لا شكّ في أن الحقد كظاهرة، هو نتاج لتعصب أعمى، تساهم في تشكيله البيئة المعدمة والثقافة المنغلقة تجاه المختلف، الذي ترى فيه تهديداً لهويتها. حيث يعمد التعصب إلى شيطنة الآخر، مقدمة لاستباحته. والتعصب لغوياً يأتي من العصبية، التي ما انفكت تؤثر في عقلنا العربي المرتبط تاريخياً بالقبلية والعشائرية وصولاً للعائلية. وعلى الرغم من مفاخرة العرب بعصبيتهم القبلية الثأرية، إلا أنهم كانوا متسامحين أمام حرية المعتقدات الدينية وتعدديتها.

لكن مع ظهور الإسلام كمشروع دولة ودين توحيدي، اصطدم هذا المشروع بعقبتين أساسيتين، التعددية الدينية والعصبية القبلية، حيث تمكن من إلغاء الأولى، بعد استبدالها عنوةً بعصبية إسلامية، فيما ظلت الثانية. والنتيجة أنّ العقل العربي بات محكوماً بعصبيتين، وهو ما تؤكده الوقائع التاريخية. فمع أول امتحان مرّ به المسلمون بعد وفاة النبي، والذي دار في سقيفة سعد بن عبادة حول من يخلف النبي في الحكم، دار الخلاف بين الأنصار ممثلين بقبيلتي الأوس والخزرج من جهة، والمهاجرين في الجهة المقابلة، ممثلين بغالبيتهم من قريش. وكانت الحجة التي ظفر فيها المهاجرين، أنّ العرب لن تتبع قبيلة ليس منها النبي، وهو ما حدا بالإمام علي للقول «قد أخذوا بالشجرة وتركوا الثمرة» بعد مبايعتهم للصحابي أبي بكر الصديق، الذي خاض حروب الردة ضد القبائل التي امتنعت عن دفع الزكاة. ومع وصول عثمان بن عفان للخلافة، أخذ عليه الكثيرون تفضيله لأقاربه في منح العطايا والهبات، فجاء مقتله على خلفية المصالح السياسية والاقتصادية ليتحول الصراع مع «قميص عثمان» إلى حرب قبلية وعشائرية داخل قريش، بدأت بموقعة الجمل التي قادتها عائشة بوجه علي إثر توليه الخلافة، والتي سقط فيها 6000 قتيل، بعد أن كانت عائشة تقول: اقتلوا نعثلاً فقد كفر! في إشارة إلى عثمان. ثمّ ما لبثت أن تحولت النزاعات مع رفض معاوية بن أبي سفيان لقرار عزله عن ولاية الشام، إلى حرب ضارية بين أحفاد قصي بن كلاب، جد الرسول، فكانت معركة صفين التي ذهب ضحيتها آلاف الضحايا من بين الطرفين.
مع معاوية تحولت الخلافة لملكية، فتحت معها الباب لتوظيف الدين في خدمة السياسة. حيث تمّ وضع مئات الأحاديث على لسان الرسول بغية إيجاد شرعية دينية لكل فرقة تريد الحكم، وهنا أصبح الديني في خدمة السياسي. هذا التحول عكسه إقدام جيش يزيد بن معاوية على قتل آل بيت الرسول والتنكيل بهم في معركة كربلاء، وفيها تم قطع رأس الحسين وأخذه على أسنة الرماح إلى الشام. إذ جاءت هذه المجزرة، في سياق ثأر بني أمية لمقتل سادتهم في معركة بدر بعد كربلاء حدثت موقعة الحرة، حيث قام الحجاج بقصف الكعبة بالمنجنيقات بعد اعتصام الصحابي عبد الله بن الزبير فيها، ليستبيح بعدها المدينة ثلاثة أيام، انتُهكت خلالها كل الحُرمات. ومع ضعف شوكة الأمويين، انقلب عليهم أبناء عمومتهم إذ كانوا يعتبرون بأنهم الأحق بالخلافة، التي اغتصبها الأمويون، فجاء أول خليفة من بني العباس والملقب بالسفاح، حيث تذكر مصادر التاريخ بأن أول طعام وشراب تناوله بعد تبوئه الحكم، كان فوق جثث أبناء عمومته. ومع أن الإسلام دين الرحمة، حيث أوصى الرسول بأن إكرام الميت دفنه، إلا أنهم نبشوا أضرحتهم وأحرقوا من رقد فيها!
