كلّ ما يحدث من حولنا بات محكوماً بمنطق من يتحرّك دفاعاً عن فكرة الانتفاض. ليس بالضرورة أن يكون الانتفاض هنا في مواجهة النظم أو السلالات المافياوية، فحكومة رجب طيب أردوغان مثلاً لم تصل بعد إلى مرتبة المافيا (كما هي الحال مع حليفها السابق في دمشق) كي يصار إلى إسقاطها بمعيّة الانتفاض. غير أنّها باتت على شفا مواجهة فعلية مع كتلة اجتماعية لا يروقها أن تتدخّل تركيا أكثر في المسـألة السورية. وهذا فعل يعبّر عن الانتفاض بشكل أو بآخر، ولا يمكن التعامل معه دائماً بمنطق الاحتواء كما يفعل أردوغان حالياً، أو كما فعل نوري المالكي من قبله في العراق. الوصول إلى السلطة عبر الانتخابات الصورية لا يصلح أن يكون جواباً عن سؤال الانتفاض والكتل الجديدة التي تعبر من ساحة إلى أخرى ومن ميدان إلى آخر. «الإخوان» في مصر الآن يواجهون هذه المعضلة بحدّة أكبر من مواجهة تركيا والعراق لها. فهناك لم تتأسّس بعد شرعية واضحة للحكم، وليس بالإمكان أصلاً تجاهل الأصوات الغاضبة التي تدعو إلى شرعية موازية، وتعاود التأكيد على فكرة الانتفاض كأساس للدولة التي سترث الثورة. لدينا الآن مثلاً حملة «تمرد»، التي يمضي أصحابها في جمع التواقيع الشعبية لسحب الثقة من محمد مرسي كرئيس للجمهورية. لنلاحظ هنا أنّ الرجل هو أول رئيس «مدني» منتخب عبر صناديق الاقتراع منذ الاستقلال على الأقلّ، ومع ذلك لم ينسحب تأثير هذا المعطى «القانوني» على الكتلة الاحتجاجية التي ترفض الاعتراف بالأمر الواقع، بالضبط لأنّه ليس الواقع الذي أرادوه من انتفاضهم. ثمّة شرعية هنا اسمها شرعية الإرادة وهي تجبّ ما قبلها عادة، وقيامها غالباً ما يرتبط بفعل القطيعة الذي يغيب تماماً عن المشهد المصري. لقد أفضى التراكم الحاصل في غضب المصريين من «الإخوان» إلى محطّات عديدة لم يثبت أنّها جديرة بانجاز القطيعة حتى الآن. لم يبق شيء إلّا جرّبته الكتلة المنتفضة في مواجهة مرسي وسلطته، من التظاهر إلى حرق مقار الجماعة، ومن الاحتجاج «في إطار القانون» إلى التحايل عليه بكافّة الأساليب الممكنة.

في وقت من الأوقات وصل هؤلاء إلى نتيجة مفادها أنّ العنف لا يواجه بغير العنف. من رحم هذه الخلاصة ولدت ظاهرت «البلاك بلوك» كشكل رمزي وكاريكاتوري في آن واحد يحتجّ على السلطة وينازلها على أرضها، من دون أن يكون قد فعل ذلك تماماً. فهم النظام من ذلك أنّ التناسل والتجريب المستمرّ هما صفة ملازمة للكتلة التي تواجهه، فكان خياره أن يكون قمعها متعدّد الأشكال بدوره، ومتناسباً في كلّ مرّة مع حجم الاحتجاج وطبيعته. جرّبت هذه الوصفة أوّل مرة في «الاتحادية» عبر الزجّ بمجموعات موالية في وجه المجموعات المعارضة التي كانت معتصمة هناك، لكن سرعان ما جرى التخلّي عنها بعدما تجاوز المجتمع جزئياً فكرة تعميق الانقسام العمودي داخله.
