إذا كانت الثورة المضادة تبدأ عادة بعد الثورة الحقيقية، كما رأينا في تجارب تاريخية كثيرة، فإن ما يحصل في سوريا اليوم هو تداخل عميق ومتراكب بين ثورة حقيقية وثورة مضادة في آن واحد، حيث تتعانق الأمور على نحو عميق ومخيف حقاً. فالثورة الحقيقية تظهر بوضوح في التيارات الوطنية المدنية السلمية صاحبة المشروع العلماني الديمقراطي المعترف بكل مكونات المجتمع السوري كسوريين فحسب، بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية أو الإثنية، مع ترك المجال الخاص لكل إثنية أن تعبّر عن مطامحها السياسية وفق ما تقتضي مصالحها ضمن الدولة السورية الواحدة. وتعبر عن هذه الطموحات على الأرض مجموعة كبيرة من التيارات السلمية التي لا تزال تنشط على الأرض السورية، مضافاً لها القليل من الكتائب العسكرية الملتزمة بهذا المشروع (تفكيك الاستبداد وبناء الدولة المدنية العلمانية التوجه).

أما الثورة المضادة، فتظهر بوضوح في بعض الجهات التي تسلقت ظهر الثورة وترهن قرارها للخارج، ويتجلى الأمر في تيارات سياسية شكلت على عجل لتلائم تلك التطلعات السياسية لهذه الدول، وفي الكثير من القوى المسلحة على الأرض التي تتلقى تمويلاً من دول مجاورة بهدف تحقيق أجندة خاصة بتلك الدول، لأن التزامها بإسقاط النظام لا يعني التزامها ببناء الدولة التي ينشدها السوريون. ولعلّ دخول مدينة سري كانيه (رأس العين) والقامشلي يندرج في هذا السياق، حيث الأجندة التركية واضحة تماماً في هذا الشأن، إضافة إلى جبهة النصرة ذات الأجندة المعلنة في دولة إسلامية وفي ما أعلنته كتائب أخرى عن «دولة إسلامية حضارية» أو ما أعلنت عنه جماعة الإخوان المسلمين، تحت مسمى «الدولة المدنية» دون تبيان معنى المصطلح والمقصود منه (بخلفية إسلامية أم بخلفية علمانية أم لا عسكرية فحسب!)، حيث تجارب الإخوان المسلمين في مصر وتونس وتجاربهم السياسية في سوريا منذ إعلان دمشق حتى الآن، تدل على أنهم يعلنون غير ما يبطنون.
وإذا أضفنا إلى جانب ما سبق: النظام المستبد الذي يعوم على طرف هذا الاستنقاع العسكري الذي بلغته الأزمة السورية، فسنغدو أمام ثلاثة أطراف متصارعة في الداخل السوري، اثنان منهما «الثورة والثورة المضادة» يملكان إيديولوجية خاصة بكل منهما مع عناصر قوة سلمية أو عسكرية أو الاثنان معاً، وطرف ثالث (النظام) يملك آلة عنف محض موجهة ضد الجميع، بعدما تهافتت الإيديولوجية البعثية/ القومية/ الممانعة التي كانت سند النظام طيلة عقود سابقة.
الثورة تملك قوة أكثرها سلمي، ويتجلى ذلك بعدد من التشكيلات السلمية المدنية ذات الهدف المعلن بثورة لكل السوريين دون تمييز، وهي لا تزال تخوض نضالها السلمي رغم التعتيم الإعلامي ورغم ضمور قوتها. عدوها على المدى الآني هو النظام وعلى المدى الآني والبعيد كل من يقول بغير الدولة الوطنية الديمقراطية العلمانية، وإن كانت مواجهة الثاني هي الأقل ظهوراً الآن بسبب أولوية المواجهة مع النظام، الذي يغلق كل خيارات النضال والحياة السياسية، الأمر الذي يجعل من تفكيكه اللبنة الأولى لبدء حياة سياسية تؤسس لمواجهة المشروع الآخر، الذي يجد في الأوضاع الحالية الشاذة أرضاً خصبة له.
