عندما انتصرت المقاومة في لبنان وفي فلسطين، بدأت التحليلات السياسية والصحفية تتحدث عن اقتراب لحظة تصفية الحساب واستكمال الانتصارات، بحسب منطوق الحتمية التاريخية. وهي بنظر البعض تلوح في الأفق غير البعيد. وعندما اندلعت الثورات والأحداث الدراماتيكية التي تفاقمت في السنوات الأخيرة، كثرت التأويلات والقراءات حول حقائق ومضامين التطورات السياسية والأمنية، وشاعت الأنباء التي تتحدث عن بدء التغيير المنتظر. فما الذي يمكن قوله عند مقاربة كلّ هذه المشاهدات في محاولة لتشكيل تصوّر متماسك حول الأوضاع الراهنة بين دعاة التبشير ومنذري الشر المستطير؟ وما هي الأخطار التي تحدق بالمنطقة في المستقبل القريب وغير المنظور والتحديات التي تتراءى من خلف بريق الأمل الذي يتحسسه كثيرون؟

تتباين المواقف في لبنان وفي العالم كلّه حول النتائج التي ترتّبت على حرب تموز 2006 بين إسرائيل والمقاومة اللبنانية، تبعاً للخلفيات السياسية التي تنطلق منها تلك الجهات في معرض تقويم نتائج تلك المعركة بميزان الربح والخسارة. فثمّة من يقول إنّ المقاومة لم تنتصر فيها، بل إنها خسرت تلك الجولة، ومعها كلّ لبنان، وكذلك كافة الأطراف التي تنضوي تحت لواء محور الممانعة والمقاومة في مواجهة العدو الصهيوني. وثمّة من يرى في المقابل أنّ المقاومة قد انتصرت، بل أنجزت انتصاراً تاريخياً، وأنّ إسرائيل قد هزمت في تلك الحرب لا محالة، ليخلص بعدها إلى التأكيد على جدوى المقاومة المسلحة في مواجهة إسرائيل. مهما كانت نتائج تلك الحرب، فلا شكّ في أنها مثلت فعلاً محطة مهمة، بل منعطفاً لافتاً بالتحليل الاستراتيجي في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي. فالجيش النظامي الذي لا ينتصر في الحرب هو خاسر، وكذلك المقاومة الأهلية التي لا تنهزم فيها فهي رابحة. بهذا المعنى، لا يمكن أبداً إنكار صمود المقاومة في الميدان طوال هذا العدوان، على الرغم من هول التضحيات في صفوف المدنيين وفي البنية التحتية للبلاد، الذي يدلّل على حالة التخبط لدى الطرف الإسرائيلي في ظلّ انعدام أيّ إمكان للحسم أو التقدم.
كذلك لا يتفق المحللون السياسيون والناس في الشارع بشأن ما أدت إليه حرب غزة (2008 ـــ 2009)، حيث يختلفون في مقاربة مترتّبات تلك الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وما تمخضت عنه على صعيد توازن القوة بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، لكن المقاومة الفلسطينية أثبتت في هذه المعركة قدرة مستجدة على الصمود والتصدي للاعتداءات الإسرائيلية. لقد مثلت هذه الحرب تجربة نوعية في استكمال عملية تجسيد نفس الصيغة التي ابتدعتها المقاومة في لبنان، وهي صيغة جدّية في مواجهة التفوّق التكنولوجي الإسرائيلي، وجديرة بالتدريس في المعاهد العسكرية والاستراتيجية والكليات الحربية. وجاءت بعد ذلك الحرب الإسرائيلية على غزة عام 2012 لتثبت صحة وصدقية هذا الخيار في الدفاع المشروع عن النفس واسترجاع الحقوق المغتصبة. في هذه الحرب الأخيرة، لم تجرؤ القيادة السياسية والأمنية في إسرائيل على خوض غمار هجوم بري من شأنه أن يجعل الجيش الإسرائيلي فريسة الاستهداف المكثف والباهظ الثمن من قبل المقاومة الفلسطينية.
لا شكّ في أن ثمة اختلافاً كبيراً في الظروف المحيطة بين التجربة اللبنانية في مقاومة العدوان الإسرائيلي، والتجربة الفلسطينية في مقاومة الاحتلال نفسه، لناحية العمق الاستراتيجي والبيئة الحاضنة. فالمقاومة الإسلامية في لبنان أفادت كثيراً من احتضان سوريا لحركات المقاومة في المنطقة، والدعم الذي قدمته في سبيل تحقيق الأهداف المشتركة في التضامن لمواجهة الاحتلال الصهيوني، فيما عانت حركات المقاومة الفلسطينية الكثير من التضييق والحصار في ظلّ النظام المصري السابق، لكنّ تجربة المقاومة بحدّ ذاتها كانت ناجحة على العموم، ومثيرة للإعجاب والتقدير بالنظر إلى الإنجازات التي تحققت على أرض الواقع، والتي جعلت المراقبين والمتابعين للقضية الفلسطينية وقضية الصراع العربي الإسرائيلي، ومن ذلك حالة الحرب المستمرة بين لبنان وإسرائيل، يعيدون التفكير والحساب على ضوء القراءات الجديدة التي تفرضها متغيّرات الصراع وطرائق التعامل معه. ويبقى الثابت الوحيد، الذي استجد، هو انكشاف عجز إسرائيل في إطار المشهد السياسي المتبلور، بمعنى عدم قدرة تكنولوجيا الحرب المتطورة لدى إسرائيل على ضرب هذا الخيار في المقاومة واقتلاعه من الجذور. هكذا تبدو إسرائيل عاجزة عن نزع سلاح المقاومة وتحقيق الانتصار الساحق والظاهر للعيان في ميدان القتال المباشر، الأمر الذي يفرض ضرورة البحث في سبل التعاطي الفاعل على نحو مغاير مع مقتضيات المرحلة الدقيقة والحرجة.