الموجات اللاحقة من القمع كانت تقليدية لجهة إيكالها إلى الذراع الأمنية المتمثّلة في وزارة الداخلية. لم يكن في استطاعة «الإخوان» تكرار واقعة «الاتحادية» في بورسعيد المدينة التي صوّتت ضدّهم أكثر من مرّة، وبرهنت لمن لا يعرفها أنّ التاريخ ليس قطعة ثياب نستعملها مرّة أو مرّتين ثم نرمي بها عندما تبهت قليلاً. فكرة المقاومة هناك متجذّرة وممتدّة زمنياً ولا يمكن في حال من الأحوال فصلها عن السياسة أو عن فعل التثوير الذي عاود البورسعيديون تجربته ولكن مع الداخلية هذه المرة. الكتلة الاجتماعية التي خلخلها الزمن قليلاً (وكذا سياسة التجريف المنهجية التي اتّبعها نظام مبارك) عادت للتماسك بمجرّد أن حاولت السلطة نقل معركتها إلى أرضهم.
لنلاحظ معاً كيف تتماسك الكتل الاجتماعية المعارضة في مصر، وكيف ترمّم انكساراتها مع كلّ خطوة يخطوها «الإخوان» باتجاه أرض جديدة. يجدر بالمختصّين في العلوم الاجتماعية دراسة هذه الظاهرةـ، فهي لا تقلّ شأناً أبداً عن فكرة التحلّل الاجتماعي المرافق لتفكّك السلطة الطبقية - الطائفية في سوريا وفي غيرها. منذ فترة والسلطة في مصر تحاول تحطيم هذا التماسك الذي يبدو لافتاً فعلاً بالنسبة إلى حركات احتجاجية جنينية يتناسل بعضها من بعض. كلّما ذوت حركة وأوشكت على الفوات تسلّم الراية إلى أخرى وليدة. هذا التوالد المستمرّ يكاد يصيب «الإخوان» بالجنون، ولا يبدو أنّ هنالك شيئاً سينفع معه. الانتقال مثلاً من التنظير إلى العنف الرمزي، والاستهزاء بعنف السلطة في ظاهرة «البلاك بلوك» إلى السلمية المبهرة التي توفّرها فكرة جمع التواقيع والحضّ على التمرد سياسياً من جملة الأمور التي تميّز هذا الشكل الاحتجاجي وتحفظ تماسكه. ثمّة مرونة هنا لا تتوافر بالقدر نفسه للتنظيمات التي تواجه السلطة وفقاً لطبيعتها الهرمية. وهذا يوفّر مساحة أكبر للمناورة وإعادة بناء التنظيم فيما لو صدر الأمر بهدمه إمّا قانونياً، أو عبر أذرع السلطة الأخرى. لا تنسوا أنّ الاعتقالات الجماعية التي حدثت أثناء الحضّ على عنف السلطة بمثله (ولو نظريّاً) قد أنهكت هذه الكتلة، وأحدثت فراغاً في بنيتها التنظيمية يصعب ملؤه كيفما كان. حين حصل ذلك بالأمس ظنّ «الإخوان»، ومن معهم، أنّ معاودة البناء من جديد، وخصوصاً في ظلّ الاعتقالات والقتل وعمليات التشهير، ستكون صعبة إن لم نقل مستحيلة.
ربّما اعتقدوا أن الاستراتيجية التي اتّبعت في إيران عقب وصول الإمام الخميني إلى السلطة باتت في متناولهم الآن. التجريف الذي بدأ منذ إصدار مرسي إعلانه الدستوري يدلّ على ذلك، وكذا محاولة حشر الخصوم كلّهم، بما ذلك «رفاق الكفاح» في خانة «الثورة المضادة». وهذه هي مشكلة الفاشيّات عموماً. عندما تصل إلى السلطة بمعيّة الشرعيتين الانتخابية أو الثورية تحتار في كيفية التعامل مع الكتلة الاجتماعية التي أوصلتها إلى هناك. هي تعرف كيف تحدث الانقسام داخل المجتمع، لكنها تبحث دائماً عن الوسيلة الأفضل لتظهيره. في الماضي كانت الشوفينية القومية هي الأداة لفعل ذلك، أمّا اليوم، فقد حلّ التديّن الشكلي المستخدم من جانب الرأسماليات الدوليّة محلّها. لا شيء يفسّر تغاضي البيئة الموالية للإخوان والسلفيين عن العذابات التي يتعرّض لها النشطاء الثوريون أكثر من التقوّل عليهم دينياً أو طائفياً.
