تتحدث حكاية تعود إلى نهاية سبعينيات القرن الماضي وفي عز الحرب الأهلية اللبنانية، عن لقاء جمع مسؤولين في ما كان يسمى حينها الحركة الوطنية والمسؤول الليبي عبد السلام جلود، حيث كان هذا الأخير يدفع لهؤلاء المسؤولين مخصصات مالية حسب أعداد المقاتلين الذين يأتمرون بأوامرهم. وتروي الحكاية أنّ أحد المسؤولين تحدث عن مقاتليه في بلدة قليا البقاعية، بينما سماها الآخر «إليا» وفقاً للهجة المحكية، فما كان من المسؤول الثالث الذي لا يعرف البلدة إلا أن طالب بمخصصات مالية لمقاتليه في البلدتين «قليا وإليا».

أما سبب العودة إلى هذه الحكاية، فهو مشهد الشيخ أحمد الأسير (مسألة إن كان شيخاً أم لا نتركها لدار الفتوى) يجمع استمارات البيانات الشخصية للراغبين في الجهاد (تبعاً لفتاواه، وصحة هذه أيضاً برسم دار الفتوى) في أرض الشام، ولا ندري إن كان استعراض جمع التواقيع والأسماء أمام وسائل الإعلام بمثابة تصديق مسبق للأعداد التي ستكتب على اللوائح الإسمية، والتي ستكون طويلة جداً، وتتضمن أعداداً أكبر مما ذكرته وسائل الإعلام.
فالرجل يسعى إلى تأسيس حزب جديد، حزب «كتائب المقاومة الحرة»، وإن كان الأسم الأول مجرد تشابه في الأسماء مع حزب الكتائب اللبنانية، فإن الاسم الثالث ينبئ بوجود قرابة مع الجيش السوري الحر، أما المقاومة، فلها حكاية أخرى.
يشير خبراء علم النفس إلى أنّ بعض الأشخاص قد يصابون بحالة من انعدام القدرة على الفصل بين الكره والإعجاب والتفريق بين العدو والقدوة، فيحقدون على مثلهم الأعلى لأنه يذكرهم دائماً بعجزهم عن الوصول إلى مصافه. فيصابون بحالة من الإحباط تترجم عملياً بمظاهر العدوان والعنف، وأيضاً بمحاولة التعويض.
وتظهر هذه الأعراض النفسية في حالة الأسير بوضوح، فالشيخ أسير صورة حزب الله وأمينه العام في أذهان الناس، وهو منهم، وما حفر في ذاكرة هؤلاء عن بطولات هذا الحزب في مواجهة إسرائيل، ورفع صوره وأعلامه على امتداد العالمين العربي والإسلامي عامي 2000 و2006.
إذ يجهد الأسير لأن يكون مالئ الدنيا وشاغل الناس، ولأن يصبح بطل الشارع العربي واسمه على كل لسان، ويحاول ذلك عبر إطلالاته الإعلامية وعروضه البهلوانية من ركوب الدراجات والخيول والتزلج على الثلج ولعب كرة القدم والسباحة، حتى أصبح خبر ذهاب الأسير إلى الحلّاق يسرّب إلى وسائل الإعلام.
وقد حاول الأسير مراراً تقليد الأمين العام لحزب الله في خطاباته ونبرته وبعض حركات اليدين واستئذان المستمعين إليه بإلقاء دعابة ما، فهو درس الرجل جيداً وتابعه بإعجاب باطني. ولما لم ينجح في ذلك بالقدر الكافي ذهب الآن لأخذ صور تذكارية في بعض الخنادق في سوريا حاملاً السلاح ومرتدياً بذلة قتالية، في مشهد يذكّر ببعض الأفلام الترويجية التي تبثها قناة «المنار» عن الأمين العام السابق لحزب الله السيد عباس الموسوي، والأمين الحالي السيد حسن نصر الله على جبهات القتال مع العدو الإسرائيلي، ولعلّ اصطحاب الأسير لنجله إلى الجبهة المفترضة وتصويره هناك، ذروة التقليد ومحاولة التشبه بالسيد نصر الله، الذي استشهد نجله هادي في مواجهات مع العدو الإسرائيلي.
ويبدو الفيديو الذي نشر عبر وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي، أشبه برحلة كشفية لمجموعة من الهواة أكثر منه لمجموعة من المقاتلين على الخطوط الأمامية في القصير الساخنة، فبين السلاح المقفل (وضعية الأمان) وتفاوت حجم الانحناء بين الأسير الذي يتقن الدور فيكاد يمشي على ركبتيه بينما يسير المقاتلون خلفه منتصبي القامة، وما يظهر من إطلاق نار كثيف من جانب واحد دون رد من الطرف الآخر، ما يوحي بأنها حفلة رماية استعراضية لا أكثر ولا أقل، وإخفاء تاريخ التصوير جرى لأسباب أمنية كما زعم. كل ذلك أدى إلى نتيجة عكسية، أظهرت الرجل كمهرج يلعب دور رامبو.
ولا بدّ في هذا الإطار من طرح سؤال عما قاله معاون الشيخ الأسير الشيخ محمد القوام عن قدرة جماعة الأسير على اختراق الطوق الأمني والمراقبة، فإذا كانت هذه القدرة موجودة وسمحت للأسير بالوصول إلى ريف القصير رغم العوائق، فلماذا لا يقوم الأمين العام لكتائب المقاومة الحرة (هل أصبح أمينا عاماً للكتائب، أم ليس بعد؟) باختراق المراقبة والطوق الأمني والتوجّه جنوباً نحو فلسطين المحتلة وتصوير بعض المعارك الوهمية هناك، لكن إذا كان الفيديو مزوراً، وما أدلى به الأسير من تصريحات يجافي الواقع، فما الذي يدفع الرجل للقيام بمجازفة كبيرة من هذا النوع؟
الجواب ربما في حكاية عبد السلام جلود، إذ يبدو أن هناك أطرافاً عربية بدأت تؤدي دور ليبيا السابق في دفع المخصصات للمقاتلين ورعايتهم، لذا يجب على من يريدون الحصول على هذه المساعدات إظهار لوائح أسماء مقاتليهم، وإثبات مشاركتهم في الجهاد، وهذا يعني ربما أن هناك لوائح تضم أسماءً كثيرة فيها مقاتلون من عبرا وغيرهم من عبرة.
* صحافي لبناني _برلين