حين كرّر الوزير نهاد المشنوق في الشهرين اللذين سبقا موعد الانتخابات أنّ الوضع الأمني في لبنان لا يسمح بإجراء انتخابات نيابية (في آخر تصريح له: «لبنان مقبل على حرائق أكبر من كل حرائق المنطقة»)، كان ـ في الواقع ـ يتحدث عن عدم ملاءمة إجراء الانتخابات، في هذه الظروف، بالنسبة إلى تيار «المستقبل» بنحو خاص.


بمعنى آخر، الوزير «المستقبلي»، المسؤول المباشر عن الأمن الداخلي في لبنان، لم «يدب الصوت» حول خطورة الأوضاع، في بلدنا وفي المنطقة عموماً، من أجل الحث على الانخراط في بحث المعالجات الضرورية، على المستويين السياسي والأمني، لمنع وصول الحرائق إلى بلدنا أو لإطفاء ما وصلنا منها، بل من أجل تدارك «زنقة» تيار «المستقبل» الراهنة بسبب منافسة التيارات المتطرفة له وخروجها عن الولاء لقيادته (وحتى لمرجعيته السعودية) في العديد من الحالات (لمصلحة المرجعية القطرية أوالتركية أوالتكفيرية المباشرة).
«ميثاقية» الرئيس نبيه بري (وهو عموماً، الآن، حارس نظام المحاصصة وتوازناته) دفعته، فوراً، للإعلان أنه «لا يمكن إجراء الانتخابات إذا كان طرف أساسي لن يشارك فيها (أي «المستقبل»). وهكذا كان التمديد الثاني، رغم المعترضين (؟)، ورغم عدم دستورية التمديد الذي أجازه «المجلس الدستوري» المواظب، مرة جديدة، على التضحية بواجبه وبنفسه من أجل إنقاذ نظام المحاصصة!

