تبدو المناورات الروسية الأخيرة حدثاً مهماً بنظر المراقبين ووسائل الإعلام لكونها الأضخم والأولى من نوعها منذ فترة طويلة؛ غير أنّ هذا أبسط ما يثير الاهتمام بهذا الحدث المهم دون شك، ولا سيّما إذا ما ربطناه بصعود دور روسيا الدولي، خلال السنوات الأخيرة. وهنا، يوقعنا التركيز على المناورات نفسها، في وهم أننا أمام حدث طارئ ينتهي كما بدأ في موعده المحدد؛ غير أنّ الحقيقة تكمن في أنّ البحرية الروسية وضعتنا، والمعنيين في العالم، أمام إعلان مثير عن بداية كبيرة لمهمة طويلة لا تنتهي، سمّاها الوزير سيرغي لافروف «حفظ الاستقرار في المتوسط». والاستقرار في المتوسط، كما هو معروف، واحدة من حالات العناية الفائقة، ومهمة تتطلب الانشغال الحثيث والمستمر.

وبمعنى ما، فإنّ المناورات نفسها تنتهي في موعدها، لكن الحضور الروسي في المتوسط (والأسود) سيستمر ويتواصل، ويصبح معهوداً وأكثر كثافة من أيّ وقت مضى، بما في ذلك خلال العهد السوفياتي. وبهذا تدشّن البحرية الروسية مهمة دائمة ثانية، إلى جانب المهمة التي تؤديها من خلال بعض قطع أسطول المحيط الهادئ في خليج عدن، وقبالة شواطئ الصومال في مكافحة أعمال القرصنة البحرية.

مناورات لافتة

ما يجري في المتوسط، بحدّ ذاته، قد لا يكون كافياً لفهم أبعاد الحدث، لكنّه يقدّم مداخل مناسبة لقراءة تقود إلى تلك الجوانب المثيرة، التي تقف وراء خروج الروس عن «صمتهم» العسكري، الذي تمثل في انشغالهم الأمني الداخلي والحدودي البري المباشر، لتنظيم تظاهرة بحرية كبيرة في منطقة محاطة بالهواجس السياسية ومزدحمة بالبؤر المتفجرة، في معاكسة واضحة لمفهوم التدريبات العسكرية، التي لا يندر أن تؤجلها الدول لتلافي سوء فهم سياسي أو تحاشي إثارة خصم هناك.
وبهذا، فإنّ المناورات الروسية التي لم تلتفت إلى هذا كله، توجه الاهتمام نحو البحرية الروسية بوصفها واحدة من الأذرع الطويلة للدول. وأول ما يمكن أن نذكره هنا، هو السمات العامة للبحرية الروسية، التي عانت دائماً نقطتي ضعف، كانتا تعيقان نموها.
الأولى: أنّ روسيا بطبيعتها برّ مترامي الأطراف، وفي اللحظات التي كانت الدولة (القيصرية ثمّ السوفياتية) فيه تواجه تحديات وضعفاً داخلياً، يجري ترجمة ذلك على نحو مباشر بإهمال القوات البحرية، وتجميد خطط تسليحها وتحديثها. هذا حدث مراراً، وانعكس تكراراً على الجاهزية والقدرة، إضافة إلى أنّ البرّ المترامي كان يتيح مع ظهور القوة الصاروخية نقاط تمركز داخل روسيا نفسها لتغطية أهداف خارجية بعيدة، تحتاج الولايات المتحدة لتغطيتها إلى قواعد عسكرية خارجية وبحرية كفوءة تجوب البحار. بمعنى الاستعاضة عن القدرة العملياتية بقوة الردع الصاروخية، وهو ما جعل البحرية الروسية، مثلها مثل الدولة السوفياتية، تمثل حالة ردع ساكنة، دون احتمالات تدخّل موضعية أو تنفيذ عمليات محدودة.
الثانية: أنّ الاتحاد السوفياتي لم يسعَ على نحو جدّي لايجاد قواعد عسكرية في الخارج، واعتمد على القطع البحرية الاستراتيجية، القادرة على التحرك بمهمات طويلة وبعيدة، انطلاقاً من المركز. وهو بذلك لجأ إلى التركيز على الأعماق (غواصات) مقابل حدّ أدنى من السيطرة على السطح (سفن، بوارج، حاملات طائرات، سفن انزال). ولهذا، فإنّ عدد قطع الأعماق السوفياتية كان يعادل تقريباً عدد مثيلتها الأميركية (اثنتا عشرة قطعة مقابل أربع عشرة).