الثورة المضادة تملك قوة عسكرية موجهة ضد النظام وضد خصومها المعارضين الآخرين وضد المجتمع أيضاً، يتجلى وجهها الأبرز في جبهة النصرة وفي الكتائب الإسلامية التوجه، حيث عنفها ضد النظام وضد قوى ثورية أخرى واضحاً، يتجلى في رفض الدولة المدنية العلمانية لمصلحة دولة إسلامية أو مدنية غير مفهومة المعنى، وفي سعيها الواضح نحو تديين المجتمع وتقييد الحريات والاعتداء على ممثلي العقل (أبو العلاء المعري)، وضد فئات سورية وطنية لها خصوصية معينة مثل الأكراد في رأس العين، نزولاً عند قوى خارجية تركية/ قطرية/ سعودية، رافعة إيديولوجية «إسقاط النظام» واجهة لها.
النظام يملك قوة عنف محضة موجهة ضد الجميع، تتوسل البقاء بأي شكل من الأشكال، عاملة على زيادة حدة الانقسام بين عنصري الثورة والثورة المضادة من جهة، وبين أطياف المجتمع السوري (إثنياً وطائفياً) من جهة ثانية، لاعبة على وتر الحساسيات الغربية في ما يخص محاربة الإرهاب، وهو ما يبدو أن النظام نجح فيه، حيث أدى بروز جبهة النصرة وانضواؤها تحت لواء القاعدة إلى فرملة الحماسة الغربية في دعم المعارضة لتتجه نحو الموقف الروسي من مسألة الإرهاب، مع بقاء الخلاف من الموقف من النظام على حاله، ليربح النظام من ظهور الثورة المضادة.
محصلات القوى الثلاث تعيق التقدم باتجاه تحقيق الهدف المنشود لكل منها، مترافقاً مع تدمير الدولة السورية على يد النظام والثورة المضادة، مع ضعف قوى الثورة الحقيقية بفعل العنف وضعف الناس اقتصاديا وعدم وجود قوى سياسية وحامل اجتماعي قوي لهذا المشروع، رغم أن قوى الثورة السلمية/ العسكرية لم تتوقف عن العمل على لملمة صفوفها، لتكون قادرة على مواجهة التحديات القادمة بالتعاون مع بعض القوى السياسية التي تقف في نفس الخندق رغم عدم وجود تنسيق بينهما.
أغلب الظن أن قوى الثورة الحقيقية في سوريا ستخسر معركتها الأولى بعد سقوط النظام أو تفكيكه لمصلحة الثورة المضادة وبقايا النظام، من خلال تسوية سياسية ستنطلق عاجلاً أم آجلاً، كما حصل في مصر وتونس واليمن تحديداً. الأمر الذي يحتم عليها بناء الذات لمعركة طويلة تتجاوز إسقاط النظام لاستكمال الثورة عبر تراكم سياسي يجعل من النضال ضرورة يومية مستمرة لتأسيس «ثورة من تحت» تقوم على نشر الوعي والتعليم ومفاهيم حقوق الإنسان وثقافة الديمقراطية في مجتمع أقصي عن الحياة الطبيعية منذ نصف قرن، بكل ما يعنيه ذلك من أمراض اجتماعية وطائفية وفوات تاريخي عن الحاضر. وهو ما نرى آثاره واضحة بفعل رفع غطاء السلطة عن المجتمع، وهو الطريق الوحيد لعدم نجاح الثورة المضادة التي لا تنجح إلا بوجود مجتمع متأخر تاريخيا قابل لبناء دكتاتورية أخرى، ولهذا تعمل هذه القوى منذ الآن على غرس إيديولوجيتها في المجتمع، مستغلة جهله وضعف مناعته بهدف إحكام القبضة عليه، بدعم من قوى عربية/ إقليمية ودولية تحت ستار إسقاط النظام!
* كاتب وشاعر سوري