لا يمكن فصل ما يعيشه
لبنان من أزمات عن طبيعة نظام المحاصصة الطائفية

بيد أن أطراف النظام لا يشبعون، وها هم الآن، في «لجنة الاتصال» الانتخابية النيابية يضاعفون من عدد الفيتوات التي يكفي واحد منها فقط من أجل تعطيل التوصل إلى التوافق على قانون انتخابي، حتى لو كان «قانون الستين» (الذي لم يعد يلبي مصالح جميع المتحاصصين القدماء والجدد، رغم أنه يعكس، بشكل «حريص» وتفصيلي، الخريطة التقليدية لتوزع الحصص والنفوذ في المراكز السياسية والإدارية اللبنانية). طبعاً، التعطيل ليس هدفاً قائماً بذاته. الهدف هو الاطمئنان إلى ملاءمة قانون الانتخاب العتيد لأمرين: المحافظة على مبدأ المحاصصة، جهة، وعلى تأمين نصيب هذا الطرف أو ذاك وفق توازنات فئوية، تصبح في لغة «التشريع» توازنات «ميثاقية» لا يجوز المساس بها أبداً، من جهة ثانية. بكلام آخر، إنه تمديد استباقي جديد، لكنه، هذه المرة، أخطر لأنه يشير إلى حالة تتكرر باستمرار: إلغاء حق الاختيار. ضرب مبدأ تداول السلطة وتجديد الإدارة العامة للبلاد، وكذلك ضرب مبدأ المساواة بين المواطنين والتنكر لقواعد صحة التمثيل ولشروط تحرير العملية الانتخابية من ضغوط التدخلات المالية والوظيفية... هذا فضلاً عن التدخل الخارجي. «يستبسل» ممثلو الكتل في «لجنة الاتصال» النيابية في الدفاع عن مصالح من يمثلون. الأمر بالنسبة إليهم، ليس مجرد تسجيل مواقف للتاريخ (!) أو لرفع العتب. إنهم يصارعون من أجل الدفاع عن «حقوق مكتسبة» ومقرة من الجميع، حتى لو خضعت لبعض التجاذب والاجتهاد (من ضمن النص حصرياً!) في هذه المرحلة أو تلك. ولذلك لا خلاف على «ثوابت» من نوع تعطيل مسار كان ينبغي البدء به منذ عام 1992 (مع تشكيل مجلس نيابي على أساس المساواة والمناصفة بدل الأرجحية السابقة). فلقد كان على ذلك المجلس أن ينشئ «هيئة وطنية» لإلغاء الطائفية السياسية بالتوازي مع إنشاء «مجلس شيوخ»،على أساس تمثيل طوائفي، تحال إليه مسألة التعبير عن هواجس سياسية أو اجتماعية في مسائل «مصيرية» في الداخل اللبناني أو في العلاقة مع الخارج (تنظم المواد 22 و24 و95 من الدستور هذه المبادئ وفق آليات واضحة وحاسمة لا تحمل لبساً أو تأويلاً إلا من قبل رافضيها، من الأصل، حفاظاً على نظام «الكوتا» الطائفية والمذهبية الراهن).
لا يوازي هذا الأمر، في اتفاق المتحاصصين وخلافهم، إلا حرصهم على رفض النسبية المتحررة من القيد الطائفي. لأن الصيغ النسبية الأخرى (التي وردت في «مشروع لجنة فؤاد بطرس» عام 2006، أو مشروع «اللقاء الأرثوذكسي»... هي صيغ التفافية: الأولى بسبب كونها، فعلياً، شكلاً من أشكال النظام الأكثري، والثانية بسبب ضربها لمبدأ المساواة بين المواطنين ومخاطرها التقسيمية الكبيرة. ولا بد في هذا السياق من توقف أساسي عند المشروع المقدم من قبل «التيار الوطني الحر» (العوني) بشأن «تفسير» الدستور في ما يتعلق بـ«المناصفة» (المادة 24). المناصفة، أولاً، هي، حسب الدستور في المادة المذكورة، صيغة مرحلية ومؤقتة «إلى أن يضع مجلس النواب قانون انتخاب خارج القيد الطائفي». أما ما حصل لجهة عدم وضع النصوص الدستورية الملزمة قيد التنفيذ، فتلك مخالفة ينبغي الإقلاع عنها، لا السعي إلى تكريسها من خلال «تفسير» دستوري سيكون، بالضرورة، نسفاً لروحية ونصوص الدستور الذي اعتبر في مقدمته أن «إلغاء الطائفية السياسية هدف وطني أساسي يقتضي العمل على تحقيقه فق خطة مرحلية». وهو صاغ في بنود حاسمة آلية لتنفيذ ذلك كما أشرنا وكما هو معروف طبعاً.
لقد جرى تشويه «اتفاق الطائف» لعام 1989، كما جرى ويجري التنكر للبنود الإصلاحية في الدستور التي جرى إقرارها أملاً في أن يكون تطبيقها مدخلاً لبناء نظام سياسي يقوم على المساواة لا على المحاصصة والامتيازات. ومعروف أن هذين، ولو تبدلت التوازنات وجرى تداول الامتيازات، لم يفضيا ولن يفضيا أبداً، إلى بناء وحدة وطنية راسخة تستطيع، بدورها، أن تتحول أساساً صلباً لبناء لبنان الموحد والمستقر والمستقل والديموقراطي.
لا يمكن فصل ما يعيشه لبنان من حروب وأزمات وانقسام وتعثر في بناء دولته وبلورة وتوطيد وحدة شعبه ومقومات استقراره ، عن طبيعة نظام المحاصصة الطائفية الذي يمعن في الجسد الوطني شرذمة وإضعافاً وتفتيتاً. ويصبح الإصرار على ذلك نوعاً من الخطأ الكبير الذي يعادل الانتحار الوطني مهما حسنت النيات أو كبرت الهواجس التي أدى إليها، ولا يزال يغذيها، واقع مريض يصر المستفيدون منه على تكريسه وإدامته رغم مخاطره على لبنان الدولة والشعب، دونما تمييز طائفي أو مذهبي أو مناطقي أو عرقي، هذه المرة!
إننا ندور في حلقة مفرغة. يصبح ذلك أخطر في ظل تفاقم الفئويات وانفلات الغرائز والعصبيات، كذلك في ظروف استمرار غياب قوة شعبية سياسية ذات هدف إنقاذي، خصوصاً في هذه المرحلة الكوارثية التي تمر بها المنطقة ويمر بها لبنان.
* كاتب وسياسي لبناني