ربما كان ملك الأردن عبدالله الثاني أوّل من استخدم مصطلح «الهلال الشيعي»، رسمياً على الملأ، أثناء زيارة له للولايات المتحدة (تصريحات لـ«واشنطن بوست»، أوائل كانون الأول 2004)، وقصد به خطاً وهمياً يربط إيران، العراق، سوريا ولبنان. ثم جاء بعده الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك الذي شكّك بوقاحة في «ولاء الشيعة العرب»، ناسباً إياه إلى إيران (قناة «العربية»، أيار 2006). ويبدو أن الملك عبدالله استدرك وأدرك الخطر لاحقاً، إذ حذّر قبل أشهر من أن «تفكّك سوريا سيقود إلى تفجير صراعات طائفية في المنطقة ستمتد لأجيال» (أسوشييتد برس، آذار 2013).

شكّل اختلاق هذا «الهلال»، في حينه، مساعدة كريمة لنظام جورج بوش. يومها كان الرئيس الأميركي وزمرة مساعديه ومحرّكيه يسوّقون نظرية «محور الخير ومحور الشر»، فجاء «الهلال الشيعي» ليطلق الحديث الحثيث عن «اعتدال السنّة مقابل تطرّف الشيعة»، وتدفق السيل... سيل سياسي عارم ملوّث بلغة طائفية تعميمية فارغة، ولكن خطيرة الوقع. لقد بدا أن الأفق يتلطّخ بمشروع جديد من التقسيم الاستعماري.
بين المقاييس التي يجدر رفع تدريجها لتحديد المواقف السياسية، مقياس الطائفية. بمعنى الانتباه والاشتباه فوراً في كل حزب أو قيادي أو وسيلة إعلام أو حركة حين يستخدمون مصطلحات سني وشيعي ومسيحي وعلوي ودرزي إلى آخره، بهدف اختزال الهويات وإغلاقها، وبالتالي تفتيت الهوية العربية الجامعة. للأسف، وربما للقرف، هناك قوميون كبار جداً يغوصون اليوم في هذا المستنقع، كجزء من صفقة الغوص في مستنقعات البترودولار.
للمناسبة، هذه اللغة المقززة لا تزال تجري على الألسن السلطوية الإسرائيلية التي تقسمنا_نحن الفلسطينيين الباقين في وطننا_إلى «أقليات طائفية» وترفض الاعتراف بانتمائنا الوطني الفلسطيني الجامع، ولا بذلك القومي العربي الواسع. في هذه النقطة يمكن القول دون مبالغة: الطائفيون العرب هم صهاينة (لا حاجة إلى الاستغراب، الحُكم: هو أي مصلحة تخدم!).
اختيار المفردات لا يأتي بالطبع من باب العفوية. بل يحمل موقفاً وينطوي على هدف. اللغة التي تتعامل مع شعوب منطقتنا كحشد عشوائي من الطوائف/ المذاهب/ القبائل هي لغة استعمارية. لغة تنطوي على أهداف تخدم مصالح سياسية محددة: تقسيم بغية فرض الهيمنة و/ أو تسهيل نهب الثروات الوطنية. بالتالي، فكل من يعتمد هذه اللغة التفتيتيّة يتورّط في مشروع التقسيم ويختار التبعية والتذيّل وتقديم الخدمات المجانية للاستعمار وللصهيونية (وهذه الأخيرة تعاملت مع الطائفية كمشروع، كما سأوضح فيما يأتي).
آلية التقسيم الطائفي هذه استخدمها المستعمر بشكل منهجيّ ومدروس لتحقيق الهيمنة. وحين يخرج من بين العرب من يتبنّى ويستخدم ويردّد (ويسكت عن!) خطاباتٍ طائفية المضمون، فإنه يؤدي دور المتواطئ والعميل مع مشاريع التقسيم والهيمنة الأجنبية. هذه اللعبة هي ضرب من ضروب العمالة. الطائفية عمالة!
سيقول أحدنا إن التقسيمات الطائفية كانت موجودة دائماً. نعم، الشعوب كلها متعددة وتضم مختلفين في الانتماءات، وبينها الطوائف؛ انتماءات (يفترض أن) تكوّن معاً انتماءً وطنياً أكبر. لكن المشكلة هي التلاعب الحقير بهذه الاختلافات لخدمة مصالح مشبوهة. وسواء استثمرها زعيم محلي تافه الوزن النوعي لغاياته الأنانية الضيقة، أو سوّقها آخر «أكثر حداقة» لتعزيز علاقات المصالح والفوائد التي تربطه بمهيمن خارجي، فإن اللعبة القذرة تكون قد بدأت.
