ليس سهلاً على المرء أن يستمرئ الدعوة إلى مواجهة العنف بالعنف. بدا ذلك مفيداً في البداية عندما اكتشف السوريون (أو الجزء المنتفض منهم) محدودية الشعار وانعدام التكافؤ بينه وبين الرصاص. حينها كانوا لا يزالون في إطار الاستعانة على الفعل بردّ الفعل، وكانت مبادرتهم إلى التسلّح في مواجهة النظام «خالية تقريباً» من «الشّطط» المرافق لأي عملية تفكيك للسلطة. وما حصل لاحقاً من تصنيم للعنف هناك أتاح لآخرين لا يعيشون الشرط ذاته فرصة أن يجرّبوا حظهم مع نظم لا تقل عناداً وعنجهية عن النظام في سوريا.


في بورسعيد مثلاً، ارتأى الأهالي أن يكون ردّهم على تسييس «الإخوان» لقضية مجزرة ألتراس الأهلي عنيفاً ومتناسباً مع تجاهل السلطة للحساسيات المناطقية التي نشأت عن المذبحة والحكم القضائي معاً. وحين فعلوا ذلك لم يظهروا اكتراثاً يذكر بالكلام الإنشائي المتكرّر عن السلمية كخيار وحيد في مواجهة السلطة وبطشها. هم لا يحاولون تكرار «النموذج السوري» لأنّ الخبرة المستقاة منه لم تنتج الشيء الكثير حتى الآن، إلا أنّهم يرفضون في المقابل أن يتحوّل لوك العنف في سوريا إعلامياً إلى مناسبة للحجر على كل منّ يرفع شومة أو حجراً في مواجهة الأمن أو الشرطة (فعلتها نساء مصر الأربعاء الماضي في مواجهة عملاء السلطة الذكورية الطبقية من المتحرشين بهنّ). سيكون مفيداً جداً للمصريين أن يساق لهم «المثال السوري» على نحو مغاير بعض الشيء. لنقل إنهم يحتاجون إلى مادة عن سوريا لا يكون العنف بإخراجه الكولونيالي ــ اعلامياً ــ هو نسغها الأساسي. فهم لا يعرفون عن العنف في بلدنا إلا أنّه يستخدم «طائفياً»، أي من جانب طائفة ضد أخرى. وهذا ليس دقيقاً تماماً. بالطبع ثمة توظيف «للطائفية السياسية» هنا سواء لجهة سحق السلطة للمعارضة وبيئتها، أو لجهة أبلسة المعارضة لبيئات أخرى موالية أو متردّدة، وهذا لا يضيرنا كثيراً ما دامت الغلبة لم تنعقد بعد للأصوات الغوغائية ــ وخصوصاً الموجودة في مصر ــ التي لا يناسبها أن يكون العنف الممارس ضدّ السلطة طبقياً. لا يناسبها لأنّه يحرم مموّليها المتوزّعين بالتساوي على طرفي الصراع من فرصة الاستمتاع بمشهد الفقراء وهم يسحلون بعضهم بعضاً. ثمّة ما هو أكثر من السحل الآن، لكن من غير المفيد أيضاً تحويله إلى قوقعة، وجلد الناس برطانتها كلّما جيء على ذكر الحرب في سوريا. هنالك ما هو أهمّ من الحديث عن الحرب في هذا البلد، وتزداد أهميته كلّما طمست معالمه أكثر: الطريق إلى الحرب، أو كيف وصلنا إلى ما وصلنا إليه. بالفعل يبدو الأمر الآن من موقعنا في قلب الحرب الأهلية وكأنه لم يحدث أبداً، أو كأنه حدث بمحض الصدفة لا أكثر. نسينا تقريباً كلّ ما بذله أهل حمص ودرعا وبانياس في البدايات من تضحيات. ثمّة من يلقي باللائمة في ذلك على استدعائهم للعنف في مواجهة البيئات التي لم تشاطرهم رأيهم في ما خصّ الموقف من النظام. سبق لكثيرين أن قالوا هذا في معرض ذمّهم للعنف المستشري في البلد، لكن معاودة قول الأمر ذاته في سياق عام يشهد استدعاء جماعياً للعنف في مواجهة عنف السلطة تجعله بلا أيّ معنى تقريباً. أصلاً لم يكن المرء مهيّأ لاستئناف الكلام عن جدلية العنف والثورة لولا ما حدث في تونس قبل أيام. بدا الأمر أثناء رصدنا لمواجهات بورسعيد في مصر مجرّد تمرين على تقنين العنف وتنظيمه في مواجهة السلطة. مع اغتيال شكري بلعيد أصبحنا تقريباً في مربّع آخر، وبات بإمكاننا استدعاء المرويّات التي تروّج للعنف ضد السلطة، أيّ سلطة بغرض تجذيرها وضبط ما يفيض عنها على المجتمع. لن يخلو الأمر من تأويل لما حدث، ومن ترتيب لوقائعه على ضوء ما يحدث اليوم. فما يهمّنا الآن هو هذا الغضب الجمعي على سلطة أتت باسم القطيعة مع ارث القمع والتسلّط. طبعاً لم تحدث القطيعة، ولم يحصل أيضاً أن نوقشت أسباب عدم حدوثها علناً. كلّ ما يجري الآن من عنف هو نتاج عدم الفهم هذا. لنقل كذلك إنّه شكل مقلوب من الفهم لآليات إنتاج السلطة. ربّما لم يكن أهل حمص على علم بأنهم يواجهون سلطة طبقية عندما انتفضوا على النحو ذاك. إلا أنّ عنفهم الموجّه ضدّ رموزها كان يشي بذلك.
