منذ أكثر من قرن، كتب المفكر السوري وأحد رواد النهضة العربية عبد الرحمن الكواكبي في كتابه طبائع الاستبداد: «فناء دولة الاستبداد لا يصيب المستبدين وحدهم، بل يشمل الدمارُ الأرضَ والناس والديار، لأن دولة الاستبداد في مراحلها الأخيرة تضرب خبط عشواء كثور هائج، أو مثل فيل ثائر في مصنع فخار، وتحطم نفسها وأهلها وبلدها قبل أن تستسلم للزوال. وكأنما يُستَحَق على الناس أن يدفعوا في النهاية ثمن سكوتهم الطويل على الظلم وقبولهم القهر والذل والاستعباد، وعدم تأملهم في معنى الآية الكريمة: «وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ». (سورة الأنفال الآية 25).

كأنّ عبد الرحمن الكواكبي يصوّر المشهد الليبي اليوم وتلك المصائب التي تبدو كأنّها قدر بلدنا الأبدي. بيد أنّ ما تحطمه الثيران الهائجة في ليبيا لدى تفكيك الاستبداد ليس الفخار. ذلك أنَّ عدد القتلى تجاوز 25،000 والجرحى والمشوهين بعشرات الآلاف. وتشمل هذه الأعداد كثيراً من المدنيين ضحايا القصف الجوي الذي قامت به قوات «التحالف»، كما أُبلغ عن أربعة آلاف في عداد المفقودين.
لم تأتِ أعمال العنف وانتهاكات حقوق الإنسان من طرف واحد. لقد منعت ميليشيات من مصراتة حوالى 30،000 شخص من العودة إلى منازلهم في بلدة تاورغاء المجاورة، متهمةً إياهم بارتكاب فظائع في مصراتة، كما أفاد أفراد من قبيلة المشاشية في الجبال الغربية، وهي قبيلة متهمة بموالاتها للقذافي، عن هجمات تحرّش وثأر.
لقد جرى توثيق حالات أخرى من انتهاك حقوق الإنسان أشدّ خطورة، كإعدام السجناء، ارتكبتها جميع الأطراف. ولا تقلّ عن ذلك أهميةً عمليات الخطف، والاحتجاز غير المشروع في مراكز احتجاز خاصة، والتعذيب، وبعض حالات الاغتصاب التي لا يزال يجري الإبلاغ عنها إلى هذا اليوم.
وحصيلة كلّ هذا أنَّ الشعب الليبي بات يبدي تلك الأعراض الواضحة الصريحة لتناذر ما بعد الصدمة. وبتشوّش شعبها وصدمته واستقطابه وانقسامه، باتت ليبيا ناضجة أتمّ النضج لقطافها بأيدي قاطفين خبراء جاهزين في الانتظار. وكما هو الحال في أيّ فراغ في السلطة، فإنَّ كثيرين يبرزون ويندفعون كي يملأوا ذلك الفراغ، سواء على الصعيد المحلي أم الدولي. وفي عالمٍ يتزايد فيه الركود وتتضاءل ​​الموارد النفطية، يتمثّل مأزق ليبيا في أنها تجتذب كثيراً من سماسرة السلطة التوّاقين إلى استغلال الانقسام مع شركاء محليين توّاقين مثلهم
وراغبين.
لقد كبر جيلان من مسوخ الطاغية المستبد كي يستبدلوا باستبداد استبداداً آخر. ولقد سبق للقذافي أن زعم في أواخر أيامه، وفي ضربٍ من المفارقة المضحكة، أن الشعب الليبي يحبّه، فكيف يتنحّى؟ كان ذلك حين باتت رسالة الشعب الليبي واضحةً لا لبس فيها: «ارحل!». والمأساوي في الأمر، بعد مرور عامين، هو رنّة الحقيقة التي تتردد في هذا الزعم. فقد واصل القذافي، عبر أجهزة التعليم والإعلام، خلق أمة من المسوخ الذين راحوا اليوم، عن غير عمد أو بصورة لا شعورية، يمارسون التعويذة ذاتها من دون أيّ تغيير. وفي القلب من هذه التعويذة، ثمّة ثقافة الغزو وتوزيع المغانم، والأحرى ثقافة سرقة ما تقع عليه اليد من المال العام.
