجمعين على ضرورة مقاومة إسرائيل، وكان سمير جعجع وفؤاد السنيورة وفريق الحريري الوهّابي بأكمله يطنب في مديح المقاومة. قبل القصير، لم يكن فؤاد السنيورة _ بالنيابة عن عائلة الحريري التي تنفّذ مشيئة أولياء أمرها في الرياض _ يحمّل المقاومة مسؤوليّة عدوان إسرائيل على لبنان. على العكس، عندما كانت المقاومة تضرب إسرائيل عبر السنوات، كان السنيورة من المصفّقين ولم يتدخّل في قمة الخرطوم كي يزيل أية إشارة إلى مقاومة العدوّ الإسرائيلي. لم يفعل السنيورة ذلك لأنه لم يقف ضد مقاومة إسرائيل إلا بعد تدخّل حزب الله في القصير. حتى أنطوان لحد نفسه: كان من أنصار مقاومة العدوّ الإسرائيلي هو وكل فريق 14 آذار قبل القصير.
قبل القصير وقبل نشر صورة شابين يوزّعان البقلاوة في الضاحية، لم تكن تصدر في العالم العربي أية أصوات تحريض على الفتنة الطائفيّة والمذهبيّة. قبل القصير، كان مفتي السعوديّة يكتفي بالدعوة إلى حرق الكنائس في شبه الجزيرة العربيّة ولم يكن يصدر عنه أي تعبير عن كراهية الشيعة. قبل القصير، كانت العقيدة الوهابيّة المترسّخة في قطر والسعوديّة (والسلالتان في الدولتين لا تقودان فقط «الثورة المضادة» في العالم العربي، وإنما العالم العربي برمّته) علمانيّة متسامحة ووديعة. هي لم تعتنق الكراهية والتكفير إلا بعد القصير.
قبل القصير، كان الإعلام السعودي يدعو _ مثل داعي الإسلام الشهّال _ إلى التفاهم بين الأديان وإلى نبذ التطرّف والتكفير. ألم يتجشّم الملك السعودي عناء السفر إلى فيينا من أجل لقاء إسرائيلي يجلس هو ومفتي طرابلس في نادي حوار الأديان الذي أنشأه الملك نفسه؟ ماذا تريدون وتردن أكثر من ذلك؟ ألم تبدر عن الملك كل الإشارات الإيجابيّة للاحتلال الإسرائيلي من فوق وتحت الطاولة وذلك من أجل تقويض الاحتلال الإسرائيلي؟ كل هذا تغيّر بعد القصير. بعد القصير، تحالف النظام السعودي مع إسرائيل، وهو الذي كان ينصر المقاومة بالكلمة والعتاد في حرب تمّوز والذي اعتبر أن مقاومة العدوّ واجب شرعي. عاد النظام السعودي وغيّر رأيه عن عدوان تمّوز وحمّل حزب الله المسؤوليّة بعد القصير، لا قبلها. قبل القصير، كانت المعارضة المُسلّحة في سوريا علمانيّة بالكامل لا تستشهد إلا بفولتير، ولا تسمّي ألويتها إلا بأسماء متنوّري الثورة الفرنسيّة والبلشفيّة. هي لم تتغيّر إلا بعد القصير. لم تحرق المعارضة المُسلحّة في سوريا صور حسن نصر الله ولم تهدّد بإبادة الشيعة والعلويّين إلا بعد القصير. أما قبل القصير، فلم يُسجّل حادث واحد _ خطف أو سرقة أو ضرب أو قتل أو تعذيب أو تمثيل بالجثث أو تهجير _ على أساس طائفي. كل ذلك حدث بعد القصير. وخطف الحجّاج اللبنانيّين في أعزاز ومطالبة حسن نصر الله بتلاوة فعل الندامة علناً من قبل الخاطفين حدث بعد القصير، لا قبلها. كما أن المعارضة السوريّة _ المُسلّحة والمدنيّة المهاجرة _ لم تستظلّ في دول النفط والغاز ولم تتبع مشيئة سلالات الخليج الغارقة في بث الفتنة وضخّها إلا بعد القصير. وميشيل كيلو لم يُستدعَ على متن طائرة خاصّة للقاء الأمير بندر بن سلطان إلا بعد القصير (وهو أكّد بعد اللقاء أن بندر لم يعط مالاً، لا بل كاد أن يجزم بأن بندر دعاه من أجل أن يطلب منه قرضاً من المال لتيسير الحال). وعلي فرزات وغيره من مثقّفي المعارضة لم يسخروا من الشيعة والعلويّين ولم ينحدروا إلى مستوى الكراهية الطائفيّة الصريحة إلا بعد القصير. هم قبل ذلك، لم يكونوا أبداً في وارد الانخراط في مشروع الفتنة الإقليمي.
وجريدة «النهار» ومحطتا «إم تي في» و«إل بي سي» وغيرها من أصوات الفتنة لم تعادِ المقاومة إلا بعد القصير. صحيح أن جريدة «النهار» كانت منذ الثمانينيات صوتاً للتنديد بمقاومة العدوّ، وصحيح أن غسّان تويني كان المُنسّق الرسمي للمفاوضات مع العدوّ الإسرائيلي والداعي اليومي إلى توقيع اتفاقيّة 17 أيّار، وصحيح أيضاً أن محطة «إم تي في» عادت مقاومة العدوّ في كل تاريخها وروّجت للتطبيع مع العدوّ، لكن يمكن عزو ذلك _ عبر السفر في الزمن _ إلى تدخّل حزب الله في القصير.
لولا القصير، يا حسن نصر الله، لكانت جيوش دول الخليج وقادة 14 آذار في طليعة قوى تحرير فلسطين. فلماذا إذاً تدخّلت في القصير؟
* كاتب عربي (موقعه على الإنترنت:
angryarab.blogspot.com)