بينما يحيي الفلسطينيون ذكرى نكبتهم الأولى التي دخلت عامها السادس والستين، كانت مدينة القدس على موعد مع أعضاء العصابات الصهيونية من شبيبة الأحزاب الفاشية/ العنصرية، الذين حددوا ذكرى تاريخ اكتمال احتلال المدينة في الحرب العدوانية التوسعية عام 1967 («وحدة مدينة القدس»)، ليتحركوا في «تسونامي» بشري، قارب عدده، ستين ألف مستعمر، مارسوا حقدهم، بمسيرات عبر بوابات المدينة، بالصراخ والنعيق، ضد أصحاب الأرض الأصليين (الموت للعرب)، والاعتداء على المواطنين والممتلكات، كما تولت أجهزة الحكومة الأمنية اعتقال العشرات، وفي مقدمتهم الشيخ محمد حسين مفتي القدس. تجمعت تلك القطعان السائبة في حلبات للرقص الغرائزي، على دماء الفلسطينيين وعلى خراب مدينتهم. لم يكن جيش العدو المحتل، ولا أجهزته «الأمنية» العدوانية الأخرى، بعيدة عن الحدث. كانت قوات الكيان القمعية من جنود وشرطة ومستعربين، مستنفرة في شوارع المدينة وعند بواباتها وحول المسجد الأقصى لحماية الغوغاء الصهاينة، ولتفريق تجمعات المواطنين العرب التي حاولت التصدي للمستعمرين. أجهزة الإعلام وشبكات المراسلين لم تسلم من همجية الأجهزة العسكرية والشرطية. كان المستعمر/ المجرم يحاول إخفاء جريمته، بإبعادها عن أجهزة التصوير والبث الفضائي. قاوم الإعلاميون/ ات، وحشية المستعمرين، واستطاعوا بالصوت والصورة، النقل الحيّ والمباشر لأبرز ما شهده مسرح الجريمة.

لم يكن الحدث مفاجئاً. الجزء الشرقي من المدينة الذي تتسارع فيه محاولات تهويده وصهينته منذ احتلاله عام 1967، يتعرّض منذ أسابيع عديدة، لحملة إعلامية، رسمية وحزبية، تدعو إلى فرض صلوات يهودية/ تلمودية في المسجد الأقصى، تمهيداً لبناء هيكل أسطوري على أرضه، وتحويل أجزاء واسعة منه، إلى مساحات يمارس فيها المشعوذون، هلوساتهم الدينية. وبحسب ما أصدرته عدة مؤسسات أهلية في المدينة، فإن مسؤولين رسميين _ أعضاءً في الكنيست _ وحزبيين من قادة التحالف الحكومي الأخير (ميري ريغف من «الليكود»، وروت قدرون من «هناك مستقبل»، وشولي ريفائيلي من «البيت اليهودي») دعوا إلى إقامة الصلوات اليهودية في المسجد الأقصى والشروع في بناء الهيكل المزعوم.
منذ الساعات الأولى التي أعقبت تأليف حكومة العدو الجديدة، كانت تحالفاتها تؤكد أنها حكومة «المستوطنين»، التي جاءت مواقفها الداعمة لتنفيذ خطة «شيرانسكي» التهويدية لمنطقة حائط البراق، لتكشف مضمون برنامج العمل الائتلافي للكتل الحزبية، الهادف، إلى استكمال تهويد منطقة المسجد الأقصى وتوسيع المستعمرات وبناء المزيد منها. لم يكن نتان شيرانسكي يغرّد خارج السرب الصهيوني، بل كان هو الأكثر قدرة على تجميع الرؤى وتقديمها عبر صياغة متماسكة_ من وجهة نظر استعمارية_، خاصة، لموقعه في رئاسة الوكالة اليهودية، ولسجله الأسود في حكومة شارون 2005، التي استقال منها احتجاجاً على خطة الانسحاب من قطاع
غزة.
