لا شكّ في أنّ ثمة حاجة ماسة إلى إعادة النظر في العديد من المصطلحات المستعملة في مختلف وسائل الإعلام في صراع أمتنا مع العدو الصهيوني والكيان العنصري. فقد لفتت صديقة يهودية مقدسية معادية للصهيونية، حتى النخاع، اسمها راحيلا مزراحي، انتباهي للمسألة منذ فترة، وقالت إنها ترفض استخدام المصطلح (النكبة) لأنه محايد ولا يدلّ على المجرم والضحية.

في الحقيقة، لم يتطلب الأمر مني كثيراً من التأمل لفهم وجهة نظرها وتقبلها. فعلى سبيل المثال، عندما نقرأ معنى المصطلح (نكبة) في الصحافة الأجنبية، ولنقل الإنكليزية، على سبيل المثال، نرى أنها تقول: «وهو المصطلح الذي يطلقه الفلسطينيون على تأسيس دولة إسرائيل». ما يخفي بالطبع المعنى الحقيقي، ويجعل المجرم مجهولاً، فضلاً عن أنه لا يشير لا من قريب ولا من بعيد إلى جريمة اغتصاب فلسطين.
في الحقيقة، سبق لي أن طالبت باستخدام مصطلحات واضحة عند الحديث عن الصراع العربي- الصهيوني- الإمبريالي، تعكس حقيقة الأوضاع. وهذا الكلام موجّه إلى من يرى في كيان العدو عدواً غاصباً، لا إلى الحداثيين، ومدعي الحداثة، الذين يفضلون استخدام مصطلحات (مودرن) بعيدة عن اللغة الخشبية [كذا!]، كأن ما يستخدمونه من مصطلحات، تخدم التطبيع النفسي مع العدو، ليس بشعارات وغوغائية وتلفيقية... إلخ، في الوقت نفسه.
في الواقع، إن تقبل العدو نفسياً، وبالتالي التطبيع معه في أذهاننا، يبدأ بالتساهل في كيفية استخدام المصطلحات وكيفية الحديث عنه، وخصوصاً في الصحافة. هنا أود ذكر حادثة جرت في فلسطين المحتلة إبان الاحتلال البريطاني، المسمى زوراً، انتداباً، سمعتها من الأهل. تقول الحادثة إنّ أحد جنود الاحتلال البريطاني أطلق النار على فلاح فلسطيني يبيع الرمل في شوارع القدس المحتلة فأرداه. السبب، وفق الرواية، أنّ الضحية كان ينادي: رمل (الذي كان يستخدم منظفًا للأدوات المطبخية)، وظن جندي الاستعمار البريطاني أن البائع المغدور كان يهتف باسم القائد العسكري الألماني رومل. ما يهمني من هذه الحكاية، التي لم أعثر على توثيق لها في ما اطلعت عليه من مراجع، يتناسب تماماً مع لغة الإعلام البريطاني إبان الحرب العالمية الثانية، حيث كان يشير إلى ألمانيا وحليفاتها من دول المحور بصفة (العدو)، لا أكثر ولا أقل.
لا أستبعد أبداً صحة حكاية الأهل، حيث كنت قد سمعت منهم حكاية أخرى هي أن رئيس الوزراء البريطاني ونستن تشرشل قال عام 1948: ها قد قامت إسرائيل ولم ينبح كلب عربي واحد. تعجبت من هذه الحكاية، لأن حكام العرب حينذاك أكثروا من النباح وقتها، لكن ليس غير. وعندما كنت أعد في ألمانيا الشرقية رسالة الدكتوراه عن قضية فلسطين، اطلعت على بعض وثائق مجلس الوزراء البريطاني المرتبطة بتلك المرحلة، فعثرت على نسخة برقية موجهة من تشرشل إلى رئيس الاستخبارات العسكرية البريطانية في فلسطين المحتلة، عام 1941، على ما أذكر، يقول فيها: أرأيت! حتى كلب واحد لم ينبح. البرقية كانت رداً على اعتراض رئيس الاستخبارات المشار إليه على قرار تشرتشل السماح لمهجَّرين من الأوروبيين اليهود بدخول فلسطين المحتلة، خوفاً من استثارة القيادة الفلسطينية. وبناء على هذه الحقيقة، فإنني لا أستبعد صحة الرواية الأولى المذكورة أعلاه.
لذا، وانطلاقاً من ضرورة تيقظ كل قوى التحرر العربية، المعادية للصهيونية، وبالضرورة، للإمبريالية الأميركية وأذنابها، عليها مراجعة كل مصطلح وكل كلمة وكل تعريف ذي علاقة بالأمر قبل توظيفه. فمع أن لمصطلح النكبة تأثيره السلبي في أذهاننا، نحن أبناء المرحلة، فإنه ليس كذلك بالضرورة في أذهان الأجيال الجديدة، التي تعودت رؤية قادة العدو يدخلون بيوتنا وغرف نومنا وصحافتنا وإعلامنا، بعدما اخترقوا أراضينا.
