عباس النوري*

أعتقد بأن أهم ما يميّز هذا العام عدا عن التجدد الدائم في معطيات ما يجري في بلادي يومياً وبشكل مخيف (لأنه في كل يوم ينضم فصيل جديد له أهداف مختلفة وبذلك يضاف معطى آخر يسمح بقراءة مختلفة أو يدفعنا لقراءة مختلفة جذرياً لما يجري) هو هذا الانكشاف الكبير لهزيمة الثقافة العربية في معركتها مع المستقبل (أو لأجله) أمام المشروعات المتداخلة والمشتبكة مع مستقبل البلاد.

برأيي، بدأت ملامح هزيمة الثقافة بانكشاف مساهمتها في طمس معالم عدوها الأول والرئيسي عبر اصطفافات بعض رموزها «المعارضة» في نظم ومشاريع طارئة مجهولة أو مشبوهة بتمويلها وانتمائها معاً.
حتى باتت تساهم مساهمة فعالة في إعادة إنتاج الجهل والتخلف والعصبية لا بل تساهم بما هو أخطر، أي خلخلة المكون الرئيسي للشخصية العربية وهو الدين.
ولا يخفى على أحد ما للدين من تأثير في تكوين شخصياتنا، وهنا لا أحدد ديناً دون غيره، ولا أقصد الاسلام وحده دون غيره.
نحن نعيش في إقليم منقسم على ثقافة التنوع قابلاً لها منسجمُ معها ويقبل انقسامه لأنه وريث حقيقي للتنوع الطارئ في غزواته وفتوحاته وتأثيراته المختلفة.
ولعل هذا الانقسام لا يشكل تميزاً فقط بل يشكل قوةً وتحدياً لكل العالم في الشكل الأمثل للتعايش بعيداً من المحاصصات السائدة في بلاد أُخرى.
الاقليم كله بات الآن يخدم مشروعاً يكرس هذا الانقسام بشكل عمودي واضح وفاضح، لا بل يتصدر هذا المشروع ذُرى ورموز ثقافية سيواخذها ويحاسبها التاريخ يوماً ما باعتقادي.
ما هو الفرق الآن بين بضعة أمتار ترتفع عليها أعلام تعلن استقلالها ككيان أو كدولة مثل «داعش» و»النصرة» وغيرهما وبين اسرائيل؟
هذه تصرّ على وحدانية الثقافة والدين والأُخرى كذلك! كلاهما يصرّ على مكوّن ودين واحد أحد لا يقبل الاختلاف والاتفاق مع أحد.