يتزامن كل ذلك مع الانسحاب الأميركي من العراق عام 2011، الذي يندرج في سياق إعادة ترتيب الأوضاع الإقليمية من قبل الولايات المتحدة، حيث يعكس هذا الخروج للقوات الأميركية من هذا البلد تطوراً كبيراً في استراتيجية واشنطن في المنطقة، التي لا تزال تنطوي على دعم مطلق للحليف الإسرائيلي. فالانسحاب العسكري يفيد عن توجّه سياسي لدى الإدارة الأميركية نحو تقليص حجم الحضور أو الوجود المباشر في هذه المنطقة الساخنة من العالم! قد لا يعني هذا الأمر بالضرورة أنّ الولايات المتحدة غير مستعدة للدخول بقوة في أيّ لحظة في مغامرة ما، فيما لو وجدت أنّ المصالح الحيوية الأميركية بخطر، أو شعرت بتهديد حقيقي للأمن القومي، لكنه يشير إلى تراجع احتمال التدخل العسكري على نحو مباشر من ضمن رؤية براغماتية مختلفة تكفل تحقيق الأهداف الإمبريالية بطرق أخرى. وبناءً عليه، يبدو من غير المنطقي الحديث عن اضمحلال أو تدهور النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط بالمطلق، أو أقله لا يزال الوقت مبكراً للتنبؤ بقرب حدوث تطور دراماتيكي كهذا في ظل التعنت الأميركي، واستمرار سياسة المراوغة وبالتالي المكابرة في مقابل بقية الأطراف الدولية، ولا سيّما القوى الصاعدة. وفق هذا التصور المتسلسل، ربما يمكن القول إنّ السياسة الأميركية في الوقت الراهن غير مبنية لزاماً على اللجوء الحتمي أو الملحّ إلى القوة القسرية. عندها يصبح الحديث عن تقلص الرهان على الوجود العسكري المباشر ممكناً ومقبولاً، الأمر الذي يحيلنا على نظرية الحرب بالواسطة في الزمن الحاضر وفي المستقبل.
لم تعد إسرائيل قادرة على شنّ الحروب الخاطفة كما في الماضي، بل يبدو أنّ موازين القوى في الصراع العربي الإسرائيلي لم تعد هي نفسها لمصلحة العدو الصهيوني في استباحة الجوار الإقليمي، كما أنّ الولايات المتحدة تميل إلى تغيير قواعد الاشتباك منذ الانسحاب من العراق، عوضاً عن الاستمرار في الرهان القديم على وطأة التدخل العسكري السريع بتكاليفه الباهظة، لكن هذا التكتيك لا يلغي احتمال نشوب حرب شاملة في حال إخفاق المفاوضات في تسوية الملفات الإقليمية التي لا تزال عالقة. فالجيوش الأميركية لا تزال مرابضة في قواعد الخليج وفي أرجاء المتوسط، وهي لا تتورع عن قرع طبول الحرب من وقت إلى آخر، وكذلك سائر الأحلاف والمعسكرات في هذا التنافس الاستعماري المعاصر. في ظل هذا المناخ الإقليمي، انطلقت في أواخر عام 2010 ثورات الربيع العربي، أو ما بات يعرف بالربيع العربي، في إشارة إلى الحراك الشعبي الذي ألقى بظلاله على منطقة الشرق الأوسط، ولا سيّما البلدان العربية. هنا ينبغي التفريق بين أمرين منفصلين، وإن ظنّ البعض غير ذلك بداعي الاشتباه والالتباس. الأمر الأول هو ظاهرة نزول الناس إلى الشارع بكثافة تتفاوت من بلد إلى آخر لإسقاط أنظمة القمع والاستبداد المترهلة، والمطالبة بتحقيق المساواة، والحرية، والعدالة في إطار التغيير الديموقراطي. وما أحوجنا راهناً ودائماً في معظم، بل جميع البلدان العربية والمشرقية، إلى مثل هذه الروح الثورية التي تطلق العنان لمسيرة نضالية تقدمية من أجل إعادة البناء، والإنماء، والإصلاح بقصد الخروج من هذه الحال البائسة والمتردية. والأمر الثاني هو اختراق الاستخبارات الأجنبية والتنظيمات الإرهابية لفاعليات الثورات المحقة، ودخول هذه الأطراف الخارجية على خطّ الصراع السياسي الداخلي، وتشويه صورة هذا التحرك الشعبي السلمي من خلال ممارسة أعمال العنف والإرهاب من تدمير وقتل وتفجير... لقد ركبت هذا الأطراف موجة المطالب السياسية والشعبية، وحاولت ولا تزال تحاول تحوير وحرف هذه الثورات عن الأهداف النبيلة التي تصبو إليها كلّ الشعوب العربية والإسلامية. فبلغت الأمور ما وصلت إليه من مضاعفات خطيرة تعكس حالة من انعدام الأمن والاستقرار والطمأنينة.