لقد بزّ الفساد الاقتصادي المستشري الذي تكشّف بعد توقّف النزاع المسلح ما شهده عهد القذافي من سرقة واختلاس بلغا حدّ الهوس.
كانت حالة الفساد الأشد وضوحاً قد بدأت في وقت باكر تماماً مع برنامج توفير الرعاية الطبية للمقاتلين في الخارج. وجرى إنفاق نحو 3 مليارات دولار في 45 بلداً. غير أنَّ ما أُنفق على الغرض الأصلي المقصود لم يتعدَّ 15 في المئة من هذا المال، فيما ذهب الباقي إلى أي شيء وكل شيء يمكن أن تقدّمه المرافق الطبية، من عمليات شد البطن ونفخ الشفاه إلى إزالة الوشم ونزع الشعر وتجميل الأنف وتكبير الثديين.
لم يقتصر عدد المستفيدين من هذا النعيم على مئات المسؤولين الذين أَثْروا بالتواطؤ مع الأطباء والمستشفيات الخاصة في الخارج، بل كان لدى عشرات آلاف الليبيين ذلك الاستعداد والتوق إلى المشاركة في أكبر وأوقح عملية اختلاس للمال العام في تاريخ ليبيا.
وفيما كان الليبيون يتسابقون لقضم أكبر نصيب، كان سماسرة السلطة بتواطؤ مع حلفائهم المحليين يهيئون أنفسهم للمطالبة بالنصيب الأكبر وقطف ثمرة الثمار؛ ليبيا نفسها.
منذ بداية انتفاضة شباط/ فبراير 2011، لم يتوقف السلاح والمال عن التدفق باتجاه بعض الجماعات لغاية واحدة أساسية: إقامة نظام ليبي طيّع أيديولوجياً ويسهل قياده على القوى الإقليمية.
في الوقت ذاته، كان هناك ذلك الجهد الذي لا يكلّ ولا يملّ لإحباط كل المحاولات الرامية إلى بناء جيش وطني وشرطة وطنية. وكانت الجماعات تُحْشَد وتُعَبّأ لبَذْر الخوف والفوضى والتأكد من اجتثاث أي احتمال لقيام أي قانون ونظام، وأي حكومة فاعلة أو حالة من الأمن.
كذلك، كان يجري بناء المشهد على المسرح السياسي بكل ما ينبغي من الدقّة والإتقان. وفي الأيام القليلة التي سبقت انتخابات المؤتمر الوطني العام، جرى تعديل القانون الانتخابي خلسة لإعطاء الميليشيات المسلحة حق التصويت. وكانت هذه نقلة مدروسة لضمان إدخال أمراء الحرب، الذين كانوا أول المستفيدين من تدفق الأسلحة وغياب قوة عسكرية وطنية، إلى المؤتمر الوطني العام وتمكينهم من جمع النفوذ السياسي إلى القوة العسكرية على الطريقة اللبنانية.
وجاء وقت التخلّص من أي معارضة سياسية محتملة وإعمال «قانون العزل».
عقب الانتخابات وعلى مدار عدة أشهر، كان «المؤتمر الوطني العام» مشغولاً ومستقطَباً في مناقشة « قانون العزل» الهادف إلى إبعاد أولئك الذين عملوا لمصلحة نظام القذافي عن شغل مناصب رسمية... وحين مرّ القانون في النهاية، كان ذلك بعد سلسلة هجمات مسلّحة على مكتب رئيس الوزراء وعلى المؤتمر الوطني العام أثناء انعقاده، بما في ذلك غارة جرى فيها احتجاز جميع الأعضاء ما يقارب 11 ساعة، وشتم الأعضاء النساء وضرب الأعضاء كبار السنّ حين حاولوا الهروب من المبنى كما أمطرت سيارة رئيس المؤتمر بوابل من الرصاص وهو يغادر المبنى.
على الرغم من التصريحات التي تنكر تمرير المؤتمر قانون العزل تحت تهديد السلاح، كان من الواضح لمعظم المراقبين أنَّ ذلك ما جرى بالفعل بعيداً عن أيّ اقتناع.