لكن مع وصول المأمون للخلافة، دخل الإسلام في عصر ذهبي، حيث قام بتشجيع السريان على نقل وترجمة التراث الإغريقي الغني بالعلوم والمعرفة. فكان يدفع ثمن كل كتاب يُترجم وزنه ذهباً، وذلك بعد أن بنى في بغداد أول وأهم مكتبة في تاريخ الإسلام، والتي عُرفت بمكتبة الحكمة. في هذا العصر ظهر الفكر الفلسفي الإسلامي ذو التوجه العقلاني على يد المعتزلة وعلماء الكلام، الذي أعطى الإمبراطورية الإسلامية وجهاً حضارياً استمرّ حتى أواسط القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي. منذ تولي الخليفة المأمون إلى المعتصم مروراً بالواثق، لينتهي مذهب المعتزلة في عهد المتوكل. وذلك بعد أن هاجت الجموع الحنبلية في الشوارع والمساجد إلى أن أجبرت المتوكل على ترك الاعتزال والعودة إلى مذهب أهل السنة والجماعة. في هذه المرحلة تقدمت العصبية المذهبية على العصبية القبلية، وحل النقل مكان العقل، والتكفير مكان التفكير. ثم تجددت الموجة التجهيلية في القرن الخامس للهجري/ الحادي عشر ميلادي، عندما قام الغزالي بتكفير الفكر الفلسفي، في كتابه «تهافت الفلاسفة»، في رده على فلسفة ابن رشد، التي مهدت الطريق للتنوير الأوروبي! ومع وصول ابن تيمية في القرن السابع/ الثالث عشر ميلادي، انطلق فكر الجهاد التكفيري، الذي نظّر له في كتابه «السياسة الشرعية في إصلاح الرعية»، والذي أعاد إحياء مذهبه، محمد بن عبد الوهاب في شبه الجزيرة العربية، في القرن الثامن عشر ميلادي.
في القرن العشرين، ظهرت نظرية «الحاكمية» في الفكر الإسلامي المعاصر، على يد الداعية أبو الأعلى المودودي، مؤسس الجماعة الإسلامية في الهند البريطانية عام 1941. هذه النظرية أسست لإنتاج الفكر التكفيري المعاصر، إذ ترى في التشريع البشري اعتداء على ألوهية الله وحاكميته للكون، وأن وظيفة القاضي هي «تنفيذ القانون الإلهي في عباد الله، فلا يتولى الحكم في مناصب القضاء نائباً عن الخليفة بل عن الله عز وجل»! وصلت هذه النظرية إلى مصر، حيث تأثر فيها الإخواني سيد قطب (1906- 1965 ) معيداً صياغتها في كتابه «معالم في الطريق»، منظّراً من خلاله للجهاد التكفيري، الذي كفّر فيه كل الدول والمجتمعات الإسلامية التي رضيت بغير شرع الله في الحكم.
ومع الحرب الباردة التي قادتها الولايات المتحدة الأميركية، وتحديداً في أفغانستان ضد العلمانية الشيوعية، حيث عملت الاستخبارات الأميركية بالتنسيق مع وكالة الأمن القومي على إنتاج الجهاديين الجدد، كتكفيريين انتحاريين، ممثلين بتنظيم القاعدة، الذي لا يُكفر الدول والمجتمعات الإسلامية وحسب، بل يُكفر كل من لا يشاطره أفكاره. إذ يعتبر نفسه في دار حرب مع كل العالم، حتى يُعلي كلمة الله على الأرض. ضمن هذا التوجه المعولم للتنظيم، يصبح بإمكان الأميركيون الحلول في كل مكان يحل فيه التنظيم، تحت شعار الحرب على الإرهاب!
ختاماً نتوجه للنخب المطالبة بالديموقراطية والدولة المدنية، لنسأل: هل يمكن تحقيق هذين المطلبين بالقفز فوق الحامل الديني بوضعه الراهن؟ حيث ما زال النص أسير القراءات المذهبية، التي تُشّرع لامتلاكها الحقيقة، وبالتالي تصبح هي الطائفة الناجية، فيما الآخرون على ضلال تجب هدايتهم أو قتالهم. وعليه يصبح من غير اللائق الحديث عن لعن الفتنة ومن أيقظها!
* كاتب سوري