رفض الآخر بات قائماً
بقوة السيف الذي سيقطع رأس كل مخالف


والمؤسف شديد الأسف أن هذا الانقسام الجاري يأخذ بعده الديني من مرجعيات مشكوك في أصول ثقافتها وانتمائها، لا بل تزايد عليه مرجعياتنا الثقافية التي اعتمدناها رائدة للمشهد الثقافي العربي. لدينا الآن أكثر من إسرائيل واحدة!
لدينا اسرائيلات عدة اذا صح التعبير، وللأسف هو يصح!
إسرائيلات مختلفة ولكل اسرائيل علم وشعار تارةً أسود وأُخرى أخضر و... الخ.
وفي الدين نفسه، أعتقد بأننا انكشفنا عن أمة لا تعرف عن مكونها الرئيسي إلا ما تستوجبه المناسبة فقط لا غير.
نعرف فقط الآيات التي نصلي بها فروضنا الخمسة كالببغاوات ومن دون أدنى صلة بالإيمان أو بثقافته التي تدفعنا وبشكل واضح لقبول بعضنا بعضاً.
في الاقليم الذي تعيش فيه بلادي، نتقاسم إرثاً هائلاً من الجهل والتخلف والأمية، ونصّر على انعدام المواجهة مع هذا الارث بلا أدنى خجل من المستقبل الذي نراه بأولادنا، لا بل نمعن في تكريس هذا الارث بدواعٍ مختلفة تبدأ من أصالة انتماءاتنا الضيقة (كالطائفة أو القبيلة والعشيرة وغيرها...) ولا تنتهي حيث تنتهي امتيازات ذلك!
في بلادي انقسمت الأمكنة وانقسمت القيم وانقسم الإنسان ولم نشبع حتى تجرأنا على اقتسام الخالق (عز وجل)!
لكل طائفة دين ودنيا وإله مختلف وآخرة واحدة. وأجزم أن آخرتها الأبشع هي في تماديها في الاختلاف نفسه قبل أي آخرة أخرى...
وحتى نعود للوحدة يجب أن نعيد الحرية للإيمان، ولنبدأ بهذا المكون الرئيسي (الدين) الذي به نهضنا وقبلنا انسانيتنا وحياتنا المشتركة.
لقد انكشفنا جميعاً عن أمة تقرأ تاريخها باختراعٍ جديد ٍله كل يوم.. حفل تاريخنا بالأبطال والأمجاد فهل نحن حصيلة تلك الأمجاد؟ أم نحن الورثة الحقيقيون للجهل والعصبية والتخلف؟
وحتى تاريخنا المعاصر... حفل هو الآخر بانقلابات سمّت نفسها ثورات ولوت عنق التاريخ وقادت الأمة لأكاذيب جديدة وصارت لها أدبيات ومرجعيات ومبادئ! وتريد اقتحام التاريخ بانتصارات وانجازات حققتها لنفسها، ولا تسمح بالحد الأدنى بمناقشتها؟!
كل حركة التحرر العربية بحاجة إلى دراسة مقومات جديدة لعلاقتها مع التاريخ والجماهير قبل استيلاد مزيد من الشعارات والمبادئ التي تنشد من خلالها المستقبل.
ما يجري في بلادي بكل بساطة هو في جوهره صراع ثقافات سيربح في نهايتها من يثبت قوته على الأرض. فهل نترك تلك النهاية تأتي بما ستأتي به من دون تدخل ما؟
البيئة الحاضنة للتخلف هي الأوسع والأكبر، ولا بد من الاعتراف بذلك. فهل يعني ذلك الاستسلام؟
هذه البيئة تعيد انتاج الحياة بالمزيد من الغرق في سفاسف الإيمان من دون روح الإيمان نفسه. رفض الآخر هو المقوم الرئيسي الذي تقوم عليه إسرائيل الآن (كدولة يهودية)، وهو المبدأ ذاته الذي تقوم عليه داعش.
إسرائيل تقصف كل ما له علاقة، أو ما يمكن أن تكون له علاقة، بمستقبل بلادي. وهي لا تريد لهذا المستقبل ان يأتي بحالٍ من الأحوال، ولذلك تقصف الآن في الاقليم كله وتلعب أخطر ألعابها عبر تقسيم المقسم وتجزيء المجزء.
رفض الآخر بات قائماً بقوة السيف الذي سيقطع رأس كل مخالف ودونما أي مرجعية تذكر (شرعية كانت قانونية)، ولذا تقام المجازر علناً وبرسم التصوير والاستعراض الفاحش للعنف الدموي!
في الثقافة السائدة يقطعون رأس المستقبل في بلادي بسيف آت من تاريخ العرب وقد صقلته وحددت أسنانه قدرة اسرائيل على التكبير في منتصف صلاتنا!
أنا لا أفكر سياسياً ولست أهلاً لذلك ولا أحب ذلك من الأصل... إذ ليس بمقدورنا الكلام في السياسة من دون اصطفافات.
حالة الضياع هي التي تميز هذا عام ٢٠١٤، وهي حالة استشرت مع اندلاع مزيد من المعطيات المفاجئة على أرض الأزمة السورية. وقد اجتاحتنا هذه المعطيات حتى دخلت عليها مستويات متنامية من العنف غير المتوقع وصولاً إلى اللعب البارد بأرواح كل من يقف في طريق هذا الاجتياح؟!
أنا خائف على بلادي... خائف على شخصيتها الوطنية الخاصة والحافلة بالتنوع...
خائف على حدودها ومكوناتها الجميلة في اختلافها.
خائف من انعدام الحرية في ايامها، ومن استمرار حالها مخالفةً للتاريخ.
اكاذيب كثيرة أوصلتنا لهذه اللحظة، لعل أولها كذب التاريخ كما ليس آخرها إمعاننا في المزيد من الجهل الذي إذا ضاع ضاعت معه امتيازاتنا.
ها قد وصلنا لقمة الازدهار جهلاً وعنفاً وتقتيلاً وقطعاً للرؤوس ودفناً للحرية كباب وحيد للمستقبل.
وفي انتظار عام ٢٠١٥، أتمنى ان لا نصبح من أكثر الدول تصديراً لبضاعة الدم والتخلف!
* ممثل سوري