من الضروري الحذر عند استخدام كل كلمة. فعلى سبيل المثال، لا نفهم إطلاقاً سبب إصرار صحف عربية على حجز مكان دائم في صفحاتها عنوانه «من الصحافة الإسرائيلية»، أو ما يشبه ذلك. نفهم طبعاً ضرورة إطلاع القراء المهتمين على رأي العدو في حدث يتعلق بنا أو بالصراع، إلا أن تقديمه من دون تعليق، وتحليل، ضارّ، ويجعل من تلك الزاوية ناطقة باسم العدو.
الأمر الآخر الجدير بلفت الانتباه إليه، هو تكرار استخدام مقولات: إسرائيل، الدولة اليهودية، الدولة العبرية، دولة الاحتلال، قوات الاحتلال، وما إلى ذلك من التعريفات التوصيفية السطحية. لماذا لا يقال، أو يكتب بالأحرى، كيان العدو، دولة الاغتصاب، العدو المغتصب، وما إلى ذلك من المصطلحات الدالة. فموضوع الصراع مع العدو ليس حقل الجغرافيا، بل إنه سياسي فكري أولاً وأخيراً. عند استخدام المصطلحات التي تعكس، في ذهن المتلقي، جوهر الصراع وطبيعة العدو، يمكننا تأسيس حاجز حديدي نفسي يمنع أي تطبيع مع العدو المغتصب في أذهاننا، وأذهان الأجيال الفتية، التي لم تعاصر الصراع معه عندما كان محتدماً على أشده، وخصوصاً في سبعينيات القرن الماضي، وبالتالي تذكيرها دوماً بأن مشكلتنا مع كيان الاغتصاب الصيهوني ليست فقط قطعة أرض محتلة، أو معاملة وحشية لشعبنا، بل أيضاً التشديد أولاً وقبل كل شيء على أن المشكلة قضية وجوده القائم على اغتصاب الأرض، والتطهير العرقي وممارسة الفصل العنصري والعنصرية، وفضح كذب الادعاءات، التي ترددها صحف عربية، عن ديمقراطية دولته، التي يعرّفها النشطاء اليهود المعادون للصهيونية بأنها إثنوقراطية، أي ديمقراطية إثنية ولا علاقة لها حتى بالديمقراطية التمثيلية المزعومة في دول الغرب.
ومن ضمن الأمور الأخرى الواجب الانتباه إليها والتعامل معها بأكثر درجات الحذر، والوعي، مسألة الكتابة عما يسمى الأدب العبري، والمتبنين إياه من الناشرين العرب، حيث نلاحظ أثناء تصفحنا هذه الصحيفة أو تلك أن دار نشر نشرت «أدب العدو»، متجاهلة حقيقة ترويجها لثقافته. نعم، نحن مع ضرورة اطلاع أهل الاختصاص على ذلك، ودراسة العدو دراسة وافية، لكن مكانها ليس في الصحافة المتوافرة مجاناً لكل عالم وجاهل. وهذا ينطبق على التسامح مع من يجري لقاءات صحافية مع صحافة العدو، أو ينشر ترجمة لقاءات لقادة صهاينة «متذاكين»، أو يكتب عن فيلم ما، روائياً كان أو وثائقياً، من دون فضح محتواه التطبيعي والمزور للتاريخ والحاضر؛ وما أكثر الأمثلة التي تعرفها الصحافة التي نومئ إليها، ضمناً، في مقالتنا هذه.
من الضروري، في ظننا، اتفاق قوى المقاومة على مصطلحات الصراع مع العدو الغاصب، والاتفاق على استخدامها في كل المناسبات، حيث وجب، بهدف تثبيت طبيعة العدو الصهيوني، العنصرية والعدوانية، وكيانه القائم على اغتصاب الأرض والتطهير العرقي في عقولنا، جميعنا، رغم اعتراضنا المبدئي على استخدام مفردة «التطهير»، وضرورة البحث عن بديل يعكس حقيقة الجريمة بأوضح العبارات.
نحن هنا لا نشكك في مستوى وعي المتعاملين مع الصراع وتفاصيله إعلامياً، لكننا نشدد على أن هدفنا الحاجة إلى ابتداع لغة بديلة، تميز المقاوم من المهادن والمستسلم، وما أكثرهم في الصحافة العربية، المسيسة أصلاً لخدمة الأهداف الاستعمارية والتوسعية لأعداء أمتنا.
فلتكن ذكرى مرور 65 عاماً على مؤامرة اغتصاب فلسطين وتقاسمها بين أنظمة سايكس بيكو العربية، والحركة الصهيونية، مناسبة لإحالة تلك اللغة والممارسات المهادنة، بل المائعة أيضاً، على التقاعد، وللانطلاق مجدداً لتأسيس لغة سياسية صدامية تشد من أزر المقاوم في الجبهة، وفي مكان عمله، مهما كان. والطريق الأقصر لبلوغ هذا الهدف أنه يمكن، في ظننا، قيام جهة ذات علاقة، تأخذ بزمام المبادرة، وتضع المصطلحات الجديدة المتجددة ذات العلاقة، وتعمل على استخدامها من دون أي تراخ أو تهاون، عندها يمكننا القول إننا بدأنا بتأسيس جبهة مقاومة نفسية تواجه العدو، وتواجه محاولته اختراق عقولنا.
* كاتب فلسطيني