ذكريات سيئة

وفي خلفية ذلك كله، ذكريات بحرية روسية سيئة تبدأ من مأساة أول قطعة حظيت بها البحرية الروسية (السفينة الشراعية فريدريك)، التي فقدت في أول رحلة لها في بحر قزوين على أثر مواجهتها عاصفة شديدة عام 1636، ثم سفينة «آريول» (النسر) التي واجهت نهاية مشابهة، حينما استولى عليها القوزاق المنتفضون بقيادة ستيبان رازين، وأغرقوها في مصب نهر الفولغا (1669)، أمّا الحادثة الأكثر قسوة، فهي حصار السفن الروسية في «بورت آرثر» خلال الحرب اليابانية ـــ الروسية عام 1904، وخسارة عدد من السفن التي حاولت أن تخرق الحصار، حينما وقعت في حقل ألغام ياباني. وعلى أثر هذا، أنشأ القيصر نيكولاي الثاني هيئة الأركان البحرية العامة (1906)، وبدأ التفكير في توجيه الاهتمام نحو الألغام البحرية والغواصات.
تأثرت البحرية الروسية، كذلك، بخسارة مراكزها المهمّة في اتفاقيات سياسية حرجة، ففي عام 1661 اضطرت روسيا إلى التخلي عن حوضها الأول لبناء السفن «تساريفتش ديميترييف» الواقع على الأراضي السويدية، ثم فقدت بموجب اتفاقية باريس في ستينيات القرن الثامن عشر الحقّ في امتلاك أسطول في البحر الأسود. بينما دفعت الحرب اليابانية - الروسية إلى نقل عمليات أسطول المحيط الهادئ إلى بحر البلطيق، وخسرت روسيا هذا الأخير عام 1918 بموجب اتفاقية بريست ليتوفسك، فجرى إجلاء أسطول البطليق (الشمال) من هلسنكي (فنلندا)، وتالين (أستونيا) إلى كرونشتادت خلال عملية الرحلة الجليدية.
وفي هذه الفترة، وقع التدخل الأجنبي (البريطاني) في روسيا البلشفية، واحتُلّت منطقة المحيط الهادئ والبحر الأسود وسواحل المحيط المتجمد الشمالي؛ بينما علاقة الثورة البلشفية الرومانسية بالبحرية التي بدأت مع تمرد المدرعة بيتيومكين (1905) والسفينة أفرورا (1917) لم تستمرّ، فقد شهد عام 1921 تمرّد بحارة أسطول بحر البلطيق، الذي كان قد نُقل إلى كرونشتادت بالقرب من سانت بيترسبرغ (لينينغراد) في الخليج الفنلندي.

الغواصة كورسك

كان لعهد فلاديمير بوتين، أيضاً، ذكرياته البحرية السيئة، وعنوانها حادثة الغواصة كورسك التي غرقت في ظروف غامضة عام 2000، لكن هذه الحادثة على خلاف ما سلف لم تؤد إلى حالة نكوص وتراجع، بل على العكس من ذلك لفتت الانتباه إلى القوات البحرية التي عانت طوال عهد بوريس يلتسن تقليص مخصصاتها وإهمالها لدرجة العجز عن تنفيذ برامجها الاعتيادية.
ابتدأ منذ ذلك الحين (عام بوتين الأول رئيساً لروسيا) البحث في مشاكل البحرية الروسية ووضعها إلى جانب الأولويات الأخرى، التي كانت تواجه روسيا الغارقة لأذنيها في مشاكلها الداخلية والاقتصادية، إلى جانب انهيار سمعتها الدولية وتراجع دورها الخارجي. وكان من المتوقع أن تبقى تلك مجرد خطط ووعود، ليس فقط لضغط المشكلات الملحة، بل كذلك لغياب التصور المباشر والمحدد للدور الذي يمكن أن تؤديه «البحرية» في مستقبل كان هو ذاته بعيد المنال، ويبدو حلماً خيالياً.
ومن المعروف، حينها، أنّ بوتين منذ تسلّمه الاستخبارات كان قد بدأ بإعداد ملفات (فساد وفضائح مالية وأخلاقية) لمراكز القوى المتنفذة حول يلتسن، والدوائر العليا في النخبة الحاكمة، وتحديداً «الأوليغارش» الذين حولوا الرئاسة الروسية إلى ألعوبة يتنافسون على استغلالها. وهذا مشوار واصله، رئيساً للوزراء ورئيساً لروسيا؛ وعملياً كان بذلك يعيد هيكلة الحياة السياسية في روسيا مع التشديد على حقيقتها الفدرالية، التي ضاعت في أعوام يلتسن من خلال مراكز النفوذ، التي كانت ترى عن قرب ضعف مركز السلطة وعملت جاهدة على استغلال حاجات الأقاليم إلى التنمية، فخاضت معارك في التنافس على النفوذ في الأقاليم وفي تقاسمها، واستغلال نفوذها فيها سياسياً في موسكو، ما قاد بدوره إلى تقسيمات إدارية انشطارية، بحيث تشظت روسيا إلى نحو ثمانين وحدة إدارية، مع حقوق سيادية بالعلاقات الخارجية للحكام الإداريين.
ومن المعروف كذلك، أنّ بوتين بدأ رئاسته للوزراء بحرب جسورة في الشيشان، واصلها بعد ذلك خلال رئاسته لروسيا بتصفية مجموعات المسلحين الإسلاميين الانفصاليين؛ كان من نتائجها المباشرة استعادة الجيش لثقته بنفسه وبقدراته، ووصول قادته إلى قناعة بأنّ لديهم أخيراً سياسياً يثقون بجديته. وبهذا، كان قد أحكم سيطرته القوية على البلاد وعلى الحياة السياسية فيها، في وضع جعل منه أقوى من جيل كامل من السياسيين المتعددي الطبقات والمستويات والأهواء والمشارب، ما أهّله لاستعادة صلاحيات «المركز»، وإعادة السيطرة على المؤسسات والثروات الوطنية الكبيرة التي كانت قد جرت عملية خصخصتها على نحو متعسّف وسافر.
في هذا الوقت، شهدت أسعار النفط ارتفاعاً كبيراً، بينما كانت روسيا قد وسعت من استثماراتها في مجال الطاقة (النفط والغاز)، ودخلت الأسواق العالمية كواحدة من كبار المصدرين، فيما ارتفع معدل الانتاج إلى أضعاف (الشهر الحالي زاد انتاج روسيا من النفط على السعودية)، ما وفّر موارد مالية ضخمة، فتحت المجال أمام الكثير من البرامج، ومنها تحديث القوة البحرية الروسية.

