أسعدني كثيراً أن يقدّم سعدالله مزرعاني (وهو مناضل عريق وصاحب باعٍ طويل في العمل الوطني والسياسي) في مناسبة المؤتمر الأول للحركة الوطنية للتغيير الديموقراطي مقاربةً نقدية لتجربة الحركة. وعليه أقدّم بضع إجابات تضيء بعض جوانب ما اعتبره مزرعاني تقصيراً من جهة، ومدى نجاح هذه «الخلطة» (أحزاب وشخصيات وطنية مستقلة) في تركيبة الحركة من جهة أخرى. فقد بدا مزرعاني متعجّلاً بعض الشيء في الخلوص إلى استنتاجات شبه نهائية، وإنْ كان قد صاغها على طريقة أسئلة تنتظر إجابات.

أولاً _ في الأسباب الموجبة لولادة الحركة الوطنية للتغيير الديموقراطي:
إنّ اعتراف مزرعاني بالحاجة إلى الحوار «بشأن صيغ العمل الوطني ــ الديموقراطي المستقل، الذي أجهضت آخر صيغة له سنة 2004» لدليلٌ كافٍ على مسوّغات نشوء الحركة كإطار ديموقراطي مستقل فعلاً، يحاول بناء صيغة للعمل الوطني ــ الديموقراطي، رغم مشاركة جهات حزبية أو مستقلة فيها شريكة في تحالف الثامن من آذار. هنا يطرح السؤال المركزي: هل استطاعت الحركة الوطنية أن تكون فعلاً إطاراً ديموقراطياً مستقلاً عن الثامن من آذار رغم وجود مشاركة لجهات حزبية في تكوينها؟ إن الإجابة القاطعة هي نعم، رغم ما نكابده أحياناً في اجتماعات الأمانة العامة من معاناة لتكريس هذه الاستقلالية.
كما لا أفشي سراً إن قلت «إن الجمل بنيّة، والجمّال بنيّة»، كما يقول المثل الشعبي، ذلك أنّ بعض الأحزاب المنضوية في إطار الحركة الوطنية كانت تطمح لأن تجعل من هذا الإطار إحدى أدواتها التي تطلّ بها على المجتمع السياسي والمدني بصيغة ديموقراطية «فولكلورية» أكثر منها صيغة عمل وطني مشترك، فاستنكفت، حينما رأت استحالة إرساء توجّهها هذا، عن العمل الفعال في نضالات الحركة بل حافظت على حضورها الشكلي فيه. هذا ما أعاق الحركة عن ممارسة دور فعال، كما كانت تمطح، في تفعيل العمل الوطني. وقد أشرتُ في مداخلتي في المؤتمر الأول للحركة إلى سببين أعاقا العمل الوطني، أولهما جنوح بعض الأحزاب إلى العمل المنفرد لافتقارها إلى توجهات لعمل وطني مشترك، وثانيهما هو تضخم في الأنا الحزبية منعها من التفاعل مع صيغ العمل الوطني ما لم يكن تحت إبطها.
ثانياً _ في الملاحظات المنهجية:
أثار مزرعاني في مقاربته مجموعة ملاحظات منهجية طالت أداء الحركة من جهة والالتباسات في تقريرها السياسي من جهة أخرى. وعليه، أقدّم التوضيحات الآتية:
_ أشار مزرعاني من ضمن ملاحظاته إلى أنّ «تقرير الحركة الوطنية للتغيير الديموقراطي قد تجاهل أو تجنّب (على حدّ وصفه) إعداد أو توزيع تقويم عن عمل الحركة وهيئاتها وتجربتها خلال السنتين الماضيتين».
ربما كان ثمّة خلل منهجي في توزيع وثائق المؤتمر بحيث اقتصر على توزيع التقرير السياسي فحسب من دون التقرير الذي تحدث عن تجربة الحركة خلال العامين الماضيين.
الحقيقة أننا أردنا في الحركة الوطنية الفصل بين التقريرين، التقرير السياسي الذي مثّل مقاربةً جديدة لتطورات الواقع اللبناني الداخلي، والوضعين العربي والإقليمي، ومن ثم الوضع الدولي المستجدّ بعد سقوط الأحادية القطبية وبداية تبلور مجتمع دولي متعدّد الأقطاب، كوثيقة سياسية تضاف إلى ما سبق أن أقرّته في مؤتمرها التأسيسي، وبين تقرير آخر يتناول ما أشار إليه مزرعاني عن تجربة الحركة خلال العامين المنصرمين من عملها السياسي والتنظيمي. وأعترف هنا بأن خللاً حصل في اقتصار توزيع الوثائق على التقرير السياسي فحسب، لكن الرفيق سايد فرنجية، المنسّق العام للحركة، قدّم تقريراً وافياً في المؤتمر عن تجربة الحركة والنشاطات التي قامت بها والعقبات التي واجهتها. لكن صدور مقالة مزرعاني قبل انعقاد المؤتمر بيوم واحد فوّت عليه فرصة الاطلاع على ما أشار إليه من نقص أو تجاهل.