يكفي أن يقال عن هذا الناشط أو ذاك بأنّه ملحد أو «كافر» حتى يستتبّ الأمر لمن جرّف التثوير أو أمر بتجريفه. طبعاً لم يحصل ذلك بالسّهولة التي اعتقدتها السلطة، إلّا أن مواجهة الكتلة المنتفضة لفعل تجريفها ستزداد صعوبة، وسيكون التحدّي الأكبر أمامها سواء اتّخذت لنفسها اسماً جديداً (تمرّد) أم لم تتّخذ هو كيفية تفادي الزجّ بها في مواجهة مفتوحة مع جمهور السلطة. ربّما لا يعتدّ شباب «تمرّد» أو غيرهم بهذا الأمر كثيراً، فالأولوية بالنسبة إليهم الآن هي إجبار النظام على التنازل عن السلطة، حتى لو اقتضى الأمر أن يواجهوا قاعدة «الإخوان» والسلفيين موضعياً.
لقد جرّب هذا الجزء من الاجتهاد في مواجهة السلطة أثناء واقعة المقطم، وحصل انقسام بشأنه لاحقاً. في الحالتين ثمّة حقيقة صلبة وموضوعية اسمها الكتلة الاجتماعية المساندة للإخوان والسلفيين، وهي ليست سلطة أو مجموعة من الامتيازات الطبقية حتى يجري تفكيكها بسهولة. على الكتلة المنتفضة أن تعي ذلك أثناء تخطيطها للتوقيع على سحب الثقة من مرسي والتوجّه إلى قصر الاتحادية لإجباره على التنحي.
«الإخوان» يعون هذه الحقيقة جيّداً، ولا يملكون أساساً غير الكتلة تلك ليحاربوا بها خصومهم. لنقل إنّها ورقتهم الأخيرة الباقية من ارث العمل السرّي والتشبيك الاجتماعي على مدى ثمانين عاماً وأكثر. الأرجح أيضاً أنّها ستعوّضهم بعض الخسائر التي لحقت بهم من جرّاء الصراع مع الثوريين. ثمّة سوابق لهذا الأمر، وثمّة نجاحات أيضاً أحرزتها الفاشيّات الحاكمة عندما استخدمت الورقة تلك. لدينا مثلا الحالة السورية، حيث استطاع النظام الفاشي هناك جرّ المجتمع إلى الفوضى، وما لبثت أن لاقته «السلطة الفاشيّة» الجديدة في المنتصف. بالطبع ليست الحال كذلك في مصر، فالفاشيّة هناك حكر على السلطة وحدها، وجلّ ما تفعله الكتلة المعارضة أنّها تحاول منع الفاشية من جرّها إلى الفوضى والتموضع في مواجهة الكتلة الموالية.
