ما زالت الأزمة السوريّة تُلقي بظلالها على صنّاع القرار في دولة الاحتلال، الذين لا يتورّعون عن توجيه التهديدات المباشرة وغير المباشرة إلى هذا القطر العربيّ، لكن اللافت أنّ التهديد الذي أطلقته إسرائيل عبر صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، بأنّها ستُهاجم سوريا وستُسقط الأسد، جرى بقدرة غير قادر نفاها نفياً قاطعاً الجنرال يوآف مردخاي، الناطق الرسميّ بلسان الجيش، الذي وصفه في بيان رسميّ بأنّه عارٍ من الصحة. من غير المستبعد أنْ تكون هذه الدولة المارقة تخوض حرباً نفسيةً ضدّ النظام الحاكم في دمشق، لكن من غير المستبعد أنْ تكون أيضاً قد قامت بعملية جرد حسابات الربح والخسارة، وتوصّلت إلى قناعة بأنّ الظروف لا تعمل لصالحها، مهما كان من أمر، فإنّ الأمور مرشحّة، باعتقادنا المتواضع جداً، باتجاه التأجيج، وهذه الدولة، منذ إقامتها على أرض فلسطين، تخوض العدوان تلو العدوان ضدّ الناطقين بالضاد، ذلك لأنّها أولاً رأس حربة الإمبريالية الأميركية في الشرق الأوسط، وثانياً، من منطلق إيمانها القاطع بأنّه يُمكن، نعم يُمكن، تحقيق مبادئ قادة الحركة الصهيونيّة القاضية بإقامة إسرائيل الكبرى على أكبر مساحة من بلاد العرب، وبالتالي نقول، ولا نجزم، بأنّ كلّ شيء بات متوقعاً في هذه المنطقة، أيْ الشرق الأوسط، بمعنى أننّا لن نفاجَأ البتّة بأيّ سيناريو خطير قد يتحوّل إلى أمر واقع على الأرض.


■ ■ ■


نقولها بكلّ صراحة: في حال انتصار الرئيس بشار الأسد على المعارضة المستوردة من كلّ حدبٍ وصوبٍ، والمدعومة من الغرب والعرب، على حدٍّ سواء، وتمشيط أراضي بلاد الشام من هذه المخلوقات الموبوءة، فإنّ الدولة العبرية ستكون الخاسر الأكبر، مع أل التعريف، ذلك أنّه من مصلحة تل أبيب أنْ تتفتت سوريا، وأنْ يتمزّق نسيجها الاجتماعيّ، وأنْ تتحوّل إلى دويلات طائفية ومذهبية، لأنّه عندئذ يخسر محور المقاومة والممانعة، المكوّن بالإضافة إلى سوريا، من إيران وحزب الله، عاملاً أساسياً، ما يُتيح الفرصة لإكمال المهمّة بالإجهاز على حزب الله، ومن ثمّ التفرّغ لحلّ الأزمة النووية الإيرانية، ذلك أنّ الهدف الأساسي والرئيسي والمفصلي للإمبريالية الأميركية وزبانيتها في المنطقة، هو المحافظة على أمن الحبيبة الربيبة إسرائيل. علاوة على ذلك، من المهّم الإشارة في هذه العجالة، إلى أنّ التهويل الصهيونيّ من الجماعات الإسلامية المتشددة، مثل «جبهة النصرة» وخطرها على أمنها، ما هو إلا ذرُ للرماد في العيون. فقائد هيئة الأركان العامّة في جيش الاحتلال، الجنرال بني غانتس، قال هذا الأسبوع للصحافيين إنّه أسهل للجيش الإسرائيلي محاربة هذه القوى من أنْ تُحارب الجيش السوري. علاوة على ذلك، نسأل وبأعلى الصوت، ونُنوه قبل ذلك بأنّ السؤال لا يعني بأيّ حال من الأحوال دعوة للقيام بأعمال ضدّ إسرائيل، نسأل: ما هو السبب الذي يمنع تنظيم «القاعدة» الإرهابي بامتياز مع علامة الجودة من تنفيذ عمليات «جهادية» ضدّ «الكيان الصهيونيّ»؟ نسأل، ونعود ونُكرر بأنّنا لا نُوجّه دعوة لأعضاء هذا التنظيم باستهداف الدولة العبرية، أوْ استهداف الأماكن اليهوديّة في العالم، نسأل، لأننّا على الرغم من جهودنا الجبّارة لسبر غور هذه الظاهرة، وحلّ هذا اللغز، فقد كان الفشل حليفنا. ومن جهة ثانية، فإنّ انتصار سوريا يعني أنّ حرباً واسعةً جديدةً سوف تستهدف الأنظمة والقوى التي اعتدت على سوريا، وخاصة الأقطار العربية. فالعلاقة معها وصلت إلى حد الصراع التناحري، وهذا يعني أنّ سوريا سوف تقصقص كل الزعانف العربية الحليفة لإسرائيل، وتحول ثروة العرب لصالح موقف عربيّ موحّد.

