(أنا لا أوافق على ما تقول، لكنّي سأقف حتى الموت مدافعاً عن حقّك في أنْ تقول ما تريد. تشي غيفارا)


من المفارقات الطبيعيّة في زمن الذلّ والهوان العربيين، أنّ دويلة مثل قطر، تمكنت بفضل المال من مصادرة الجامعة العربية، والاستحواذ على قراراتها وتحويلها إلى جامعة التآمر على أمّة الناطقين بالضاد، فضلاً عن أنّ هذه المشيخة باتت محمية أميركية، ترقص على موسيقى النشاز التي يعزفها البيت الأبيض، وتُقيم علاقات وطيدة مع دولة الاحتلال الصهيونية، فبعدما كانت إسرائيل تُنعت بالكيان الغاصب، باتت دولة مرغوب فيها جداً في العديد من الدول العربية. وأصبح أقطابها يحجّون إلى الدوحة سراً وعلانيّةً، مضافاً إلى استضافتهم في البوق الإعلاميّ التابع للأمير، أيْ فضائية (الجزيرة)، التي لم تألُ جُهداً منذ اندلاع الأزمة السوريّة في تأليب الرأي العام العربيّ على النظام السوريّ. وهذه المهمة التي أنيطت بالفضائيّة القطريّة سببت بتأجيج الصراع الدائر داخل سوريا بين النظام الحاكم وبين المسلحين الوافدين من كلّ حدبٍ وصوبٍ بهدف تفتيت الدولة وتمزيق النسيج الاجتماعيّ، وبين هذا وذاك، إسقاط نظام الرئيس بشار الأسد، هذا النظام الذي لم يعترف حتى كتابة هذه السطور بالدولة العبرية.

■ ■ ■


فضائية «الجزيرة» باتت لاعباً مركزياً في المؤامرة على سوريا، ولا نبالغ إذا جزمنا بأنّ فضائية الشيخ حمد، ربّما أصبحت من أهم وأخطر اللاعبين في المؤامرة. ذلك أنّها منذ اندلاع الأزمة السوريّة وهي تقوم بعملية غسل دماغ للعقل العربيّ، وذلك على مدار الساعة، مستعينةً بأنّها كانت في الماضي غير البعيد، قبل انكشاف أمرها، وسيلة إعلام تُوحي للمشاهد العاديّ بأنّها تحمل آلام وآمال الأمّة العربيّة. فبعدما كانت إلى حدٍ ما ذخراً على الناطقين بالضاد، تحوّلت إلى عبءٍ، ومن ثم إلى خصم، وفق كلّ المعايير والمقاييس المهنية والإعلامية والسياسية والأخلاقية. وخاضت المعركة ضدّ آخر معقلٍ نابضٍ للعروبة في ظلّ عدم تكافؤ واضح في القوّة، ذلك أنّ الإعلام السوريّ على مختلف مشاربه، هو إعلام تقليديّ، إنْ لم يكن أقّل من ذلك، ولا يزال يُعاني من مشاكل عديدة تجعل تسويق الرواية السورية الحقيقية من رابع المستحيلات. علاوة على ذلك، فإنّ الإعلام العربي بسواده الأعظم، أصبح مأجوراً لمصلحة أعداء الأمّة. وبات يُروّج لما يُطلقون عليها الثورة السورية، الأمر الذي حوّل بعض وسائل الإعلام العربيّة، التي واصلت الحفاظ على ماء الوجه، إلى مجرّد طيور تُغرّد خارج السرب. وفي هذا السياق لا بدّ، وللأسف الشديد، من الاستعانة بوزير الإعلام النازيّ جوزيف غوبلز ومقولته الشهيرة، ولكن ليست المأثورة: «أعطِني إعلاماً بلا ضمير، أُعطك شعباً بلا وعي». وبعيداً عن غوبلز، فإنّ المخطط الإمبريالي _ الصهيوني، الذي يعكف على إخراجه إلى حيّز التنفيذ، وكلاء هاتين الحركتين في الوطن العربيّ، لم يعُد يكتف باستباحة الوطن العربيّ، بل إنّ هدفه يكمن أيضاً في احتلال العقول العربية وكيّ وعيها تماماً. وهذا ما يجعل دور الإعلام العربيّ المعادي لسوريا موازياً لدور الإعلام الإسرائيلي والغربي في شيطنة النظام السوري وتحويله إلى ألدّ أعداء الأمة العربية. والأمر أصبح أكثر خطورة في زمن العولمة، التي حوّلت العالم إلى قريةٍ صغيرةٍ، بحيث إنّ دور الإعلام الهدّام بات أكثر هدماً واقترب بخطى حثيثة إلى التدمير الكلي لكلّ ما يمُت للعرب بصلةٍ. ذلك أنّ العقل البشريّ، هكذا على الأقّل تعلمت خلال دراستي لموضوع الصحافة في إيطاليا، هو مثل الزجاجة، باستطاعتها أن تمتلئ، وبعد ذلك تبدأ بردّ الماء الذي تريد أنْ تزيده، أيْ أنّ العقل البشريّ لا يُمكنه أنْ يتحمّل فوق طاقته وقدراته. وفي المحصلة النهائيّة، نُقرّ بأنّ «الجزيرة» وأخواتها تمكّنت من السيطرة على العقل العربيّ، مثلما سيطرت الإمارة القطرية على الجامعة
العربية.