كان علينا حينها في اليسار أن «نحتضن العنف ذاك» وأن نحسن تنظيمه، بدل الانشغال الكلّي بمؤشّرات الصراع الطائفي الذي التهم كلّ شيء في ما بعد. لم تكن «الطائفية السياسية» سبباً لما أصاب حمص، بل نتاجاً له. وما أصاب المدينة حينها كان القمع والقمع فقط. لنتذكّر جيداً أن الطبقة الوسطى هناك لم تتحرّك جدّياً إلا عندما بدأت ماكينة النظام في حصد أبناء المدينة. وهذه إشارة لم نفهمها جيداً في حينه ولم يحاول أحد البناء عليها. بدوا ــ أي أهل حمص ــ غاضبين جداً من الذين تخلّوا عنهم وتركوهم وحدهم في مواجهة النظام. ربّما اعتقدوا وقتها أن الالتفات إلى هواجس الآخرين لا يصلح لأن يكون أساساً لمعركة مشتركة ضد النظام. وهذا ما جعل المرء منذ البداية يقف على مسافة من نضالهم رغم تضامنه الكامل معهم ضد النظام، ورغم اعتقاده الساذج في حينه أن السلمية لا تزال خياراً ممكناً. حدثت أمور كثيرة لاحقاً، ومعظمها لم يكن في الحسبان، ومن جملتها تصاعد ردودهم على بطش النظام تدريجياً. طبعاً استمرّ التصاعد ذاك إلى أن وصل إلى حدود لم يعد ممكناً معها التفريق بين ما يفعله النظام وما يفعلونه هم. الانتفاض هنا أخذ في طريقه كلّ شيء، ومن قام به دفع الثمن عنّا جميعاً.
حتى الموالون الذين انصرف المنتفضون إلى «الاقتصاص» منهم عشوائياً بعد تدمير النظام للمدينة بدؤوا يعترفون بذلك. هنالك أشكال من العنف لا يمكن التعامل معها بالمسطرة، وعنف «الحماصنة» في مواجهة نظامهم من بينها طبعاً. هؤلاء انحكموا لشروط ليس من ضمنها أن يكون النظام أكثر بقليل من سلطة عارية. لو توافر هذا الشرط حينها لما كنا نناقش الآن حيثيات انزلاقنا إلى هذا الشكل المتطرف من مزاولة السياسة، ولما احتجنا أصلاً إلى مراجعة موقفنا من العنف ومن دوره في مواجهة السلطة. والحال أنّه لم يعد في مواجهة السلطة المافياوية وحدها. ثمّة تناسل فظيع في أنماط مزاولة العنف ينبيء بأنّنا على أعتاب تفكيك كلّ السلطات الممكنة، لا سلطة الدولة أو النظام وحدهما. سلطة المعارضة في أماكن هيمنتها باتت تواجه المأزق ذاته، وهو أمر مبشّر إذا ما كان المعيار هنا هو امتناع المجتمع عن الرضوخ إلى آليات السّحق إياها التي انتفض عليها قبل عامين.
