صدرت في بغداد أخيراً دراسة مهمة للباحث العراقي المتخصص في شؤون النفط فؤاد قاسم الأمير بعنوان «الجديد في عقود النفط والغاز، الموقعة من قبل حكومة إقليم كردستان». في هذه الدراسة الرصينة والموثقة بشكل ممتاز، يفتح الباحث ملف الفساد في قضية عقود النفط في إقليم كردستان العراق، هنا قراءة تحليلية في هذا المحور من الدراسة مؤجلين مناقشة محاور أخرى منها إلى مناسبة أخرى.

تبدأ القصة بفضيحة مالية بطلتها شركة (دي أن أو DNO) النفطية النرويجية العاملة في إقليم كردستان العراق، فقد اتُهِمت هذه الشركة من قبل بورصة أوسلو بتهمتين: الأولى عدم التزام الشركة بالتعليمات اللازمة لإعلام السوق بالبيع، والثانية عدم الالتزام بتعليمات البورصة نفسها. وادعت البورصة بأن الشركة كانت تعرف في وقت البيع بأنّ الأسهم بيعت إلى مشترٍ واحد، يرتبط بأحد مشاريعها المهمة، وكان عليها إشهار اسم هذا المشتري حسب التعليمات القانونية الموجبة، لكن ذلك لم يحصل. بعد صدور الحكم، استأنفت الشركة ضده، ولكنها أدينت بأحد الاتهامين، ولذا تم تغريمها مبلغاً يقرب من مليونين ونصف المليون كرون نرويجي. بعد صدور هذا الحكم بأشهر عدة، كشفت أشهر مجلة مالية نرويجية عن الجهة التي اشترت الأسهم من الشركة، وتستّرت عليها هذه الأخيرة، فكانت تلك فضيحة جديدة، فالمشتري هو وزير الثروات الطبيعية في حكومة الإقليم الكردي د.آشتي هاورامي، وإن هذا الأخير كان له اتصال مباشر مع الرئيس التنفيذي للشركة (هيلك إيدي) في عملية الشراء. فضيحة ثالثة كشفت عنها المجلة المذكورة تتعلق بحصول السفير والخبير الأميركي بيتر غالبريث على 5% من عائدات الشركة نتيجة لعقودها النفطية في كردستان العراق، والتي حصلت عليها سنة 2004، وذلك أثناء قيام غالبريث بتقديم المشورة للقادة الأكراد حول طريقة إعداد دستور العراق إضافة إلى نسبة مماثلة لشخص نرويجي آخر باعها إلى المليونير اليمني شاهر عبد الحق.
نعلم أيضاً، من هذه الدراسة، أنّ غالبريت استُبعد من هذه الشركة سنة 2008 دون أسباب واضحة، فرفع قضية ضدها في المحاكم البريطانية هو وشريكه اليمني، فكسبا القضية ونالا مبلغاً ضخماً كتعويضات يصل، كما قدرت صحيفة «نيويورك تايمز»، إلى 115 مليون دولار!
دخلت هذه الصحيفة الأميركية على الخطّ وأثارت تفاصيل هذه الفضيحة في مقال مفصّل بتاريخ 12/11/2009، تحت عنوان: «مستشار أميركي لدى الأكراد، بيتر غالبريث، يحصد أرباحاً نفطية».
وعندها خرج غالبريث عن صمته وكتب على موقعه على الانترنت مقالاً بعنوان «لا تناقض»، أكد فيه عدم وجود تناقض بين قيامه بعمله كمستشار للقيادة الكردية مقابل أموال تدفعها الشركة النرويجية وبين كونه مستشاراً ووسيطاً لتك الشركة نفسها. وأضاف أنه قدم النصائح إلى القيادات الكردية بناءً على طلباتها، ولكنه لم «يشارك» في المفاوضات، ولم يكن في الغرفة التي تمت بها المفاوضات! بل «كان في الغرفة المجاورة»! يبدو أنّ غالبريث يعوّل كثيراً على جدار سمكه سنتيمترات عدة تفصله عن غرفة طبخ دستور للعراق المحتل لإثبات براءته من تعاطي الرشوة والتدخل في أسمى وثيقة في حياة الدول أي الدستور.