■ ■ ■


بشكلٍ أوْ بآخر، تبنّت «الجزيرة» الفلسفة السفسطائيّة، التي ظهرت في اليونان في عام 450 قبل الميلاد. والسفسطة هي حب الجدل أو الجدل لمجرّد الجدل وليس للاقتناع بفكرة أو مبدأ، بل رغبة في التضليل. والسفسطائيّ هو الشخص الذي يُجادل ويُضلل كل شيء وكل حقيقة، علاوة على ذلك، سفسطائيّ كانت تُستعمَل في بداية الأمر للدلالة على صاحب مهنة الكلام، ولم تكن تُستعمَل بمفهومها المنتقص الذي أضحى شائعاً في ما بعد، ومن الأهمية بمكان التفريق بين السفسطة والمغالطة، ذلك أنّ المغالطة لاإرادية، بينما في السفسطة توجد رغبة إراديّة للتضليل، وكان الفضل للفيلسوف سقراط الذي أسس وبنى فلسفة المعرفة، فقد رأى هذا الفيلسوف أنّ أخلاق عصره تنهار أمام دجل السفسطائيين الذين أنكروا العقل، والحق، واليقين، وفضائل الأخلاق، بما زعموا من ردّ أصول المعرفة كلها إلى الإحساس، فأراد أن يردّ أصول المعرفة إلى العقل، الذي يتفق الناس جميعاً على أحكامه بلا خلاف، ليصل بهذا إلى وضع حدٍ وتعريفٍ للفضيلة. المشكلة أو المعضلة مع «الجزيرة»، وهذا برأينا المتواضع جداً، أنّ عملية طبخ الأخبار والتقارير تتمّ بمهنيّةٍ كبيرةٍ للنجاح في إيصال المعلومة أو المعلومات إلى المشاهد العاديّ على أنّها معلومة مؤكدة، لا لبس فيها ولا غبار عليها، أيْ أنّ عملية التضليل تسير وفق معايير سفسطائيّة، تماماً كما كان بالنسبة إلى أهل أثينا، الذين اخترعوا السفسطائية، حيث لم تكن البلاغة في القول مجرد وسيلة لتجميل الكلام، بل وسيلة لا غنى عنها لإظهار الحقيقة.

■ ■ ■


والشيء بالشيء يذكر: يعتمد التلفزيون في المقام الأوّل على الصورة في نقل الأفكار والمعلومات. بعكس الصورة، الكلمات يُمكنها أن تحمل فرضيّة أو تساؤلاً أو اقتراحاً. يمكنك أن تقول إنّك تختلف مع عبارة معيّنة، ولكن ليس بإمكان أحدهم أنْ يختلف مع صورة أو يقول إنّه يتفق معها جزئياً. الصورة يمكنها فقط أن تثير المشاعر، يمكنك أن تُعجب بمشهد طبيعيّ، تحزن لصورة شخص قتل في حرب، تتحمس لرؤية صورة لعلم بلادك، ولكن لا يمكنك أنْ تقول إنّ هذه الصورة خاطئة. وهنا نصل إلى نقطة لا تقلّ خطورتها عمّا ذكرنا آنفاً، ففضائية «الجزيرة» تمتلك من الأدوات التكنولوجيّة المتطورّة والحديثة جداً ما يكفي لتغيير الصورة، أوْ حتى خلق الصورة، وتسويقها على أنّها حقيقيّة، ضمن الحيّز الفضائيّ. وخلال السنتين الأخيرتين، لجأت هذه القناة إلى هذا الأسلوب في تعاملها مع الأزمة السورية، وخلقت لدى المتلقي العربي انطباعاً أوْ حتى شعوراً بأنّ النظام السوريّ يرتكب المجازر ضدّ شعبه، واستعملت صوراً مأخوذة من قطاع غزة ومن العراق، زاعمةً أنّها التُقطت في بلاد الشام.

■ ■ ■


المؤسف حقًا، كما قال مارتن لوثر كينغ «إنّه لا شيء يؤلم الناس مثل التفكير»، ذلك أنّك عندما تُحاول النقاش حول الصدقيّة، يُواجهك الآخر بالصورة، ويقول بدون استخدام العصف الذهنيّ، ولكن رأيت الصور في «الجزيرة»، الأمر الذي يجعل مهمتك صعبة، إنْ لم تكن مستحيلة، وفي هذا السياق، لا غضاضة بالتذكير برواية 1984، وهي رواية ديستوبية من تأليف جورج أورويل قدّمها في عام 1949 والتي كان يتنبأ من خلالها بمصير العالم الذي ستحكمه قوى كبيرة تتقاسم مساحته وسكانه ولا توفّر أحلامهم وطموحاتهم، بل تُحوّلهم إلى مجرد أرقام في جمهوريات الأخ الأكبر الذي يراقب كل شيء ويعرف كل شيء، حيث يمثل حكمه الحكم الشمولي. وفي هذه الرواية نرى نظاماً شمولياً قمعياً فيه حزب واحد حاكم وشخص يدعى «الأخ الأكبر» يُمثّل رئيس الدولة. لم يرَ أحد الأخ الأكبر يوماً ما، ولكن في كل مكان أنت ترى صوراً لرجل قويّ الملامح ذي شارب وتحتها العبارة الساحقة الشهرة «الأخ الأكبر يُراقبك Big Brother Is Watching You». يُمارس الحزب تزييفاً للحقائق والتاريخ، والناس يُصدّقون كلّ شيء وأيّ شيء، وهذه الرواية تنطبق على مشيخة قطر وبوقها الإعلاميّ، ذلك أنّه بعدما كنّا نغتال الزعماء أوْ ننقلب عليهم، كما فعل أمير قطر مع والده بدعم أميركي، بتنا نغتال الدول والأوطان، كما يُحاولون الآن تنفيذه في سوريا، إذ إنّ قطر ترى نفسها الراعي السياسي لما يُسمى الخريف العربيّ. وتُطلق العنان للفضائية «الجزيرة» لتكون «سبونسر» الـ«ثورات العربيّة» من الناحية الإعلامية.
* كاتب من فلسطينيي 48