صحيح أن مثل هذا التقويم، كما جاء في مقاربة مزرعاني، «هو أولوية في مثل هذه التجربة الحديثة، إذ ثمّة منذ تأسيس مشروع الحركة أسئلة وتباينات لا بدّ من تقديم إجابات بشأنها، ولو في صيغة إشكاليات مطروحة لبلورة توجّه حيالها، الآن أو بعد فترة قد تمتد لشهور أو سنوات». لذلك أقدّم هنا جزءاً من مطالعة بعنوان «بين تجربة الحركة الوطنية السابقة والتجربة الحالية، مفارقة بين تجربتين»، سبق أن قدمتها للأمانة العامة للحركة، ولعلّها تشكل إجابة على بعض التساؤلات، أثبت منها الجزء الآتي:
«إن أيّ مقاربة لتجربة الحركة الوطنية بصيغتها الراهنة ينبغي أن تأخذ بعين الاعتبار المتغيّرات الموضوعية والعوامل الحاكمة لكلا التجربتين السابقة والحالية، وهي مقاربة ينبغي أن تتجلى فيها الموضوعية بحيث نسقط الأوهام بإمكانية تكرار التجربة بصيغتها السابقة، وتصويب التجربة الراهنة بصيغتها الملتبسة، ذلك أن التجارب علّمتنا أن التاريخ لا يعيد نفسه، وهو إنْ فعل فربما تكون الأولى نموذجاً، لكن حكماً لن تكون الثانية كذلك. وذلك للاعتبارات الآتية:
صحيح أنّ تجربة الحركة الوطنية السابقة كانت تحمل مضامين سياسية واقتصادية واجتماعية، إلا أنها كانت أيضاً تحمل مضامين وطنية وقومية حكمت تكوينها وظروف إنشائها ومسوّغاتها، سواء لجهة حضور القضية الفلسطينية بكافة تجلياتها وما يتفرّع عنها على الساحة اللبنانية، أو لجهة وجود قضية وطنية داخلية ناتجة عن هيمنة المارونية السياسية على الحكم، وفرض اختلالات في موازين القوى السياسية والاجتماعية والاقتصادية بما يعزز الأرجحية المارونية على حساب بقية الطوائف والقوى الاجتماعية الصاعدة.
وإذا كانت القضية الوطنية الفلسطينية قد شكلت احد أبرز أسباب ومسوّغات نشوء الحركة الوطنية السابقة، بالإضافة إلى الأسباب الأخرى التي سبقت الإشارة إليها، إلا أنها كانت أيضاً من عوامل نجاحها النسبي وذلك على النحو الآتي:
أولاً: شكلت المقاومة الفلسطينية حاضنة، لا بل دافعاً، لنشوء الحركة الوطنية بحكم كونها القوة المهيمنة على الساحة وتمتلك القدرات المالية والعسكرية. ثانياً: شكّل المشروع الانعزالي المقابل والمرتبط بالمشروع الأميركي ــ الصهيوني لتصفية المقاومة من جهة، ومن جهة أخرى الالتفاف على بعض الإنجازات المطلبية لقطع الطريق على التحولات السياسية والاجتماعية الناجمة عن تراكم النضال المطلبي والعمالي والطلابي وحتى السياسي، فرصةً مؤاتية لشدّ العصب الوطني ولتقديم مشروع وطني مقابل (البرنامج المرحلي)، ومواجهة المشروع الانعزالي بكل تجلياته الداخلية والوطنية والقومية.
ثالثاً: وجود حاضنة سياسية إقليمية (ليبيا والعراق) ودولية (الاتحاد السوفياتي) بالإضافة بالطبع للحاضنة الفلسطينية، واستطراداً وجود إمكانات مادية ولوجستية وتسليحية ربما شكلت عاملاً حاسماً في قيام التجربة.
رابعاً: توافر الغطاء المحلي الوازن من خلال شخصية كمال جنبلاط ووزنها السياسي المحلي والإقليمي والدولي كنقطة التقاء بين كافة مكوّنات الحركة الوطنية أو أغلبها، ولا سيما القسم الفاعل منها وأقصد هنا اليسار اللبناني، ذلك أن الغطاء المحلي (الفلسطيني) والإقليمي (العربي) والدولي (الاتحاد السوفياتي)، والدعم المالي، كانا يمنعان تلك القوى صاحبة الموقف الملتبس من أن تغرّد خارج السرب لكي لا تخسر المكاسب التي يوفّرها لها الانضمام إلى الحركة.
ماذا بشأن تجربة الحركة الوطنية الحديثة؟
ثمّة اختلافات جوهرية في ظروف نشوء الحركة الوطنية الجديدة ومسوّغاتها، ما يرسم بعض علامات الاستفهام حول إمكانية نجاحها:
أولاً: غياب القسم الأكبر من الأسباب الموجبة التي حكمت نشوء تجربة الحركة الوطنية السابقة ألخّصها بستّة:
أ ـ غياب القضية الأم، القضية الفلسطينية، بعد انتقال المقاومة إلى الداخل الفلسطيني من جهة، والانقسام الحاد حول الخيارات الفلسطينية نفسها بعد اتفاق أوسلو وتجلياته على الساحة الفلسطينية من جهة أخرى.