لقد رحب بقانون العزل قسم من الشعب المصدوم، الذي أنهكته المعارك على أمل أن يضع ذلك حدّاً للصدمات المتلاحقة، كما أمل بعضهم أن الميليشيات سوف تحلّ نفسها بمجرد صدور القانون ويسود السلام والهدوء. وواقع الحال، أنَّ تمرير القانون قد زاد من تجرّؤ هذه الجماعات ومن شهوة السلطة لديها. وسوف يكتشف كثير من أولئك الساسة الذين أشادوا بصدور قانون العزل أنهم كانوا يحتفون بأفولهم السياسي في حقيقة الأمر.
أمّا الخطوة التالية التي ستقوم بها هذه المجموعات المسلحة، والسياسيون الذين تجرّهم معها، فهي اختيار جمعية تأسيسية متعاطفة معها أيديولوجياً لصياغة دستور يرسخ سيطرتهم الإيديولوجية على البلاد. وعندها سيكون قد اكتمل الانقلاب السياسي الذي بدأ مع صدور قانون العزل.
من غير المجدي، في مثل هذه الأوضاع، التطلّع إلى حكومة تقود. ما من حكومة كهذه في ليبيا. ثمّة أفراد يحملون ألقاباً رسمية، غير أنَّ أحداً سوى أولئك الذين تدعمهم الجماعات المسلحة لا يملك قدراً كافياً من السلطة حتى داخل وزاراتهم. وحين وعد وزير العدل بإغلاق مراكز الاحتجاز الخاصة التي يُحتجَز فيها المعارضون السياسيون ويُعذَّبون في بعض الأحيان، حاصرت وزارته جماعات مسلحة، كما نُهبت وزارة الداخلية في كلّ مرة تأخّرت فيها الرواتب التي تدفعها إلى المسلحين الذين استأجرتهم. أمّا وزارة الخارجية، الواقعة على بعد بضعة أميال، فقد حوصرت أيضاً لتخليصها من «الموالين للقذافي».
تتكون البلاد حالياً من عدد من «المناطق الخضراء»، حيث الحياة اليومية آمنة نسبياً. أمّا بقية البلاد، ولا سيما في الجنوب، فهي مناطق متنازع عليها. وتسيطر على طرابلس، العاصمة، مجموعتان من الميليشيات، الأولى مكونة من ميليشيات مصراتة، التي يتخذ أفرادها «فيلات غرور» مقراً لهم، تتحالف معها ميليشيات من سوق الجمعة (كتيبة النواصي) وميليشيات أخرى من تاجوراء والزاوية، وهم يشكلون تحالفاً سياسياً، ويحركهم بعض أمراء الحرب في المؤتمر الوطني العام، والأخرى ميليشيات من الزنتان (القعقاع وكتائب أخرى من جبل نفوسة والزاوية) الخط الفاصل بينهما يمتد من مطار طرابلس الدولي حتى قاعة الشهداء بحي الأندلس، والمجموعتان في تنافس شديد يصل إلى حدّ العداء، وهما حالياً في هدنة مصطنعة لا أحد يعلم كم ستستمر.
ولا يجرؤ الوزراء وسواهم من المسؤولين على السفر خارج حدود «المنطقة الخضراء» التي حددوها لأنفسهم خشية الخطف أو ما هو أسوأ.
في ظروف الاحتجاز هذه، ما من حكومة، سواء كانت منتخبة أم غير منتخبة، يمكن أن تمضي قُدُماً على نحو جدّي في وضع الأسس اللازمة لإعادة الإعمار والتنمية.
في مجتمع يفتقر إلى قوة قادرة على إنفاذ القانون، غدت الظروف التي أوجدتها تعويذة القذافي خلال 42 سنة هي الأساس الضروري لحكم الغوغاء. وهذه البيئة من غياب القانون هي ما تستغله الآن الميليشيات التي كرّست نفسها للسلطة والسيطرة.
تعيش ليبيا مأزقاً خطيراً. وينبغي لمجموعة من الليبيين الحكماء وذوي الصدقية والإيثار أن يُنشئوا نوعاً من مجلس شورى. وعلى هؤلاء الليبيين الحكماء أن يلتقوا، ويتناقشوا ويقدموا النصح بشأن الخروج الآمن من هذه الفوضى، ذلك الخروج الذي لا يمكن أن يتأتى إلا عبر مصالحة وطنية. أمّا بغير ذلك، فسرعان ما سيواجه الليبيون وضعاً كارثياً مُبْرَمَاً وأشدّ تعقيداً.
* كاتب ليبي