(إلى أخي الراحل، ماهر، الذي علّمني وأنا في سن العاشرة نشيد: «يا حسين يا ابنَ زين، لا تظنّ الشعب مات. سوف يأتي اليوم يومك وترى المُلك حطام». للأسف، لم ير الملك حسين ملكه حطاماً. لعل ذلك يكون من نصيب ابنه).


زعماء الممالك والمشايخ والإمارات والإقطاعات في بلادنا مصابون بعقد دفينة في إرضاء الرجل الأبيض وفي تقليد المُحتلّ. لا يمرّ موظف ولو صغير من أي وزارة أميركية إلا ويحظى بوليمة في واحد من قصرَيْ وليد جنبلاط (وقد بناهما بعرق الاشتراكية والتقدمية، بالطبع). من يتصوّر أنّ جنبلاط هذا يمكن أن يولم لمسؤول في دولة أفريقية يوماً ما؟ قد يكون في الأمر إحراج عند مرور عبيد القصر أمامه. وميشال سليمان (مُتلقّي «النعم» والبركات القطرية والسعودية على أنواعها) يصحو من النوم في عمشيت على عجل لو سمع أن موظفاً في وزارة الخارجية الأميركية مرّ في لبنان ولو عابراً. وسعد الحريري ذهب إلى أميركا بعد اغتيال والده كي يحظى بلقاء مع ديك تشيني الذي أراد أن يعزّيه بوفاة الغالي (عنده هو).
الملك حسين كان ضعيفاً جداً أمام الرجل الأبيض. كيف لا وقد أنشأ المُستعمر لجدّه مملكة من عدم؟ كيف لا وحكم سلالته عطيّة من الاستعمار تقديراً للطاعة والذلّ؟ كيف لا والملك حسين نفسه لم يدم في الحكم إلا بإرادة مُستعمره والحاكم بأمر غيره؟ الملك حسين كان يجد لذّة ما بعدها لذّة في الحديث باللغة الإنكليزية (مثلما يتصنّع فؤاد السنيورة اللكنة البريطانية في الإنكليزية وبطريقة مضحكة) والظهور بمظهر الحاكم اللبق والدمث، فيما كانت تعلّق أجساد المناضلين الفلسطينيّين في أقبية استخباراته مثل الفراريج كي يسهل تعذيبها. الملك حسين كان يكذّب دوريّاً عن أخبار لقاءاته مع الإسرائيليّين والصهاينة عبر السنوات والعقود، فيما كان ينتظر توقيع أوّل دولة عربيّة مع العدوّ الإسرائيلي كي يهرول بعدها (لم يجرؤ على فعل السبق خوفاً على تاجه الذي رزح رأسه تحته مهتزّاً على قوله هو في كتاب له بالإنكليزيّة _ كُتب له _ مُستشهداً بشكسبير). كان الملك حسين يستدعي المؤرّخ البريطاني الإسرائيلي، آفي شلايم، من جامعة أكسفورد ليدوّن ذكرياته عن لقاءاته الكثيرة مع الإسرائيليّين عبر السنوات. وشلايم، الذي يعتبره (غيري) يساريّاً مُعارضاً لإسرائيل (مع أنه كان في حرس الحدود الذين كانوا يصطادون المدنيّين من الشعب الفلسطيني العائدين (غير المتسلّلين) إلى فلسطين لتفقّد بياراتهم ومنازلهم مثل صيد البجع) نشر كتاباً كبيراً عن الملك حسين جعل منه غضنفر عصره.
أما الملك الجديد، عبد الله، فقصته قصة أخرى (وهو ملك الصدفة، إذ إن الملكة إليزابيت غيّرت مسار السلالة الحاكمة في نزوة عائليّة لم نعرف بعد تفاصيلها. المهم أن زوجة وليّ العهد السابق التي كانت تقيس النوافذ من أجل حياكة ستائر جديدة _ على ما يقول مثل أجنبي _ لم يتسنّ لها ولزوجها الحكم ربما بسبب استعجال الوراثة). وصل تاج الحكم إلى الابن البكر الشغوف بالسيّارات والدراجات الناريّة وألعاب الكومبيوتر والفيديو (يذكّرنا بولد آخر غير نجيب من آل الحريري). الإعلام الغربي الذي يغرم بكل أصدقاء إسرائيل من العرب وينصّبهم حكماء وخبراء في شأن «العقل العربي» روّج إلى آخر رمقه للملك حسين. وعندما وقع الاختيار العائلي على عبد الله لم يشر إلى أن أباه _ على طريقة الطغاة الجمهوريّين _ أنشأ جيشاً خاصّاً لولده ونصّبه قائداً عليه. (ننسى أن الطغاة العرب من الملوك يقلّدون في أشياء كثيرة الطغاة الجمهوريّين، مثلما يقلّد الطغاة الجمهوريّون الطغاة الملكيّين في أشياء كثيرة). «القوّات الخاصّة» الأردنية ما هي إلا جهاز قمعي أميركي تستخدمه أميركا وإسرائيل في حروبهما. ظنّ الملك الصغير أن خبر وجود قوّاته الخاصّة في أفغانستان سيبقى طيّ الكتمان.