مخاطر وتهديدات

اجراءات بوتين استتبعت عداءً غربياً له، جرت ترجمته بالضجة حول الحريات الإعلامية (أهم وسائل الإعلام كانت مملوكة لـ«أوليغارش» يهود، بعضهم يحمل الجنسية الإسرائيلية) وحقوق الإنسان (حرب الشيشان) واعتدائه على الليبراليين وحرية السوق (قضية خودروفسكي، رئيس عملاق النفط «يوكوس»)؛ لكن بوتين الذي أمضى سنوات طويلة في الاستخبارات الخارجية على احتكاك وتنافس مع الغرب، لم يفهم كلّ ذلك خارج علاقة التنافس وصراع المصالح.
وعملياً، فإن من أهم الصفات التي يمتاز بها بوتين وفريقه من المقربين (لافروف على وجه الخصوص) هو أنهم ليسوا مأخوذين (كأسلافهم من عهد غورباتشوف ويلتسن) بزملائهم الغربيين، وآخر من يبهرهم هم الأميركيون. وأكثر من ذلك، يمكن الحديث عن شعور داخلي بالازدراء تجاه زملائهم الأوروبيين، بينما لا يجدون في الحديث عن «الذكاء الأميركي» طرفة ممجوجة، غير أنهم في المقابل شديدو الاهتمام بالقوة والنفوذ الأميركيين.
ولهذا، فقد رُبطت علاقة روسيا بالجانب الغربي من خلال عنوانين رئيسيين، هما: وقف التمدد الغربي الأطلسي باتجاه وحول روسيا من خلال ضمّ أعضاء جدد، ثم التسلح وبرنامج الدرع الصاروخية، باعتبار أن هذين العنوانين يحددان اتجاهات العلاقة: شراكة أو تنافساً. ومن المعلوم أنّ الغرب لم يقدّم إلى روسيا في هذا الشأن سوى التطمينات السياسية والدبلوماسية، وأنّ الروس، الذين لا يجدون سبباً لبقاء حلف الأطلسي، ويعدّونه من مخلفات الحرب الباردة، ردّوا على ذلك مطلع عام 2010 بعقيدة قتالية جديدة، جرى توصيف «الأطلسي» فيها عدواً رئيساً، أخذ مكانه على رأس التهديدات الاستراتيجية السياسية والعسكرية، باعتباره الخطر الأول.
هنا، في هذه المساحة، كان البحث عن تصوّر حول دور القوات المسلحة ووظيفتها في الوضع الجديد قد اكتمل، وبدأ بالانتقال من الورق إلى الشروع في تطبيقه، ونقله إلى حيّز الواقع من خلال اجراءات وبرامج محددة. والمناورات الروسية الأخيرة واحدة من حيثياتها. وإن كان على المرء أن يفكر في أنها ليست كل شيء، فهي أولاً مجرد مباشرة لإبحار السلاح في السياسة، وهي ثانياً تحمل معنى تحديد الأولويات، وبهذا، فالمتوسط (والأسود بطبيعة الحال) يأخذان مكانهما على رأس قائمة الأولويات الروسية!
غداً: قاعدة على ساحل أزمة
* كاتب أردني