إن المتتبع للمعركة الدائرة على الساحة النفطية اليوم حول الأسباب التي تقف وراء الانخفاض المفاجئ لأسعار النفط والدعوات المستمرة الى خفض كمية الانتاج يدرك أن العوامل السياسية تؤثر بشكل أكبر وأوسع من العوامل الاقتصادية (والتي بالطبع لا يمكن إغفالها متمثلة بتراجع الطلب على النفط وزيادة المعروض منه نتيجة تباطؤ الاقتصاد العالمي).

لا شك في أن القرارات السياسية التي تقف وراء تحديد كمية الانتاج وبالتالي الأسعار ترتبط حالياً بشكل مباشر بالعقوبات المفروضة على كل من إيران وروسيا.

ويبدو أن الأخيرة هي المستهدفة الرئيسية والمتضررة الكبرى من انخفاض أسعار النفط (كانت صحيفة «برافدا» الروسية قد نشرت عشية زيارة الرئيس الأميركي في ابريل (نيسان) الماضي للرياض أن «الرئيس الأميركي باراك أوباما أقنع ملك السعودية بتنسيق الإجراءات في سوق النفط لخفض أسعاره العالمية الحالية التي تعد المصدر الرئيسي لعائدات التصدير الروسية، وذلك لمعاقبة روسيا لسلوكها تجاه أزمة شبة جزيرة القرم). إن العمل حول تخفيض الأسعار بمقدار 12 دولاراً للبرميل في تلك الفترة وسط سعر عالمي بلغ 113 دولاراً للبرميل كان سيكبد روسيا خسارة تصل الى حدود الـ40 مليار دولار، أما اليوم ومع خفض الأسعار إلى حدود 60 دولاراً للبرميل فإن الخسائر الروسية ستتجاوز الـ100 مليار دولار بشكل سنوي في قطاع يشكل 70% من قوتها الاقتصادية.
إن مثل هذا التنسيق الأميركي السعودي يعيد إلى الذاكرة «حرب نفطية» أخرى قامت بها السعودية عام 1985 بالوكالة عن الولايات المتحدة في أعقاب الصراع مع المعسكر الاشتراكي، عندما قامت المملكة بزيادة إنتاجها من النفط بشكل كبير من 2 مليون برميل إلى 10 مليون برميل يومياً، وانخفض سعره من 32 إلى 10 وصولاً إلى 6 دولارات للبرميل، حينها خسر الاتحاد السوفياتي مليارات الدولارات، أما المملكة العربية السعودية لم تفقد أي شيء، لأنه عندما انخفضت الأسعار بنسبة ثلاثة أضعاف ونصف الضعف، فإن الإنتاج قد ازداد خمسة أضعاف. وقتها لم يكن الاقتصاد المخطط في الاتحاد السوفياتي قادراً على التعامل مع انخفاض عائدات التصدير، وكان هذا واحداً من الأسباب التي أدت إلى انهياره.
صحيح أن روسيا تملك اليوم احتياطياً قوياً من العملات الصعبة يبلغ 450 مليار دولار، إلا أنها مقبلة من دون شك على أزمة مالية في حال استمرت أسعار النفط بالهبوط حيث يمثل النفط أحد مصادر الدخل المهمة فيها، فحتى الآن بلغت قيمة الدعم الذي خصصته الحكومة الروسية لإنعاش الروبل 13 مليار دولار. ومن المؤكد أن المصرف المركزي سيستمر في ضخ مزيد من العملات الصعبة في السوق، وسط أداء كان الأسوأ للروبل عالمياً خلال الأشهر الثلاثة الماضية.
أما الطرف الآخر المراد كسره سعودياً وأميركياً في حرب النفط هذه فهو إيران، والتي كانت تأمل في حال رُفعت العقوبات المفروضة عليها أن يقفز إنتاجها من حوالى مليونين وسبعمئة ألف برميل حالياً إلى أربعة ملايين وثمانمئة ألف برميل يومياً.
إيران تدرك أن السعودية برفضها خفض كمية الانتاج إنما تريد حرمان إيران من مزايا تخفيض العقوبات المفروضة عليها دولياً، إذ لم يتوان الرئيس حسن روحاني بالقول إن هناك «مؤامرة سياسية» من قبل دول لم يسمها تقف وراء هبوط أسعار النفط الخام، مؤكداً أن «الأسباب في خفض أسعار النفط ليست اقتصادية بحت».
لا شك في ان إيران اعتادت على مثل هذه الأزمات الاقتصادية وهي مستعدة لمواجهتها، هذا ما أكده النائب الأول للرئيس الإيراني اسحاق جهانغيري: «الحكومة ستدير البلاد بصورة جيدة حتى لو أوصل المتآمرون سعر البرميل إلى 40 دولاراً».
رغم أنّ الخسائر لن تكون سهلة وسط اعتماد ميزانية للعام المقبل على أساس 72 دولاراً للبرميل الواحد بينما يتداول سعر مزيج بحدود 60 دولاراً للبرميل في الوقت الراهن.
تعتبر الولايات المتحدة رابحة على الصعيد السياسي في حرب النفط هذه، فهي تريد ان تحصر روسيا ضمن مجالها وتريد فرض اجندتها عليها وعلى إيران، لكنها خاسرة على المستوى الوطني. فهي بهذه العملية فشلت بالاعتماد على انتاجها المحلي من النفط الصخري (تكلفة إنتاج البرميل الواحد 90 دولاراً). هذا ما أكدته جريدة «تايمز» البريطانية التي نشرت أن السعودية تريد خفض الأسعار حتى تجعل من استخراج النفط الصخري أمراً غير مجدٍ اقتصادياً، بما يدفع الأميركيين في النهاية الى العودة لاستيراد النفط من المملكة.
إذاً تعتبر السعودية الحصان الرابح الآن، فالدولة الأكثر انتاجاً والأقل استهلاكاً تتحكم في ارتفاع السعر أو انخفاضه عن طريق رفع أو خفض انتاجها، وهي مصرة على إثبات أن هناك أكثر من طريقة لتحجيم النفوذ الإيراني، وعلى أنها لاعب قوي قد يجبر روسيا المقبلة على أزمة اقتصادية على أن تقدم بعض التنازلات في ما يخص بعض الملفات العالقة في المنطقة، إلا أنه على ما يبدو أن الروس غير مكترثين لذلك.
وفي استقبال الرئيس بوتين لوزير الخارجية السوري وليد المعلم قبل مدة قصيرة رسالة واضحة في ذلك.
* باحث سوري