وتوالت المقابلات التلفزيونيّة والصحافيّة مع الملك الجديد. ويُفاجأ القارئ (أو القارئة) في العالم العربي بكيفيّة إظهار الملك الأردني لنفسه في الإعلام الغربي. فهذا الملك، ولا دور سياسيّاً له في العالم العربي إذ إنه يكتفي بتنفيذ أوامر إسرائيل وأميركا بصمت كبير، يتبجّح بالإنكليزيّة. وهو بالكاد يتحدّث للإعلام العربي، على حسن تلقّيه للدروس الخصوصيّة في اللغة العربيّة، مقارنة بتلك الدروس التي لم يعلق منها شيء في ذهن سعد الحريري، مثلاً. لا أحد في الإعلام أو المجتمع العربي يتحدّث عن الملك الأردني. في مقابلاته العربيّة القليلة، يظهر خجولاً متحفّظاً غير واثق من نفسه لعلمه بتدنّي موقعه السياسي بين العرب. لا يتحدّث، بل يعدّ مكتبه الصحافي إجابات مكتوبة عن أسئلة مكتوبة كي لا يبدو على حقيقته. كان لوالده حضور أكيد (وضارّ ومشبوه ومتآمر _ تطربني الكلمة الأخيرة لعلمي بما تحدثه من إزعاج في أسماع ليبراليّي آل سعود وآل ثاني) في السياسة العربيّة على مرّ العقود. لكن هذا الملك لا يظهر إلا بأمر، وهو يحتفي بنفسه عندما يُدعى إلى منتديات «دافوس» عندما يقول للرجل الأبيض المُنبهر: أنا أتحدّث الإنكليزيّة بطلاقة وزوجتي ترتدي آخر صيحات الموضة في الغرب. أما جمهور الرجل الأبيض في الغرب فيردّ التحيّة بأحسن منها ويهتف بصوت واحد: أوّاه، ثم أوّاه. وهو يحاول إدخال مصطلحات جديدة (تأتي من عقول مستشاريه الغربيّين) من أجل أن يحظى باهتمام إعلام الغرب. وقد سُرّ بمصطلح «الهلال الشيعي» فاستحدث _ أو استُحدث له _ أخيراً مصطلح «هلال الإخوان». يجهد كي يبدو كمفكّر استراتيجي. من يدري؟ قد يطلع علينا قريباً بمصطلح هلال
البطاطا.
أما في الإعلام الغربي، فصاحبكم يأخذ راحته في الحديث ويتحوّل إلى صنديد. في مقابلة أولى له بعد تبوّئه العرش، استفاض في مقابلة مع مجلّة «نيويورك تايمز» عن بطولاته في «الجيش الأردني». وقال في تلك المقابلة إن هناك «جهات» في الجيش الأردني لم ترتح لوجوده، وحاولت أن تمتحن رجولته. وقال عبد الله هذا، المتأثّر دون شك بأفلام «الأكشن»، إنه لم يتحمّل المضايقات، فما كان منه إلا أن شهر مسدّسه الحربي (ما الفارق بين المسدّس الحربي والمسدّس غير الحربي؟ وهل هناك مسدّس سلمي، مثلاً) بوجه أعدائه في داخل الجيش، أي جيش البابا حسين. عليك أن تصدّق أن عبد الله تعرّض لمضايقات واستفزازات في جيش البابا الذي يشكّل عماد النظام الطاغي.
وفي هذا السياق، سمح عبد الله للصحافي الأميركي _ الإسرائيلي، جيفري غولدبرغ، بالتجول معه في الأردن لكتابة موضوع صحافي. وغولدبرغ هذا أميركي تطوّع في جيش العدوّ الإسرائيلي وخدم في الأراضي التي احتلّت عام 1967. والهاشميّون يضعفون، على طريقة مؤسّس سلالتهم الحاكمة في الأردن، أمام أي مندوب إسرائيلي. لا يمكن أن نتصوّر أن عبد الله كان يمكن أن يسمح لصحافي أردني بالاقتراب منه كما سمح لغولدبرغ هذا (كنتُ قد أطلقت عليه قبل سنوات صفة «أسوأ صحافي يكتب عن الشرق الأوسط»، ما استدعى ردّاً منه ودخلنا في سجال أيّاماً). ولكن يبدو أن الملك أخذ راحته أكثر من اللزوم.