من يتمعّن جيدًا يرَ أن لعبة التقسيم الآن في أوجها، وعلى قاعدة الطائفية بالأساس. هذا ما جرى في السودان، ويتواصل في العراق وسوريا. وعن لبنان حدّث ولا حرَج. قبل أشهر كاشفَنا الوزير الاسرائيلي موشيه يعلون بأنه لا يخامره الشك في «أن معركة سوريا ستنتهي بعدم بقاء الأسد رئيساً لسوريا كلها». ولننتبه إلى عبارة «سوريا كلّها»! تفسيرها وفّره في الفترة نفسها ضابط في هيئة أركان الجيش الإسرائيلي، الذي قال لـ«فايننشال تايمز» (آب 2012): «لدينا انطباع بوجود احتمال جيد لنشوء كانتونات في سوريا، وإذا استمر الوضع بشكله الحالي سيكون هناك إقليم كردي في الشمال وأصبحنا نرى مؤشرات لذلك، وإقليم علوي في منطقة الساحل يشمل مدينتي طرطوس واللاذقية، وإقليم سنّي، وإقليم درزي في جبل الدروز».
هذه الأفكار الإسرائيلية ليست جديدة أبداً. الأبناء يكملون درب الآباء. في أواخر السبعينيات، أدلى يغآل ألون بسلسلة مقابلات لمؤرّخ إسرائيلي شاب، ظلّت قيد السريّة ولم تسمح الرقابة العسكرية بالكشف عنها (جزئياً) سوى قبل 5 سنوات. كان ألون شخصية مركزية في الحركة الصهيونية وفي مكمّلتها، المؤسسة الإسرائيلية الحاكمة لاحقاً. تولى قيادة «هبلماح» (كتائب السّحق) وكان مرشحاً لتولي وزارة «الأمن»، وتولى عدداً من الوزارات، أبرزها الخارجية. مما قاله ألون: «هناك أربع أقليات شغلت أفكاري طيلة الوقت، حتى قبل أن أصبح وزيراً للخارجية: الأكراد في العراق، الدروز في سوريا، المسيحيون في لبنان». وأضاف أنه كانت لديه خطة ضخمة «لمساعدة الدروز على إقامة دولة مستقلة تفصل بين سوريا وبين دولة إسرائيل... لقد كان هذا بمثابة جنوني الخاص». ولم يختلف الأمر بالنسبة إلى لبنان وإقامة دولة طائفية مسيحية، حيث قال: «كانت نصيحتي (للحكومة) أن نلقي على الموساد هذه المهمة مباشرة». واقترَح «إرسال بعثة دائمة من المستشارين للشؤون التكتيكية، المدفعية والاتصالات والتفجيرات، لمساعدتهم على إقامة هيئة عمليات وتدريبهم».
إذاً المسألة ليست «فورات» جهوية جاهلة فقط. هناك من يؤجّج ويحرّض ويسعى لإنتاج هويات ضيقة منغلقة مسطّحة أحادية متعصبة منقطعة عن تاريخها، وغبيّة. هناك من يبرمج لاستثمار هذه العصبيات وتحريضها. وللأسف هناك أرضية جاهزة للاستجابة للتحريض. أرضية الفقر والإحباط والاستغلال وقلة الوعي_أي بالضبط ما أنتجه وينتجه المحرّضون على الطائفية، أنفسهم. دائرة مقفلة قذرة واحدة.
لا يمكن إلا الشعور بالخزي والألم والعار والغضب حين نطل على مشهدنا العربي الآن. فبعض شعوب العالم التي سجنوها مرة في حدود «العالم الثالث» تكسر القمقم وتنطلق وتتحول الى عملاق اقتصادي وسياسي، بينما شعوبنا العربية التي يقتلها الإفقار والتجهيل والاستبداد والاستغلال، يجرّها جهَلة وعملاء ومتواطئون وتجّار نفط وتجّار أديان الى اقتتال مذهبي متخلّف. ويصل القرف بالمرء إلى درجة الغثيان حين يرى قافلة من الليبراليين العرب وهم يعتلون المنابر والشاشات ويتفذلكون بغية تخفيف دور ومسؤولية رعاة مشروع الطوأفة الجديد، وتنظيف ساحة وكلاء الجريمة البشعة التي تُقترف ضدنا جميعاً وبالبث المباشر.
* كاتب فلسطيني