صحيفة «هآرتس» كانت قد نشرت تقريراً عما تهدف إليه خطة شيرانسكي (ستعمل على إحداث تغييرات على منطقة حائط البراق، تقضي بتوسيع الساحة ورفع مستوى الأرضية الحالي، لتتشكل في المنتج النهائي ساحة واسعة، تمتد من الزاوية الجنوبية الغربية للمسجد الاقصى باتجاه الشمال، لتصل حتى منطقة المدرسة التنكزية، علماً بأن هذه المنطقة كانت في الأساس تشكل إضافة الى حائط البراق، حيّ المغاربة، الذي دمره الاحتلال عام 1967، وحوّله وحائط البراق من الخارج إلى كنيس يهودي كبير). وبتنفيذ هذا المخطط، كما تشير «مؤسسة الأقصى للوقف والتراث» يجري «تدمير وطمس ما بقي من آثار اسلامية عريقة تابعة للمسجد الأقصى المبارك، فمن ضمن اقتراحات المخطط رفع مستوى الأرضية ما بين الجهة الجنوبية الغربية للجدار الغربي للمسجد الاقصى _ الجدار الخارجي لمسجد النساء ومصلى المتحف الاسلامي التابعين للمسجد الاقصى وما بين طريق المغاربة _، وفتح هذا الجزء مع حائط ومنطقة البراق لتشكل وحدة واحدة، الأمر الذي سيؤدي إلى طمس كل المعالم الاسلامية وتهويدها».
خلال الأيام القليلة الماضية، صَعّدت حكومة العدو من إجراءاتها القمعية والتوسعية. فما بين هدم المحالّ التجارية في جنين وحملة الاعتقالات في العديد من مدن وبلدات الضفة الفلسطينية، واستباحة ساحات المسجد الأقصى والاعتداء على الكنائس، وتقطيع الأشجار، يعلَن عن الموافقة على بناء حوالى 300 وحدة استيطانية في مستعمرة «بيت ايل» في الضفة المحتلة. يأتي كل ذلك في البيئة التي وفرها الموقف الرسمي للنظام العربي، وسلطة الحكم الذاتي، كما ظهر في اجتماعات واشنطن، بين الوفد السباعي (لجنة الجامعة) والإدارة الأميركية. فقد ساعدت تلك المواقف حكومة العدو على الإسراع في تنفيذ سياستها التوسعية، والعمل مع داعمتها وممولتها الأساسية، الحكومة الأميركية، من أجل الذهاب إلى خطوات متسارعة تفضي إلى تحويل حلم الحركة الصهيونية/ الاستعمارية على يد دعاة الاستسلام في النظام العربي، إلى واقع يتحول فيه الكيان إلى «دولة الشعب اليهودي». هذا الحلم الذي تعمل على فرضه منذ عقود داخل الوطن المحتل منذ عام 1948، الحكومات المتعاقبة، في الحملات العنصرية/ الإجلائية المعادية للعرب كما تشهده عدة مدن تحت عناوين الحداثة والتطويرالمضللة، وخاصة، برنامج «تطوير النقب» أي «تهويده»، الذي جرى تشريعه أخيراً، عبر موافقة اللجنة الوزارية لشؤون التشريع على تنفيذ خطة «برافر- بيغن» لتنظيم سكن المواطنين العرب في النقب، الذين يقارب عددهم المئتي ألف نسمة. من الواضح أن كل المحاولات المتكررة من قبل عدة لجان حكومية، لتسهيل تمريره تحت تعديلات وتحسينات شكلية قد أصبحت مكشوفة. فالحقائق الدامغة، تؤكد أن المخطط يهدف إلى هدم ما يقارب عشرين قرية غير معترف بها، وتهجير أكثر من 45 ألف مواطن من قراهم التي يقيمون فيها منذ ما قبل الغزو الصهيوني وإقامة الكيان.
أمام خطة حكومة العدو الاحتلالية/ الاقصائية/ العنصرية، تبرز أهمية تشديد النضال الوطني/ التحرري لمواجهة الوجود الصهيوني على أرض فلسطين التاريخية، ببرنامج عمل يصوغ المهمات في إطار مواجهة الكيان وافرازاته، كما تتطلب السياسات العدوانية والتوسعية لحكومة العدو، المدعومة أميركياً من قوى المقاومة العربية في كل أقطارها، وخاصة في فلسطين التاريخية ودول الطوق، إعادة ترتيب صفوفها، وتمتين البنى المجتمعية فيها، وتحديد أولوياتها، في بناء أدواتها الكفاحية المقاتلة، من أجل مواجهة العدو الإمبريالي/ الصهيوني وتحرير الأراضي المحتلة.
* كاتب فلسطيني