■ ■ ■


العلاقات الأميركية الإسرائيلية يُمكن وصفها بعلاقة غرام مستمرة، قيس وليلى، روميو وجولييت، أوْ مثل الزواج الكاثوليكيّ، لكن على الرغم من أنّ الدولة العبرية هي الحليفة الاستراتيجية الأولى وربّما الأخيرة لواشنطن في المنطقة، إلا أنّ دوائر صنع القرار في البيت الأبيض ووزارة الدفاع ووزارة الخارجية تعلم علم اليقين أنّ خسارة أميركا في الحرب التي تقودها، ويخوضها وكلاؤها في المنطقة، ستُعدّ وفق مفاهيم العلاقات الدولية المحكومة بموازين القوى أنّها خسارة نفوذ، لا أقّل ولا أكثر، لكنّ بالنسبة إلى دولة الأكثرية اليهودية، فإنّ الأمر يختلف، ذلك أنّ خسارة إسرائيل في سوريا، تعني بالنسبة إليها خسارة وجود، والفرق واضح بين النفوذ والوجود، وهذا الزمان، وهنا المكان لتحذير أقطاب وأركان دولة الاحتلال من الإقدام على جرّ المنطقة برّمتها إلى حرب طاحنة، نعرف كيف تبدأ، لكن لا أحد يعرف كيف ستنتهي. بمعنى حرب، كما يقول مثلنا العاميّ: عليّ وعلى أعدائي، لكن المعادلة لم تبق إقليمية فقط، إنّما تدخّل الدب الروسي وبكلّ قوته في المنطقة غيّر في موازين الردع كثيراً، ومع أنّ تل أبيب لا تُقّر بذلك، إلا أننّا لا نستبعد بالمرّة أنّ تدخّل روسيا بحزم وبصرامة في الصراع الدائر في سوريا، هو السد المنيع الذي يحجب الطريق أمام عدوانية الدولة العبرية. وللتدليل فقط، نُورد في هذا السياق الزيارة الفاشلة التي قام بها رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، إلى موسكو، واجتمع هناك مع الرئيس بوتين، الذي حذّره من مغبة تنفيذ أيّ هجوم ضدّ سوريا، لأنّ الثمن الذي ستدفعه بلاده سيكون باهظاً للغاية. علاوة على ذلك، لا يُمكن أنْ ننسى الدور الذي تؤديه الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ولا يُمكن بأيّ شكل من الأشكال اختزال الدور الذي يقوم به حزب الله اللبنانيّ، الذي هدد أمينه العام، السيّد حسن نصر الله، الأسبوع الماضي بفتح جبهة الجولان للمقاومة الشعبية ضدّ إسرائيل. ونكتب هذه الكلمات في الذكرى الـ13 لكنس الاحتلال الإسرائيليّ من جنوب لبنان في أيار (مايو) من عام 2000.