في هذا السياق تحديداً، تغدو العودة إلى نماذج حمص ودرعا وبانياس أكثر من ضرورية. هي لم تعد قائمة اليوم نظراً للقوة التدميرية الغاشمة التي ووجهت بها، وما بقي قائماً منها تحوّل إلى مجرّد سلطة تحاول منع سلطة أخرى من التهامها. لقد نجح النظام الفاشي في مسخ تلك التجارب الملهمة وتجريدها من مضمونها الأخلاقي. كان بالإمكان تفادي ذلك (في حالة حمص تحديداً) لو لم يأخذ العنف الممارس من المعارضة المسلحة طابعاً وظيفياً سافراً، ولو لم نتخاذل نحن في اليسار عن الأخذ بيد من يقتنع معنا بمزاولة العنف ضدّ السلطة ورموزها لا ضدّ جمهورها وبيئتها الحاضنة. كلام هيثم مناع هنا عن إعادة الاعتبار للنضال السلمي لا يبدو مناسباً كثيراً، لأنّ اللحظة الآن هي لتقنين العنف لا لتحريمه بالمطلق، ولأنّ السلطة في مصر وتونس هي من اختارته، تماماً كما فعل النظام في سوريا «منذ اليوم الأول». سيكون من المضحك مثلاً أن نحمل «المسطرة السورية» ونذهب بها إلى مصر لكي نقنع حملة الزجاجات الحارقة من الشباب هناك بأنّنا جرّبنا هذا الطريق سابقاً، ولم يوصلنا إلى نتيجة تذكر. وكذا الأمر في تونس. «البارحة» فقط أحرقت خمس سيارات ونهب عدد من المحالّ التجارية أثناء تشييع المناضل اليساري شكري بلعيد إلى مثواه الأخير. لا يهمّ كثيراً من قام بذلك، فمن يحرق ومن ينهب اليوم إنما يفعل بتأثير الشرط الموضوعي الذي تتدخّل السلطة في صياغته، وتوعز إلى من يشاء الاستفادة منه بأن يفعل.
ودورنا في اليسار هو أن نجبر السلطة الطبقية الفاشية على عدم التدخّل مجدداً لرعاية العنف وتعميمه، لا أن نتورّط في دعاية يمينية تدين المهمّشين لمجرّد أنهم حملوا حجراً أو أحرقوا سيارة أو رموا قصرا رئاسياً بزجاجة مولوتوف. من المؤسف أن يسمع المرء يساريين في تونس ومصر وهم يلوكون كلاماً عن «التخريب» و«التدمير» و«الممتلكات العامة» و...الخ. كم سيبتهج «الإخوان المسلمون» في مصر و«حركة النهضة» في تونس بهؤلاء، وكم سيسعدون بهم وهم يخرجونهم من مأزقهم الراهن. هم ــ أي «الاخوان» ــ لا يتوانون عن ممارسة العنف وتنظيمه ميليشياوياً في مواجهة خصومهم، وحين يسقط أحد الخصوم ضحيّة لهذه الممارسة يتحرّج القطاع العريض الذي ينتمي إليه من الردّ على عنف السلطة ولو بالدراع كما يقول إخوتنا في مصر. ليس مطلوباً أن نردّ على عنف السلطة بمثله ولا أن نلجأ إلى الأمن الذاتي بعدما تخلّت الدولة عن واجبها في حمايتنا. يكفي أن نسمح للكتلة الغاضبة بأن تعبّر عن نفسها، وتنّفس عن احتقاناتها الملتهبة التي ما عاد بالإمكان ضبطها أكثر من ذلك. بالطبع سيحرق هؤلاء في مصر مقارّ للأخوان، وسيقتحم نظراؤهم في تونس مراكز لحركة النهضة. هكذا حصل في الأيام الأولى «للثورتين» في تونس ومصر، ومن روّج وقتها للعكس أو لنظرية «الاحتجاجات السلمية» «البلهاء» يتحمّل وحده المسؤولية عن الأبلسة الجارية حالياً لكلّ من يرفع إصبعاً في وجه السلطة. من بين هؤلاء رفاق شجعان في اليسار. ولأولئك بالتحديد نقول: ثمّة حاجة ماسّة للضغط على السلطات الفاشية هنا وهناك. وهو أمر لا يمكن تحصيله بغير العنف. اسألوا بلال فضل. فقد كتب منذ فترة في «الشروق» مقالاً اسمه: «من اغتصب الخالة سلمية؟».
* كاتب سوري