لا متابعة جدية لما تصوّره عمّان بمشاروات الكتل النيابية مع رئيس الديوان الملكي لتأليف الحكومة المقبلة. أصبح الملك يختار وزراءه مباشرة وعلانية بعد عقود من الإيهام سادت بأنّ رئيس الوزراء المكلّف هو من يتولّى ذلك. اختيار الملك لطاقمه الوزاري الجديد ـــ على هذا النحو ـــ استحق تقدير حلفائه الغربيين، إذ عبّروا عن ارتياحهم تجاه الإصلاحات «الجادة» التي قادها جلالته، بينما لم تفق القوى السياسية حتى اللحظة من غيبوبتها لتعترف بأن كل حراكها في الشارع تحت مسميات عدّة، أو من داخل النظام بوصفها قوى إصلاحية كان ثمرته تكريس احتكار نادي الحكْم للسلطة، وإعادة توزيعها شكلياً في موسم الانتخابات.

ومرّة أخرى، سيشارك ناديَ الحكْم ذاته مكونٌ من القصر والأجهزة الأمنية والعسكرية والبيروقراطيين ورجال الأعمال في صناعة الحكومة، ولا بأس من إبقاء الإخوان المسلمين على تخوم الحكم، لأنّ بعض رموزهم يمثلون جزءاً من رجال الأعمال ويتمتع بعضهم الآخر بعلاقة جيدة مع القصر.
منذ بدء تطبيق برنامج التصحيح الاقتصادي نهايات التسعينيات من القرن الفائت، حاول فريق من الكتّاب تصوير صراع بين القصر ورجال الأعمال وبين الاستخبارات والبيروقراطيين، من دون إدراك حقيقي للتحولات الجارية داخل النظام الأردني. فالحالة التنافسية التي حكمت الأطراف جميعها كانت تُنتج مزيداً من الشراكات بينها.
عمليات البيوع المنظمة للقطاع العام، وكل ما رافقها من فساد وشبهات، كانت تجري بعلم الأجهزة الأمنية، التي سرّبت بدورها بضع حقائق منها حين اشتعلت المعركة بينها وبين النيوليبراليين في الصحافة الأردنية منذ خمس سنوات، كما أنّ المؤسستين العسكرية والأمنية هما من أسستا لشركات مع رجال الأعمال في الأردن وخارجه، يدير بعضها ضباط ومدنيون كبار تقاعدوا في الآونة الأخيرة.
بناءً على ذلك، جرى تقاسم الوزارات عند تأليف كلّ حكومة، ليحصل رجال الأعمال المنخرطون في ما يسمى «عملية الإصلاح الاقتصادي» على الوزارات الاقتصادية، ونال البيروقراطيون والعسكريون المتقاعدون الحقائب التي لا تخضع لبرامج الخصخصة، وتضمن نفوذهم مثل وزارات التربية والتعليم والصحة والتنمية الاجتماعية. ولم يغفل نادي الحكْم منْح وزارات الدولة والثقافة والتنمية والسياسة وغيرها من الحقائب الهامشية لشخصيات، تحقيقاً للتوزانات العشائرية والمناطقية. ولا بدّ من التذكير بأنّ وزارة الدفاع تسند صلاحياتها شكلياً لرئيس الوزراء فيما لا وجود لمقارّ لها وكوادر وظيفية، حيث القصر يهمين عليها من خلال قيادة الأركان، بينما لا تبدو أيّ وجاهة لمنصب وزير الداخلية نظراً إلى تغوّل الأجهزة الأمنية، وفي مقدمتها دائرة الاستخبارات العامة على هذه الوزارة.
«الطبخة الوزارية» تخضع لاختبار أخير تقرّر نتائجه السفارة الأميركية (وربما السعودية وغيرها)، وفي مرات كثيرة يجري استمزاج السفارات الفاعلة بشأن حقائب بعينها تحدده الظروف الاقليمية والدولية.
الحصص المقررة لكل طرف قد تمليها اعتبارات متداخلة عقب 15 عاماً على إعادة إنتاج نادي الحكْم، فربما أفرز البيروقراطيون وزيراً لهم ـــ نجل ووريث أحد رموزهم ـــ ولا يلغي ذلك انتساب هذا الوزير بعينه إلى طبقة رجال الأعمال، ما يثبت عمق تحالف الفاسدين الحاكم في نهاية الأمر.
إلى ذلك، يبدو اجتماع الكتل النيابية مع ممثل القصر لتزكية رئيس الحكومة كاريكاتورياً، مهما اختلفت آراؤها. فالتسريبات المتداولة تتحدث عن اختلافات مماثلة بين مديري الأجهزة الأمنية مع الملك الأسبوع الفائت، حيث اقترح مدير الاستخبارات شخصية تتنمي إلى البيروقراطيين بما يحول دون إمكانية اصطدامها مع تدخلات جهازه المستمرة في عمله وعمل طاقم حكومته، بينما نسّب قائد الجيش شخصية تنتمي إلى المؤسسة العسكرية، ويُعرف عنها محافظتها ومواقفها المتطرفة حيال قانون الجنسية أيام تسلمها وزارة الداخلية أخيراً، ورحبت بخيار ثانٍ يقول باختيار شخصية إخوانية معتدلة. مقابل ذلك أيّد مدير الأمن العام تأليف حكومة برئاسة شخصية ليبرالية.
شركاء الحكْم في عمّان يهللون لنجاح الانتخابات البرلمانية رغم استمرار النظر في الطعون المقدمة حتى الآن، وسكوت الإعلام المحلي عن الانتقادات اللاذعة التي تضمنتها تقارير المنظمات الدولية المراقبة لعمليات الفرز وإعلان النتائج، والاكتفاء بذكر الجمل القليلة التي تشيد بعملية الاقتراع.
والشركاء أنفسهم يعلنون خلال الأيام القليلة المقبلة حكومةً على مقاس انتصارهم الانتخابي، تؤكد العودة المظفرة لمتعهدي سياسات صندوق النقد الدولي لإقرار حزمة قرارات كارثية بحماية أمنية ورعاية ملكية.
* كاتب أردني