■ ■ ■


علاوة على ذلك، نرى أنّ من الأهمية بمكان التشديد على أنّ إسرائيل تمُرّ بأزمة اقتصادية خانقة، الأمر الذي يُعيد إلى الأذهان الكساد الاقتصاديّ الذي كان سائداً في هذه الدولة عشية عدوان حزيران (يونيو) من عام 1967. الحكومة الإسرائيلية الجديدة بصدد اتخاذ قرارات مصيرية تُغني الغنيّ وتُفقر الفقير، وبالتالي، فإنّ التملّص من الطبقات والشرائح الضعيفة ومن الطبقة الوسطى، يأتي عن طريق شنّ الحرب على سوريا أوْ حزب الله، أوْ الاثنين معاً لإسكات هذه الطبقات المسحوقة. فمن المعلوم أنّه في زمن الحرب، يتعاضد ويتماسك الشعب على جميع أطيافه حول حكومته، التي تقوم بالدفاع عن وجودها، كما يُسوّق أركانها، كما أنّ الطبقة الوسطى، التي تُنظّم في هذه الأيام تظاهرات ضدّ الغلاء ستنكفئ على نفسها إذا قامت إسرائيل بشنّ الحرب، إضافةً إلى ذلك، فإنّ الحرب، وسقوط الجنود على أرض المعركة، سيسكتان الشعب الفقير ويدفعانه إلى التنازل عن مطالبه، كما عندما تضع الحرب أوزارها، تحدث حالة من النشاط الاقتصاديّ من إعادة إعمار إلى إعادة بناء وما إلى ذلك. هذه الحجّة الاقتصادية ربّما ستدفع حكّام هذه الدولة إلى الإقدام على المغامرة في محاولة بائسة ويائسة لجرّ الولايات المتحدّة الأميركية للحرب.

■ ■ ■


وبما أننّا أتينا على ذكر الاقتصاد، فإنّ أميركا تعيش أزمة اقتصادية صعبة للغاية، واقتصادها يتدهور من يوم إلى أخر، وهذه الأزمة الاقتصادية تُلقي، بطبيعة الحال، بظلالها على الوضع السياسيّ والأمنيّ. أميركا اليوم، أعجز وأوهن من أنْ تخوض حرباً ضدّ سوريا الصغيرة نسبياً، فكَمْ بالحري، أن تخوض الحرب ضدّ قوى إقليمية وعالمية، مثل روسيا والصين؟ الخزينة الأميركية فارغة، وبالتالي فإنّ واشنطن باتت تستجدي إسرائيل بعدم شنّ أيّ هجوم قد يؤدي إلى توريطها في مواجهة عسكرية هي أصلاً لا تُريدها بسبب أزمتها الاقتصادية وأسباب أخرى. ونذكر فقط أنّ واشنطن تُعارض حتى هذه اللحظة تهديد إيران باللجوء إلى الخيار العسكري لتدمير برنامج الجمهورية الإسلامية النوويّ، وتلتزم بخيار المفاوضات لحلّ هذا الملف. يكفي الإشارة إلى أنّ الأزمة ألاقتصادية في أميركا وصلت بها إلى عجز ومديونية بـ16 تريليون دولار. وفي نطاق معالجة تلك الأزمة، أوْ بالأحرى إدارتها قرر المصرف المركزي الأميركي طباعة تريليون دولار سنوياً لتوفير سيولة مالية، مما يزيد ضعف الثقة بالدولار لكثرة أوراقه ويُشجّع الدول الصاعدة على اعتماد عملة تبادل دوليّ أخرى، وهذه كارثة على أميركا.

■ ■ ■


ونُنهي باقتباس من الأمين العام لحزب الله اللبناني، السيّد حسن نصر الله، الذي أرسى مقولته الشهيرة والمأثورة أيضاً: في الماضي كانت إسرائيل تتحدث قليلاً وتفعل كثيراً، أمّا اليوم، فإنّ إسرائيل تتكلّم كثيراً وتفعل قليلاً، لكن هذا لا يعني أنّ هذه الدولة كبحت جماح عدوانيتها، فيوم الاثنين (27- 5 - 2013) بدأ التدريب الذي يُحاكي تعرّض الدولة العبريّة لهجمات من عدّة جبهات بآلاف الصواريخ، فضلاً عن أنّ المسؤولين في تل أبيب قالوا أكثر من مرّة إنّ بلادهم مُحاطة بمئتي ألف صاروخ. وبناءً عليه، نُطلق تحذيراً لحكّام إسرائيل: لا تلعبوا بالنار، لأنّه خلافاً للماضي، فإنّ المواجهة القادمة إنْ وقعت، لا سمح الله، ستكون مدّمرة، ولا نستبعد بالمرّة تغيير خريطة الشرق الأوسط، إنْ لم يكُن أكثر من ذلك، حذار، حذار.
* كاتب من فلسطينيي 48