مهما تكن الخلفية التي تكمن وراء الأحداث التي تجري حالياً في العديد من الساحات، ومن خلفها المتغيرات في كواليس السياسة الدولية والمصالح المتصارعة، ومهما تكن الأسباب التي أدّت إلى انطلاق هذه الثورات والحروب التي أعقبت تلك الانتفاضات الشعبية، لا شكّ في أننا بحاجة ماسة في البلدان العربية إلى ثورات حقيقية تكون المدخل الطبيعي إلى التغيير الحقيقي. وهذا الأمر يقع على عاتق الشعوب العربية التوّاقة إلى التغيير الفعلي والجذري، وخاصة قوى التغيير التقدمية في هذه المجتمعات والنخب المستنيرة لقيادة السفينة إلى برّ الأمان لا الفوضى والدمار. فما يجري حتى اللحظة هو التفاف على مطالب وتطلعات الشعوب من أجل التنمية المستدامة والمواطنة. والمسؤولية لا تقع فقط على عاتق الأنظمة في قهر الشعوب وعدم الاستجابة واللامبالاة، سواء الأنظمة القديمة أو الأحزاب التي صعدت حديثاً إلى السلطة، لكن أيضاً تتحمّل بعض التدخلات الخارجية مسؤولية الشلل التام والفشل المزدوج. ما تريده الولايات المتحدة والحلفاء القدامى والجدد في الغرب، وكذلك إسرائيل، هو ضرب وحدة النسيج الاجتماعي للبنى الوطنية القائمة وتفتيت الوحدة الداخلية في سياق إعادة تشكيل خارطة المنطقة والتوازن الإقليمي. لقد وجدت هذه القوى الاستعمارية في فرضية الفتنة المذهبية وسيلة لتقويض الاستعدادات للمواجهة. فتمكنت أميركا وإسرائيل من نقل المعركة من الجبهة الأمامية في ميدان النزال المباشر على الحدود، وربما في داخل الأراضي المحتلة، إلى قلب تلك المجتمعات السقيمة والأقطار الممزقة، حيث انكفأت سوريا عن أداء دورها الإقليمي مع تفاقم الأزمة واحتدام الصراع من تجراء اشتداد هجمة الإرهاب الدولي، وشُغلت إيران أكثر فأكثر بمؤازرة الحلفاء لتخطي الصعوبات والعراقيل، كما انغمس حزب الله في وحول السياسة اللبنانية الداخلية، مع ما يعنيه كلّ ذلك من تشتيت للجهود وتبديد للطاقات، وإن كانت المقاومة تصرّ على القول إنّ اليد التي تحمل البندقية ضدّ العدو الإسرائيلي وتضغط على الزناد جاهزة ومستعدة لكل الاحتمالات.
تبدو الصورة ضبابية وغير واضحة للرأي العام العربي والعالمي، حيث يرى كثيرون في مسلسل الأحداث الراهنة ملامح ثورات وطنية تصبو إلى النضال ضدّ إرهاب الدولة المزمن بحق المواطن في البلدان العربية. ولا أحد ينكر على الإطلاق هذا الحقّ، الذي تقرّه المواثيق الدولية في الحرية والأمان والكرامة الإنسانية، بل ينبغي الشروع فوراً في إطلاق عجلة التغيير الشامل والكامل بقصد الولوج إلى زمن الانتصارات الحقيقي، لكن الخوف كلّ الخوف من انحراف الحراك الشعبي عن مساره الطبيعي والحضاري. لقد انتقلت الحرب ضد إسرائيل من طور الصراع المباشر، حيث أعدّ المقاومون ما استطاعوا، إلى طور الاقتتال الأهلي بتحريض من الاستخبارات واللوبيات والكارتلات الكبرى عبر الالتفاف من الداخل، لتطوى بذلك صفحة القضية المقدسة إلى غير رجعة، وتستبدل بوصلة الشرق وفلسطين في قلبه في زمن فتنة هي أشدّ من القتل. فكيف السبيل إلى تصويب المسار؟ وهل من عاقل يدرك هول الخطر الذي يدهمنا؟
* باحث سياسي