استقطب «المؤتمر القومي العربي» في دورته الرابعة والعشرين عدداً كبيراً من المنتسبين إلىى هذا المؤتمر، ما جعل منظمّيه يشعرون، مبكراً، بشيء من الاعتزاز. كذلك دفع هذا الأمر مؤسس المؤتمر الدكتور خير الدين حسيب إلى استعادة فكرة التأسيس وبداياته من ملجأ فندق «كافاليه» في العاصمة اللبنانية بيروت. أكثر من ذلك، تحدثت ورقة مقدمة من قبل الأمانة العامة، وكذلك البيان الختامي، عن «مرجعية» المؤتمر على المستوى الشعبي العربي، وهذه مبالغة لا تنسجم والدور الحقيقي الذي مارسه «المؤتمر القومي العربي» طيلة أكثر من عقدين من الزمن.

لا شك في أن انعقاد المؤتمر في القاهرة قد ضاعف من نسبة الحضور المشار إليها. وكذلك فإن المشاركة المصرية نفسها كانت كبيرة. ولا شك أيضاً في أن توقّع مشاركة حمدين صباحي قد شجعت الكثيرين على المجيء إلى القاهرة. هذا فضلاً عن الرغبة المتعددة الأسباب في عقد لقاءات مع قوى سياسية مصرية، إسلامية أو يسارية أو ليبرالية. يضاف إلى ذلك ما يضج به الوضع المصري من نشاط وصراعات، وما جرى إطلاقه أخيراً من مبادرات في هذا السياق، آخرها نشوء حملة «تمرد» التي جمعت ملايين الأصوات (سبعة حتى الآن) والتي تطالب الرئيس المصري محمد مرسي بالرحيل وبالاستقالة.
عنصر «التشويق» لم يغب عن الدورة الحالية على غرار ما حصل في العاصمة التونسية السنة الماضية حين نظم مشاركون حملة اعتراض ضد حركة النهضة ورئيسها راشد الغنوشي الذي هو من أعضاء الأمانة العامة ومن المؤسسين الأوائل للمؤتمر (حضر الغنوشي في اليوم الثاني لفترة وجيزة ثم غادر سريعاً). هذه المرة تمثل «التشويق» في الكلمة التي ألقاها الشاب محمود بدر، أحد منسقي حملة التواقيع ضد رئيس الجمهورية، والتي هاجم فيها «الإخوان المسلمين». دفع كلامه هذا، خصوصاً أنه جاء بعد كلمات عديدة هاجمت «إخوان» مصر وأبرزها كلمة حمدين صباحي، وفد «حماس» إلى الانسحاب من الجلسة. كان الوفد يضم موسى أبو مرزوق وأسامة حمدان وآخرين. حصلت جلبة وخرج الوفد محتجاً، فما كان من الشاب المصري إلا أن طالب المؤتمر بضرورة «تطهير» نفسه من «أمثال هؤلاء»، كما قال، بسرعة وبحزم جدير بهذا النوع من الشباب الثائر والمبادر والمغامر (أحياناً).
طبعاً، هُرع الكثيرون إلى الخارج لتهدئة خاطر وفد «حماس»، ومن بينهم ممثلو الأمانة العامة. وبالفعل، فقد عاد الوفد بعد أن عرض رأيه وموقفه للإعلاميين الموجودين، وبعد أن عادت «التوفيقية» لتمارس دورها في طبع إيقاع الجلسة وامتصاص التوترات. حصل ذلك رغم أن بعض الكلمات عادت واستنفرت مزيداً من الاحتجاجات حين هاجم أحد المعارضين السوريين الرئيس بشار الأسد، أو حين دافع أحد المتكلمين البحرينيين عن الملك ضد المعارضة وهاجم الدور الإيراني ودور حزب الله اللبناني.
الواقع أن «التوفيقية» تصبح ضرورية لـ«رعاية» التنوع الموجود. وهي على كل حال سمة من سمات المؤتمر القومي تشير إلى رحابة وإلى رغبة في تدوير الزوايا، من دون أن تخفي، في المقابل، أمرين: الأول، الهوى العراقي الدائم الذي يطبع، حتى الآن، توجهات المؤسسين سابقاً والقيمين حالياً. والثاني هو الرغبة في إضفاء طابع قومي عام على السياسات والمواقف خلافاً لما هو قائم من متاريس قديمة وجديدة، معظمها يبرز دائماً في جلسات المؤتمرات ونقاشاتها، ومنها مؤتمر القاهرة في الأول والثاني من الشهر الحالي.
يدير القيّمون الثابتون على «المؤتمر القومي العربي» سياسة علاقات عامة مميزة، وجزء من هذه العلاقات هو «علاقات خاصة» أيضاً. يبرز ذلك في «النفس» العام، وفي تحديد الأدوار، وفي جدول أعمال الجلسة، وفي تكرار أسماء المتكلمين أنفسهم من أصحاب التكيّفات غير العفوية بالطبع.
لا يقلّل ذلك من أهمية أن المؤتمر ما زال قائماً، وربما هو يسدّ فراغاً ما بعد تعثّر تجربة الاسلاميين في الحكم (في مصر وتونس) وبعد استمرار غياب اليسار عن ساحة الفعل والمبادرة.
ويُسجّل للقيّمين على هذه الصيغة مثابرتهم على عقد المؤتمر سنوياً، وعلى تناوب الكثيرين على مواقع المسؤولية... كل ذلك في مناخ من الانفتاح ومن الربط بين عناوين الصراع، بشكل سليم الى حد كبير: عناوين التحرير والحريات والعدالة الاجتماعية.
يشكو المؤتمر من نقص الفعالية. وتتحول «التوفيقية»، أحياناً، إلى عامل تقزيم للمبادرة المطلوبة أو للموقف الضروري. إن «التوفيقية» تستمر، غالباً، على حساب النقد. فالمؤتمر، حسب تعريفه، هو تجمع «لمثقفين وسياسيين ممارسين». هذا يميل إلى أن ينظم جلساته بنحو أفعل: لجان وملفات وخلاصات معرفية ومبادرات كفاحية. كل ذلك في مناخ نقدي، خصوصاً عندما يتفاقم التناقض ما بين الشعار والممارسة، وما بين المواجهة ومستلزمات المواجهة، وخصوصاً عندما تتقدم اعتبارات السلطة على موجبات القضية.
يُشترط في عضوية المؤتمر أن يتجاوز العضو عمر الثلاثين. الأجدى أن يُتخلى عن هذا الشرط، وأن يُبذل جهد لتأمين مشاركة شبابية، شرط ألا يزيد ذلك في المتاريس ولا في «المنبرية» الخطابية ولا في خلط العناوين والقضايا. الأفضل أن يكون ذلك جزءاً من مسعى وجهد لتعزيز المؤتمر وتطوير فاعليته وتجذير مبادراته وفعله النقدي وبرنامجه عموماً.
نال البيان الختامي موافقة الجميع تقريباً، وأدى وفد «هيئة التنسيق» السورية دوراً في توفير أساس مقبول في النص المقرّ. لم يغيّر ذلك من مواقف أحد، ولم يستتبع ذلك بأي مبادرة. تلك هي واحدة من أبرز الأمور المشكو منها.
* كاتب وسياسي لبناني