حكومة الإقليم ردت بدورها، بعد شيوع هذه الفضيحة، بتجميد أعمال الشركة النرويجية، وتكليف شركة تركية هي «جنيل إنيرجي» للقيام بأعمالها، لكن العقوبة الكردية لم تستمر طويلاً فسرعان ما تم التراجع عنها وسمح للشركة النرويجية بالعودة إلى نشاطاتها فعادت قيمة أسمها إلى الصعود بعد هبوط حاد إثر الفضيحة والتجميد. ويبدو أنّ قيادة الإقليم تراجعت عن قرارها معاقبة الشركة النرويجية كي لا تخيف الشركات الأجنبية الأخرى العاملة في الإقليم.
بالعودة إلى دور الوزير الكردي هاورامي، تكشف الدراسة الجديدة عن أنه هو الذي اشترى الأسهم من الشركة النرويجية ثم قام ببيع هذه الأسهم بالاتفاق مع الشركة ذاتها إلى الشركة التركية المدللة في الإقليم «جينيل إنيرجي».
يلاحظ الأمير في دراسته أيضاً، أنّ الوزير الكردي أنكر في البداية وجود أي عمل مخالف أو خاطئ في صفقة الأسهم هذه! وقال في بيانه إنه قام بترتيب مساعدة للشركتين لأن ظروفهما المالية غير جيدة بسبب إيقاف تصدير النفط من قبل الحكومة المركزية! و«أن سبب المساعدة للشركتين كان واضحاً ومنطقياً، إذ إنّ فشل هاتين الشركتين يعني فشل السياسة العامة لحكومة الإقليم». يتساءل الباحث هنا: «الأمر الذي لا أفهمه هو كيف تكون ظروف الشركتين المالية غير جيدة وهما يملكان حقلين نفطيين منتجين في كردستان! سيما جينيل إنيرجي حيث تملك أحد أفضل الحقول العراقية، وأفضل الحقول عالمياً من حيث النوعية، وقدم لها «هدية» كحقل مكتشف كامل وهو حقل طق طق. وكانت قد استحوذت سنة 2009 على 25% من إجازة حقل طاوكى، و25% من إجازة حقل ميران، و40% من إجازة دهوك وبيربحر، و20% من إجازة جياسورك! إذ إنّ هذه الشركة التركية كانت ولا تزال تتقدم في إقليم كردستان لسبب أو لآخر!». وربما ستكشف لنا الأيام مستقبلاً عن هذا السبب أو السر الكبير الذي يجعل هذه الشركة التركية مدللة كل هذا الدلال وهل له علاقة بالطور الجديد الذي دخلته العلاقات بين تركيا والإقليم والذي بلغ درجة غير مسبوقة من التبني والاحتضان الذي يكاد يبلغ درجة التحالف المصيري بين حكومة أردوغان والإقليم الكردي!
يناقش الباحث الأمير رأياً ورد ضمن مقالة للباحث الكردي شوان زلال ويصفه بأنه أفضل تعقيب صدر حول الموضوع تحت عنوان «فضيحة بيع أسهم «دي أن أو» إلى الشركة التركية «جينيل إنيرجي» ودور الوزير الكردي هاورامي في المسألة». وفيها يشرح شوان زلال الموضوع بصورة محايدة، ثم يصل إلى نتيجة مفادها أنّ «هذه الفضيحة تبيّن الطريقة غير الشفافة التي تعمل بها حكومة إقليم كردستان في معالجتها لأمورها المالية، وكيفية التصرف بالمال العام. إنّ الوزير المعني ــ هورامي ــ وغيره من مسؤولي الحكومة قد يكون تحرك ضمن نطاق الاحتيال والفساد المالي أو العمل بطريقة غير كفوءة أو بطريقة ساذجة، ولكن النتيجة هي إحراج لإقليم كردستان. فإن كان كل ما تقوله حكومة الإقليم صحيحاً، والمسألة هي فقط لجمع أموال لشركة (دي أن أو DNO) لتقوم بأعمالها، فالسؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا لم يعلن الأمر في ذلك الوقت، ومن أعطى التخويل لإدارة الصفقة بهذه الطريقة، إذ الأمر في كل الأحوال هو التعامل بالأموال العامة».