ب ـ غياب النظرة الجامعة إلى القضية الوطنية الداخلية، وتباين الرؤى حول بنية النظام الطائفي واختيار أولويات النضال بين إسقاطه، أو تطويره، لا سيما بعد اتفاق الطائف وإمساك متزعّمي الطوائف بمفاصل النظام الذي يؤمّن مصالحهم ويعيد توزيع كعكة المغانم في ما بينهم.
ج ـ غياب القوى الاجتماعية، أو لنقل تفكّك القوى الاجتماعية والطبقية التي يمكن أن تقود نضالاً مطلبياً (النقابات، الاتحادات، الحركة الطلابية).
د ـ غياب شخصية الناظم (كمال جنبلاط) الذي كان يشكل القاسم المشترك بين أحزاب الحركة الوطنية، ويؤمّن الحد الأدنى من التماسك السياسي على قاعدة برنامج وطني عام (البرنامج المرحلي للحركة الوطنية).
هـ ـ غياب الحاضنتين الإقليمية والدولية اللتين كانتا تشكلان غطاءً سياسياً ودعماً مالياً يؤمّن الحدّ الأدنى من التماسك السياسي، سواء المبني على قناعات أو ربما على مصالح.
و ـ تفاوت النظرة إلى موضوع المقاومة اللبنانية ولا سيما بعد تحولها نسبياً إلى مقاومة ذات لون واحد تقريباً، ما أعطى الذرائع للبعض للتشكيك بصفتها الوطنية وحصرها بطائفة بعينها، وهنا تجلّى مأزق اليسار في توحيد النظرة إلى المقاومة رغم إقرار الجميع بالإنجازات البارزة التي حققتها على الصعيد الوطني والنضالي.
ثانياً: لا تبدو الأحزاب المنضوية في الحركة الوطنية الجديدة حاضرة لتقديم إنجازات ملموسة في إطار التجربة الراهنة، الأمر الذي يمثّل أحد الاختلالات التي حكمت تكوينها. ذلك أن التجربة السابقة للحركة الوطنية كان يقودها الأمناء العامون للأحزاب مباشرة، حيث كان المجلس السياسي المركزي يتشكل من قادة الأحزاب وأمنائها العامين الذين كانوا منخرطون في قيادة العمل السياسي والعسكري، في حين أن التجربة الحالية اقتصرت على ممثلين من الدرجة الثانية لهذه الأحزاب ليشكلوا أمانتها العامة، وتُرك موقع القيادة لشخصيات وطنية مستقلة (غير حزبية). هنا تتبادر أسئلة موضوعية: لماذا تعطي الأحزاب هذا السبق لشخصيات مستقلة، ولماذا لا تقود هي بنفسها العمل إذا كانت مؤمنة به وبفاعليته؟ ألا يعني ذلك أنها غير مقتنعة بممارسة القيادة المباشرة لهذا العمل؟ واستطراداً، لماذا لا تنظر الأحزاب الوطنية نظرة جدية إلى هذه التجربة؟ أليس حضورها في إطار التجربة الراهنة من باب رفع العتب؟ وإذا كانت ستنفّذ برامج نضالية في إطارها فهي تنفّذه لنفسها ولحسابها، وليست معنيّة بأن تقدمه هدية وتجيّره لشخصيات مستقلة وغير منضوية في هيئاتها الحزبية؟ يتبدّى ذلك من خلال استنكاف بعضها عن المشاركة في الفعاليات السياسية، بالإضافة إلى الاستنكاف عن تسديد متوجّباتها المالية رغم ضآلتها.
وإذا أردنا الإيغال في عملية تقويم التجربة (نقدياً) وصولاً إلى ممارسة النقد الذاتي، فيمكن القول إنه، إضافةً إلى المعوّقات التي ذكرنا، ثمّة معوّقات موضوعية أخرى أبرزها عدم نجاح التجربة بصيغتها الراهنة بسبب عجز القيادة عن تنفيذ البرنامج السياسي الذي وضعته الحركة كوثيقة سياسية هادية لسلوكها. ربما كان ذلك ناتجاً عن ضعف في التجربة الحزبية، أو ربما استسلاماً للواقع الملتبس الذي فرضه أداء الأحزاب داخل الحركة، وما خلّفه من إحباط، حيث عجزت القيادة عن وضع برامج نضالية ميدانية تجتذب أعضاءها وأنصارها للانخراط في تنفيذها.
آمل أن أكون قد قدّمت إجابات وافية عن أسئلة مركزية تضمّنتها مقاربة الصديق سعد الله مزرعاني، على أن أستكمل الرد بشأن «عموميات التقرير» و«الأزمة السورية» في مقال آخر.
*مسؤول الإعلام في الحركة الوطنية للتغيير الديموقراطي