حتّى الآن استطاع الثوريون تفادي هذا المطبّ، والاستثناءات التي ذهبت في الاتجاه المعاكس كانت قليلة (مشهد إحراق أحد شباب الإخوان على تلّة المقطم عبر رميه بمولوتوف أثناء الواقعة الشهيرة كان فظيعا بكلّ المقاييس، ولم يجد من المعارضة من يدينه سوى إبراهيم عيسى!). يتعيّن على الثوريين بمختلف تلاوينهم وخصوصاً اليساريين منهم أن يبذلوا مزيداً من الجهد في سبيل ذلك. هم الآن في مواجهة مفتوحة مع السلطة، لا مع قاعدتها الاجتماعية. إذا استطاعوا عبر التطوير المثابر والمدهش لأدواتهم إجبار الأولى على التنحي، فهذا لا يعني أنّ الأخيرة ستقبل أن «تتنحّى» بدورها. الموالون يحاجّون خصومهم الآن بفكرة الصندوق والشرعيّة الانتخابية، ولا يقبلون بسهولة الإذعان لمنطق التثوير المتصاعد والمتدحرج الذي يلجأ إليه الثوريّون كاستراتيجية وحيدة في مواجهة السلطة. الاستقطاب هنا ليس جديداً، ولا هو بالطارئ على الوضعيات التي أنتجتها الثورة بشقّيها الملوّن والفعلي، غير أنّه يكتسب بعداً إضافياً من إدراك الجميع لعبثية المواجهة عندما تصبح بين الكتل الاجتماعية نفسها. في حالات مماثلة لا تأبه الكتلة الموالية لما سيحدثه اصطدامها المباشر بالمعارضين من تحلّل اجتماعي، فهي مسنودة إلى سلطة تعرف عادة كيف تدير التناقضات داخل المجتمع لمصلحتها، وكيف توظّفها دمويا في مواجهة خصومها. هذا هو عمل السلطة على أيّ حال، لذلك يبدو جمهورها كسولاً و«مرتاحاً إلى وضعه» بخلاف ما يبدو عليه الجمهور الآخر. حين نتحدّث عن الانتفاض نكون في صدد معاينة هؤلاء الآخرين فحسب. لا أحد يتكلّم في سوريا مثلاً عن انتفاض للموالين أو المتردّدين رغم أنّهم يعانون الكثير اليوم، فهؤلاء ليسوا في وارد مواجهة قريبة أو بعيدة مع السلطة المافياوية. الكتلة المنتفضة هي وحدها في هذا الموقع، إلى أن تتحوّل طبعاً إلى سلطة (ثمة مؤشّرات فعليّة على حدوث ذلك). وبالتالي الحديث عن «تمرّد» أو عن أشكال جديدة لمواجهة السلطة مرتبط عضوياً بكيفيّة رؤية هؤلاء للكتلة التي تواجههم. لا بدّ من قول ذلك الآن ولو على حساب التحشيد الجاري حالياً للمواجهة.
إذا انتظر المرء حتّى تتحرّك السلطة لوضع كتلتها في مواجهة الثوريين فسيكون الأوان قد فات، وقد نصبح حينها إزاء مشهد لا يختلف كثيراً عن المشهد السوري. وهذه ليست مسؤولية الكتلة المنتفضة على الاطلاق. المسؤول عن حدوث ذلك إذا ما جرى هو التوأمة الجارية بين سلوك الفاشيّات هنا وهناك، لكنّ هذا لا يعفي الثوريين من أن يكونوا مسؤولين بدورهم تجاه ما يمكن أن يحدث.
طبعاً ثمّة إطار محدّد لذلك وهو إطار ما يمكنهم فعله. لقد استطاعوا حتّى الآن انجاز الكثير، والأرجح أنّهم قادرون على مزيد من الانجاز. فكما كسروا السلطة وأجبروها على التراجع غير مرّة كذلك يمكنهم «فعل الشيء نفسه مع جمهورها». الفارق فقط هو أنّهم الآن في مواجهة كتلة لا سلطة فحسب. وهذا يعني أنّ المطلوب منهم هذه المرّة هو الاحتواء لا الكسر. وإذا تعذّر احتواء الموالين، فلا بأس من تحييدهم جزئيّاً. الانتفاض أحياناً بحاجة إلى رويّة وإلى مراعاة من «يصعب مواجهته»، وخصوصاً إذا كان هذا الأخير فقيراً أو معدماً.
* كاتب سوري