وفي ترويج صورته في الأردن والعالم العربي، يراوح الملك بين صورة خادم المصالح الإسرائيليّة الأمين _ وهذه الصورة تسرّ إعلام النفط والغاز _ وصورة الوطني القومي التي يستخدمها في تسويق نفسه في أوساط الفلسطينيّين في الأردن. ويستعين في هذا الترويج بـ«يسار البلاط»، لو جازت التسمية، وهذا اليسار له من جنس اليسار ما لـ«اليسار الديموقراطي» الحريري اللبناني من يسار. وفيما كان الملك، مثلاً، يشارك بأمر من أميركا في تدريب عصابات المعارضة المسلّحة في سوريا على الأراضي الأردنيّة وبمشاركة من الجيش الأميركي نفسه، كان يستدعي بضعة يساريّي البلاط لحفلة عشاء وبيبعهم بضع كلام عن معارضته لأميركا وسياساتها في سوريا والمنطقة. وروّج يسار البلاط الأردني له وزعموا أنه يعارض المعارضة المسلّحة في سوريا، فيما كان الأردن الدولة الرئيسية في تسليح المسلّحين وتدريبهم وتسريبهم إلى سوريا. لكن موضوع «يسار البلاط» موضوع آخر، ولنذكر أن الحسين استعان في سنوات حكمه بقوميّي البلاط: وكان هؤلاء من أدعياء القوميّة العربيّة _ من أمثال وصفي التل، السيّئ الذكر والذي يخضع لتجميل خبيث من قبل يسار البلاط الأردني _ الذين التحقوا بنظام الحسين ودافعوا عن مجازره قبل أيلول الأسود وأثناءه وبعده.
استفاض عبد الله في حديثه من دون أن يدري أن وقع كلامه سيكون مختلفاً بعد ترجمته. ظنّ أن الرجل الأبيض وحده سيقرأ ما يقول، وأنه كعادته سيطيّب له. من الأمور المسلية أن ترى الملك الأردني يجول على الشاشات الأميركيّة والأوروبيّة وهو يتحدّث براحة ما بعدها راحة عن «الربيع العربي» ويجيب عن أسئلة تتعلّق بتطلّعات الشباب العربي. الطاغية الصغير يصدّق أحياناً الصورة التي يصنعها الصهاينة له: أنه زعيم الشباب العربي ورمز الديموقراطيّة. لكن هذه المقابلة لم تسرّ الرجل الأبيض. هناك في الصحافة الأميركيّة من سخر من الملك الذي لا يعجبه أحد في طول المنطقة وعرضها إلا بنيامين نتنياهو.
أطال عبد الله في تقويم زعماء عرب من أعداء أميركا (لا يجرؤ طبعاً على تقويم شيوخ النفط والغاز الذين يستجدي مالهم، كما استجدى والده مالهم بأمر أميركي وإسرائيلي) ظنّاً منه أنه الأذكى والأحكم والأعمق. بقي أن يقوّم هذا الملك القدرات اللغويّة العربيّة للحكّام العرب. والطريف أنه علّق على محمد مرسي بالقول إنه «لا عمق» لديه، وكأن الملك يظنّ أنه في أحاديثه وحكمه يشعّ عمقاً ونوراً. (هو في الحكم هذا مثل الكاتب اللبناني، علي حرب، الذي يتحدّث عن التنوير في مهرجان «الجنادريّة» السعودي). كما أن الملك يلعب دور البطل السينمائي في تلك المقابلات: فيقول لمحدّثه الصهيوني إنه استدعى طلاباً وممثّلي قبائل وإنه قرّعهم واحداً واحداً وصرخ في وجههم، إلخ. من الأكيد أن عبد الله يتحدّث عن شخص آخر، لا عن نفسه. هو بعيد عن دور الزعيم البطولي الذي يواجه شعبه ويقرّع قادة منظمات وجمعيّات وقبائل. لكن الخيال الذي ابتدع قصّة إشهار المسدّس (الحربي، طبعاً) بوجه أعدائه في جيش والده العزيز، ابتدع له أيضاً صورة بطوليّة تذهل المُستمع
الصهيوني.
طبعاً، على عادة والده، كذّب عبد الله الحديث. وكان الملك حسين ينفي بإباء وشمم كل أخبار لقاءاته مع الإسرائيليّين. وبين ملك هاشمي وإسرائيلي، الملك هو أكثر كذباً حتماً من الأخير، دوماً. لكن المقابلة أحدثت دويّاً في الأردن لأنه تحدّث بصورة يخفيها عن شعبه. والمقابلة هذه مفيدة كي يرى شعبه المُصادر ملكه على حقيقته، ومن دون تجميل يسار البلاط. لعلّنا نهتف عمّا قريب على نسق الهتاف الذي انطلق بعد مجازر أيلول: يا عبد الله يا بنَ أنطوانيت، لا تظنّ الشعب
مات...
* كاتب عربي (موقعه على الإنترنت:
angryarab.blogspot.com)