تتطرق الدراسة، أيضاً، إلى دور محمد سيبل، رئيس شركة «جينيل إنيرجي» التركية فتصفه بأنه رجل محظوظ جداً! إن كنا نؤمن بالحظ! فلقد أعطي له حقل جاهز لأفضل نفط في العالم سنة 2004، وهو لم يكن يعرف عن النفط إلّا على مقدار البنزين الموجود في خزان سيارته. ثم قام الوزير هاورامي بنفسه بشراء أسهم من شركة «دي أن أو» لإعطائها إلى شركته طبعاً لقاء قيمتها. ثم أُدخل بحصة 25% بجميع عقود «دي أن أو» في كردستان في 2009، إضافة إلى ذلك، أُدخل بحصص بحقول ميران وجياسورخ في سنة 2009!! يخلص الأمير مستنتجاً: «لو أنّ هذه الأمور كانت قد تمت خلال السنتين الماضيتين، لكان الوضع مفهوماً، حيث إنّ شركات «سيبيل» في تركيا تقع ضمن تجمع صناعي مالي كبير له تأثير في القيادات السياسية والاقتصادية التركية. إنّ هذه الشركة تعتبر اللاعب الأساس في تمويل ومد أنبوب تصدير خاص لنفط الإقليم عبر تركيا، وهو قيد الإنشاء الآن. وكل ما تريده حكومة الإقليم حالياً هو تسلم أكبر مبلغ ممكن من الميزانية الاتحادية لسنة 2013 بغض النظر عما إذا كان ذلك استحقاقهم القانوني أم لا، إذ إنه في سنة 2014 سيكون لديهم خط تصدير خاص بهم، وسيكون لهذه الشركة ورئيسها دور رئيسي في تنفيذ هذه الخطة، ولذا فإن من الواجب الاهتمام بمصالحه لأن مصالحه تخدم مصالح الإقليم!».
ويختم الأمير هذا المحور بالتساؤل المثير التالي «هل هذه الأسهم ــ التي اشترتها حكومة الإقليم الكردي من الشركة النرويجية لمصلحة الشركة التركية ــ مسجلة في ميزانيات الإقليم، كذلك هل قيمة وعوائد هذه الأسهم، تسمى أصولاً وعوائد نفطية يجب احتسابها في حصة الإقليم من الميزانية الاتحادية؟». ويبدو واضحاً أن هذا التساؤل سيبقى دون إجابة خصوصاً بعد تصاعد التوتر وتعقد الخلافات بين بغداد والإقليم الكردي الطامح بقوة لتحقيق استقلاله الاقتصادي وتمتعه بثرواته إضافة إلى ما يجنيه من حصة كبيرة تبلغ 17% من الميزانية الاتحادية التي فاقت 118 مليار دولار في 2013، لا لشيء إلا لأنه لا يزال يعترف شكلياً بكونه جزءاً من الدولة العراقية الاتحادية! أما الغريب بل والعجيب في كل هذا فهو صمت الحكومة العراقية الاتحادية صمتاً مطبقاً وعدم اهتمامها البتة بهذه الفضيحة وكأن ما حدث قد حدث على سطح كوكب المريخ وليس العراق!
* كاتب عراقي